لطالما كانت الشوكولاتة مهمة بطريقة أو بأخرى في حياتنا، إذ إنها خدمت – ولم تزل – أغراضًا مختلفة في نقاط مختلفة في التاريخ والجغرافيا. في العصر الحديث مثلًا أحد أكثر استخدامات الشوكولاتة التي يمكن التعرف عليها على الفور هي التعبير في المناسبات الرومانسية؛ إذ تلعب الشوكولاتة دورًا محوريًا في تقديم الهدايا لعيد الحب.

يعتبر استهلاك الشوكولاتة من أجل المتعة أمرًا ثابتًا تاريخيًا. فمنذ أول استخدام مسجل للشوكولاتة في أمريكا الوسطى وحتى استخدامها في جميع أنحاء العالم اليوم، ونحن نأكل الشوكولاتة ببساطة لأننا نحب مذاقها ونستمتع به. ومع ذلك لم تكن المتعة دائمًا العامل الوحيد الذي دفع البشر إلى استهلاك الشوكولاتة.

الشوكولاتة عند سكان أمريكا الوسطى القدماء

عندما نتحدث عن استهلاك الشوكولاتة الآن، فنحن ننظر لها كمنتج صلب نتذوقه ونأكله، لكن في الفترات الأولى لاكتشاف بقية العالم للكاكاو في أمريكا الوسطى بالقرن السادس عشر، كان تناول الشوكولوتة مختلفًا، وعلى مدى سنوات من استمتاع العالم بالشوكولاتة بعد اكتشاف الكاكاو، قضى البشر معظم هذه السنوات في شرب الشوكولاتة بدلًا عن تناولها. بالنسبة لأبناء أمريكا الوسطى، كان من الأفضل تقديم الشوكولاتة كمشروب كثيف، رغوي، مرير، حار.

الشوكولاتة، مثل الطماطم والذرة والبطاطس واليقطين، موطنها الأصلي هو «العالم الجديد». أنتج السكان الأصليون الشوكولاتة لأول مرة في أمريكا الوسطى. وعثر العلماء على أقدم شوكولاتة معروفة في وعاء صغير يعود تاريخه إلى شعب «موكايا»، وهم مجتمع ما قبل شعب «الأولمك» الذي عاش في ما يعرف الآن بجنوب المكسيك وجواتيمالا حوالي عام 1900 قبل الميلاد، ثم بعدها تبنى شعب المايا الشوكولاتة واهتم بها، ثم في وقت لاحق من قبل شعب «الأزتيك».

لإنتاج الشوكولاتة في أمريكا الوسطى، كان المزارعون يحصدون حبوب الكاكاو أولًا من كبسولاتها، ثم يقومون بتخميرها وتجفيفها، ثم تحميصها، ثم طحنها. وخلطت الحبوب المطحونة مع الماء ودقيق الذرة، ثم يتم تتبيلها بالفلفل الحار. أطلق عليها كل من المايا والأزتيك اسم «xocolatl»، وهو ما يعني المياه المرة. إن الماء المر الناتج من هذه العملية هو بلا شك بعيد كل البعد عن الطريقة التي نحب بها الشوكولاتة اليوم.

الماء المر ربما كان من غير المحتمل أن يحظى بشعبية كبيرة في أيامنا الحالية، حتى أنه بالنسبة للغزاة الأسبان الذين وصلوا إلى موطن الأزتك عام 1519 بعد الميلاد، كانت الشوكولاتة المقدمة لهم أقرب لما يطلقون عليه «مشروب الخنازير المرير». وبالتالي لم يكن لدى الأسبان سوى القليل من التقدير للشوكولاتة، حتى اكتشفوا أن تسخينها وتحليتها أدى إلى تحسين استساغتها بشكل كبير.

الشوكولاتة في الطقوس الدينية

الشوكولاتة لها تاريخ ديني طويل وعميق. بالنسبة لقبائل أمريكا الوسطى مثل شعوب المايا والأزتيك، لعبت الشوكولاتة أو الكاكاو أيضًا أدوارًا مهمة في الاحتفالات الدينية. على سبيل المثال كان الدم مقدسًا جدًا لشعبي المايا والأزتك، وكان ينظر إلى الشوكولاتة على أنها قوة واهبة للحياة وتقوي الدم البشري. لذلك كان استهلاكها نوعًا من الأسرار التي أعطت الحياة للمستهلك الورع.

بالنسبة لأمريكا الوسطى، اعترف بالكاكاو على أنه «طعام الآلهة»، وجرى توقيره لما اعتقد أنها «خصائصه الإلهية» المتصورة. على هذا النحو، اعتبر سكان أمريكا الوسطى الكاكاو ضرورة للمناسبات الدينية الهامة مثل المواليد والأعراس والوفيات وحتى التضحية البشرية.

الشوكولاتة ومشكلة الصوم مع رجال الدين المسيحيين

كان هرنان كورتيز، أول أوروبي تذوق شراب الشوكولاتة الرغوي، بعد فتح الإسبان لشعوب الأزتك، بعدما شاهد إمبراطور الأزتيك العظيم مونتيزوما الثاني وهو يشربها بعد مأدبة طعام. أحب كورتيز هذه الأشياء كثيرًا وبعد نهب الإسبان إمبراطورية الأزتك تأكد من حصوله على حبوب الكاكاو بجانب الذهب والأراضي.

وصلت الشوكولاتة بعدها إلى أيدي الرهبان الفرنسيسكان الذين أتوا للتبشير مع الأمريكيين الأوائل. تحول الفرنسيسكان إلى عشاق للشوكولاتة، وأعادوا الشوكولاتة إلى البلاط الإسباني. ومع ذلك أنشأت الشوكولاتة مشكلة دينية إضافية في العالم الكاثوليكي، حيث كانت إسبانيا وإمبراطوريتها الأمريكية تشكل جزءًا كبيرًا منه.

كانت المسيحية الكاثوليكية في تلك الأيام تتميز بأيام صيام أكثر بكثير مما هي عليه اليوم. كانت أيام الجمعة وفي كثير من الأحيان أيام الأسبوع الأخرى خالية من اللحوم وتطلبت الامتناع عن الملذات، كما في الصوم الكبير. هنا ظهر جدل حول ما إذا كانت الشوكولاتة تشكل مخالفة ليوم الصوم المفروض؟ ناقش رجال الدين والسلطات الدينية هذه القضية. فإذا اعتبرت الشوكولاتة طعامًا فإنها تنتهك الصوم. ولكن إذا كانت شرابًا، مثل الماء، فلا مشكلة حينها.

وصل الجدل إلى أعلى المستويات، وفي عام 1662 حكم البابا ألكسندر السابع بأن هذا المشروب الرائع «لا ينتهك صيام الكنيسة، ويمكن للمؤمنين تناوله يوم الجمعة وحتى أثناء الصوم الكبير»، وحتى يومنا هذا، لم تغادر الشوكولاتة المجال الديني تمامًا، إذ يعرف الكثير من الأطفال في الغرب عن بيض الشوكولاتة في عيد الفصح. وكيف كان سيكون المنزل اليهودي اليوم بدون الـ«Hanukkah gelt»، أو نقود الحانوكا، وهي شوكولاتة لذيذة الطعم على شكل عملات معدنية كبيرة يعطيها اليهود لأطفالهم في عيد الحانوكا، مرسوم عليها شكل شمعدان، أو نجمة داود وتكتب عليها كلمات عبرية أو يديشية.

الشوكولاتة كمنشط جنسي

أباطرة الأزتك استخدموا مشروب الشوكولاتة قديمًا كمنشط جنسي، لوضع زوجاتهم في مزاج جيد للرومانسية. ربما كان أكثر محبي شوكولاتة الأزتك شهرة على الإطلاق هو حاكم الأزتك العظيم مونتيزوما الثاني، الذي من المفترض أنه شرب جالونات من الشوكولاتة كل يوم من أجل الطاقة وكمنشط جنسي، ويقال أيضًا إنه احتفظ ببعض حبوب الكاكاو لجيشه.

اكتسبت الشوكولاتة سمعتها كمنشط جنسي بسبب التاريخ المسجل من الحضارة الغربية. يتحدث التاريخ – بجانب الأزتك والمايا – عن كازانوفا، العاشق الأسطوري، الذي كان يروج لمنشطات الشوكولاتة المثيرة للشهوة نظرًا لقدرتها على بث الطاقة لقضاء ليلة في الخارج. من المحتمل أيضًا أن تعمل الشوكولاتة على تشغيل مستشعرات المتعة في الدماغ، وقد فهم كازانوفا ذلك جيدًا.

الطفل

منذ 4 شهور
على عكس الشائع.. هذه الأطعمة لا تفيد طفلك خلال يومه الدراسي

في الوقت الحاضر ينسب العلماء الصفات المثيرة للشهوة الجنسية للشوكولاتة إلى مادتين كيميائيتين تحتوي عليهما. الأولى، التربتوفان، هو لبنة بناء مادة السيروتونين، وهي مادة كيميائية في الدماغ تشارك في الإثارة الجنسية، والثانية، فينيل إيثيل أمين، وهو منبه مرتبط بالأمفيتامين، يطلق في الدماغ عندما يقع الناس في الحب. لكن يعتقد معظم الباحثين أن كميات هذه المواد في الشوكولاتة صغيرة جدًا بحيث لا يكون لها أي تأثير ملموس على الرغبة الجنسية.

الشوكولاتة كعملة للتبادل التجاري

نظرًا لأن شعب الأزتيك كانوا مهيمنين في وسط المكسيك، كان لابد من استيراد الشوكولاتة من المناطق الجبلية كسلعة فاخرة. كان الأزتك غزاة عظماء ولذا كانوا سعداء بتحصيل الجزية من جيرانهم المهزومين، وكانت حبوب الكاكاو عملة شائعة.

في التجارة كان الكاكاو يستخدم لدفع الضرائب ودفع ثمن البضائع. وفقًا لوثائق الأزتك التي تعود إلى القرن السادس عشر، فإن ثلاث حبات كاكاو ستجلب لك الأفوكادو، و100 ديك رومي. هل تتخيل أنه في ثقافة الأزتك كانت حبوب الكاكاو أكثر قيمة من الذهب؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد