اليمن، الدولة التي مزقتها – ولاتزال – الحرب الأهلية المندلعة منذ أكثر من عامين، يبدو أنها تهرول باتجاه هاوية مظلمة لا نهاية واضحة الملامح لها. ويبدو أن الدولة الفقيرة لا تجد متنفسًا سياسيًا واضحًا لأزمتها المشتعلة، حتى تبدأ الأمراض التي اعتقد الناس أنها انتهت من العالم، في محاربتها أيضًا لتجتمع عليها السياسات الخارجية والتمزقات الداخلية والانحدار الصحي.

أعلنت منظمة الصحة العالمية أن 51 شخصًا قتلوا في اليمن خلال الأسبوعين الماضيين نتيجة الإصابة بمرض الكوليرا، الذي يبدو أنه بدأ يجد موضع قدم له في صورة وباء. وأشارت تقارير المنظمة أنه قد جرى الإبلاغ عن 2752 حالة أخرى يشتبه في إصابتهم بالكوليرا نتيجة أعراض الإسهال المائي الحاد في الفترة بين 27 أبريل (نيسان) و7 مايو (أيار) 2017.

يذكر أن حوالى 26 ألف شخص قد تأثروا بهذا المرض بالفعل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016، بسبب تفشي المرض الذي كان قد هدأ بشكلٍ ملحوظ خلال فصل الشتاء. ويأتي هذا في وقتٍ ينهارُ فيه النظام الصحي والبنية التحتية المدنية في البلد بعد عامين من الصراع.

تزايد المخاوف وسط انهيار الوضع الصحي

مع الارتفاع المفاجئ للحالات المصابة بالمرض، يخشى المسؤولون الصحيون وقوع الأسوأ. ونقلت وكالة رويترز عن الدكتور نيفيو زاجاريا، ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن، قوله «إننا نواجه إعادة تنشيط لوباء الكوليرا».

وقد أثر تفشِّي المرض على العاصمة صنعاء، فقد نشرت وكالات الأنباء ملاحظاتها عن انتشار أكوام من القمامة وانسداد مياه الصرف الصحى بسبب إضراب عمال الصرف الصحي الذين تعرضوا لضغوط اقتصادية قوية نتيجة عدم دفع الأجور لعدة أسابيع.

الكوليرا هي عدوى إسهالية حادة ناتجة عن تناول الطعام أو الماء الملوث بالبكتيريا المسماة «Vibrio cholera». ويمكن أن تسبب الكوليرا، التي تنتشر عبر المياه الملوثة ببراز الشخص المصاب، قيئًا وإسهالًا شديدين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى حالة الجفاف القاتل في غضون ساعات إذا لم يجرِ معالجة المصابين – خصوصًا الأطفال – بالسوائل والمضادات الحيوية.

وأوضحت التقارير تزايد خطر انتشار وباء الكوليرا في اليمن، البلد الأكثر فقرًا في العالم العربي، والذي تضخم إلى حد كبير بسبب ما يرقى إلى «انهيار نظام الصحة العامة» بسبب الحرب التي دامت عامين بين المتمردين الحوثيين والحكومة، المدعومة من قبل المملكة العربية السعودية.

ومنذ بدء الحرب التي اندلعت في مارس (آذار) 2015، أغلقت العديد من المستشفيات، التي تضررت جراء الغارات الجوية والهجمات الأخرى للمتمردين، مما منع أساسًا وصول الأطباء إلى أجزاء واسعة من البلد. انتشار هذا الوباء يمكن أن يزيد من الانتكاسات الحادة في اليمن، حيث يواجه نحو 17 مليون شخص – حوالي ثلثي السكان – من الجوع الشديد والمجاعة المحتملة.

كما يلعب الطقس دورًا مهمًا في انتشار المرض، فالعوامل المسببة للأمراض التي تتسبب بالكوليرا هي أكثر عرضة للانتشار في الطقس الأكثر دفئًا، وقد غمرت الأمطار الغزيرة الأخيرة أكوام من النفايات غير المجمعة في مصادر المياه.

ويقدر أن مليوني طفل يمني دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحادة. وقد وصفت اللجنة الدولية للإنقاذ، وهي مجموعة مساعدات تستجيب للكوارث الأكثر إلحاحًا، اليمن بأنها «أكبر أزمة إنسانية في العالم».

الصحة العالمية تستجيب

في محاولة لاستجابة سريعة، قامت منظمة الصحة العالمية بتوزيع الأدوية والإمدادات الطبية بشكلٍ عاجل، بما في ذلك مجموعات مقاومة الكوليرا، ومحاليل الإماهة الفموية، والسوائل الوريدية، فضلًا عن الأثاث والمعدات الطبية لمراكز علاج الإسهال. ويجري إنشاء عشرة مراكز علاج جديدة في المناطق المتضررة.

وتدعم منظمة الصحة العالمية أيضًا السلطات الصحية لإنشاء زوايا معالجة بالإماهة الفموية لعلاج الجفاف المعتدل والبسيط الناجم عن الإسهال. وبعد البدء بعدد 10 زوايا للعلاج بالإماهة الفموية في صنعاء، سيتم تكرار هذا النهج في جميع المناطق المتضررة، وستحال الحالات الأكثر شدة إلى مراكز علاج الإسهال المتخصصة.

وقال نيفيو زاجاريا: «نحن قلقون جدًا من عودة ظهور الكوليرا عبر عدة مناطق في اليمن خلال الأسبوعين الماضيين». وأضاف أنه يجب توسيع نطاق الجهود الآن لاحتواء تفشي المرض وتجنب الزيادة الهائلة في حالات الإصابة بمرض الإسهال.

وكانت وزارة الصحة العامة والسكان في اليمن أعلنت عن تفشي وباء الكوليرا لأول مرة في اليمن في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2016. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن 7.6 مليون شخصًا يعيشون في مناطق معرضة لخطر انتقال الكوليرا.

وقبل هذا التفشي الذي حدث مؤخرًا، دعمت منظمة الصحة العالمية إعادة تأهيل 26 مركزًا لعلاج الإسهال في المحافظات المتضررة، ودربت العاملين الصحيين على علاج المرضى استنادًا إلى إدارة حالات منظمة الصحة العالمية ومعايير الوقاية من العدوى ومكافحتها. وقامت المنظمة أيضًا بتدريب ودعم نشر فرق للاستجابة السريعة للتحقيق في الحالات المحتملة والمساعدة على تنقية مياه الشرب باستخدام الكلورين في مصادر المياه في المناطق التي أبلغت عن الكوليرا فيها.

وتواصل منظمة الصحة العالمية دعم الجهود التي تبذلها السلطات الصحية في تعزيز القدرة على التشخيص وتعزيز نظام مراقبة الأمراض وتقديم الأدوية إلى المناطق الشديدة الخطورة وتنظيم حملات التثقيف الصحي للسكان المعرضين للخطر وتدريب الموظفين الوطنيين على إدارة الحالات والكشف المبكر والإبلاغ.

وقالت الدكتور زاجاريا إن منظمة الصحة العالمية في وضع طوارئ كامل لاحتواء الزيادة الأخيرة في حالات الإصابة بالكوليرا. وأضاف «احتواء تفشي المرض يمثل أولوية عالية بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية وننسّق الجهود مع جميع الأطراف ومع شركائنا فى الصحة والمياه والصرف الصحى لتوسيع نطاق الاستجابة المتكاملة والفعالة لوباء الكوليرا».

عودة وباء قديم

ظل هذا المرض حول العالم لعدّة قرون، ولا يزال يشكِّلُ خطرًا على الصحة العالمية. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، هناك ما يقرب من 3 ملايين و90 ألف حالة وفاة سنويا لهذا المرض القاتل.

يذكر أن أسوأ تفشي للمرض في الوقت الحالي هو الذي يحدث في هاييتي والمرتبط بالكوليرا التي جلبتها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في عام 2010. كما أن حالات التفشي لا تزال مستمرة في جنوب السودان والصومال. هناك أيضًا عدد من البلدان التي تعاني منذ فترة طويلة من الكوليرا، مثل بنغلاديش والهند وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يعاني مئات الآلاف من الناس من المرض كل عام.

بدأ انتشار هذا المرض إلى العالم الغربي في أوائل القرن التاسع عشر، مع سفن السفر والتنقل البحري ذهابًا وإيابًا إلى الهند، وانتشر عبر روسيا، إلى أوروبا الغربية، ثم وصل إلى مدينة بالتيمور الأمريكية ومنها إلى نيويورك وفيلادلفيا في منتصف القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت كان المرض يؤثر على أجزاء كبيرة من العالم بالفعل، حيث تسببت في مقتل الملايين.

في هذا الوقت، لم يكن أحد يعرف السبب وراء هذا المرض، لم نكن نعرف كيف نتعامل معه، وحالات الكوليرا التي لم تُعالج بلغ معدل الوفيات فيها حوالي 50%. النظريات حول سبب هذا المرض الرهيب كانت وفيرة. وكان الهواء السيء المتصاعد من المجاري وأكوام القمامة المتعفنة مشتبها به بارزًا. بعض زعماء الكنائس قالوا إنه انتقام الله على السلوك الخاطئ للناس. واقترح البعض أن السبب يعود إلى سم ما في التربة باعتباره جانيًا محتملًا. ويبدو أن هناك صلة بين الكوليرا والأحياء الفقيرة الحضرية المزدحمة.

وضع صحي سيء

يعاني شعب اليمن، صغارًا وكبارًا، من عواقب كارثية بسبب الصراع المسلح وهو ما يتضح بشكل تام في نظام الرعاية الصحية. ويحتاج نحو 19 مليونا من سكان اليمن البالغ عددهم 24.4 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.

ويعاني نصف مليون طفل تقريبًا في اليمن من سوء التغذية الحاد، وتعتبر المجاعة في جميع أنحاء البلاد الآن خطرًا حقيقيًا. وفي الوقت الذي يقتل ويجرح فيه عشرات الآلاف من اليمنيين، تعاني المستشفيات اليمنية – على الرغم من دعم بعض المنظمات الدولية مثل لجنة الصليب الأحمر الدولية – من نقصٍ كبير في الأدوية والموظفين والمعدات. وعادة ما تقدم المستشفيات اليمنية الدواء للمحتاجين دون قيود، لكن في كثير من الأحيان، تتوافر الأدوية المنقذة للحياة فقط في السوق الخاص مقابل أسعار مرتفعة، وهو ما أوضحته تقارير صحفية من العاصمة صنعاء.

العديد من المستشفيات في اليمن تضررت أو تدمرت في الصراع القائم، وتلك التي لا تزال قادرة على العمل تكدس فيها المرضى وسط معاناة في توافر الأدوية الأساسية. وذكرت صيدلانية يمنية في تقرير صحفي سابق إنه بسبب الحرب في اليمن، «نفتقر إلى الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم، أو السكري، وخاصة في المستشفيات العامة» وتابعت «لدينا انقطاع مستمر في التيار الكهربائي. لذلك بعض الأدوية التي تحتاج إلى أن تبقى مبردة تفسد ويكون علينا إلقاؤها في القمامة.

الضغط على مستشفيات اليمن المتبقية، وصعوبة الوصول إليها بسبب النزاع، ونقص الأدوية، يعني أن الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة يجدون أنه من المستحيل تقريبًا الحصول على العلاج الحيوي الذي يحتاجونه. وقد سافر البعض لمسافات تصل إلى أكثر من 200 كيلومتر إلى مستشفيات أخرى لتلقي العلاج، كما أنّ بعض المرضى سافروا إلى مدينة الحديدة للحصول على عمليات الغسيل الكلوي اللازمة لهم بسبب عدم توافرها في العاصمة صنعاء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد