يبلغ القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين، الدالاي لاما عامه السادس والثمانين في يوليو (تموز) القادم، وعلى الرغم من أنه يتمتع بصحة جيدة؛ فإن العديد من الأقاويل أثيرت في الفترة الماضية حول هوية خليفته القادم.

مُنح هذا المنصب إلى 13 شخصًا روحانيًّا من قادة العقيدة البوذية التبتية قبل تينزن جياتسو (بالصينية: 第十四世达赖喇嘛)، الدلاي لاما الرابع عشر الذي يشغل المنصب الحالي؛ وقبلهم كان بوذا نفسه مؤسس الفلسفة أو المعتقد البوذي هو الدلاي لاما؛ إذ يعتقد أن روح بوذا خرجت من جسده بعد الموت كي تعيش إلى الأبد في جسد أشخاص آخرين. وبعد وفاة بوذا، أعلن أن روح بوذا وجدت في شخص آخر، وكان أول شخص يمنح لقب الدالاي لاما. 

Embed from Getty Images

تمثال لبوذا في بنجلاديش 

فعليًّا؛ الدالاي لاما ليس القائد الأوحد للعقيدة البوذية؛ بل هو قائد الطائفة التبتية؛ ولكنه مثل بابا الفاتيكان الكاثوليكي الذي يمتد تأثيره إلى الطوائف المسيحية الأخرى، والمجتمعات البوذية الأخرى ليس بينها اختلافات جوهرية كما هو الحال في الطوائف المسيحية؛ بل يمكن اعتبارها مدارس أو مذاهب مثل مذهب الإمام الشافعي وابن حنبل في الدين الإسلامي.

تقسم المدارس أو المذاهب البوذية إلى ثلاث مدارس رئيسية: «ثيرافادا (Theravada)» وتعني السير على نهج الحكماء، المدرسة الثانية هي «ماهايانا (Mahayana)» وتعني المركبة الكبيرة، وأخيرًا «فاجرايانا (Vajrayana)» وتعني المركبة الماسية، والمدرسة الأخيرة يطلق عليها أيضًا اسم «المدرسة التبتية»، نظرًا إلى نشأتها في دولة التبت التي تُعد حاليًا أحد الأقاليم التابعة سياسيًّا للحكومة الصينية.

مدرسة فاجرايانا أو المدرسة التبتية هي الأكثر انتشارًا بين المدارس البوذية، وهي التي يمثلها أو يقودها الدالاي لاما، وبسبب ضخامة عدد التابعين لهذه المدرسة، فضلًا عن الاعتبارات السياسية؛ فإن عملية اختيار الدالاي لاما القادم أصبحت محل نزاع بين الصين من ناحية، والهند والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، فما القصة؟

كيف يجري اختيار الدالاي لاما؟

طبقًا للمراسم البوذية التبتية؛ فإن في استخدام مصطلح «اختيار» لمنح لقب الدالاي لاما غير منطقي؛ وذلك لأن الدالاي لاما لا يُختار؛ بل يُبحث عنه.

في الأديان أو العقائد الفلسفية الشهيرة المعتنقة في قارة آسيا مثل البوذية، والهندوسية، والسيخية، والجينية، يُعتقد أن الروح لا تموت مع الجسد؛ بل إنها تذهب إلى جسد مولود جديد، وهذا ما يعرف باسم «الاستنساخ الروحي (Reincarnation)». 

ويؤمن مُعتنقو البوذية التبتية بأن الدالاي لاما يتميز عن باقي البشر بأن له سلطة اختيار الجسد الجديد الذي يولد فيه. وطبقًا لذلك؛ فإن بعد وفاة الدالاي لاما يبدأ القادة الروحيون الكبار في الهيكل البوذي التبتي عملية البحث عن روحه في جسد أحد الأطفال الذين ولدوا بعد وفاته.

على مر التاريخ استمرت عملية البحث ما بين سنتين أو ثلاثة، لكن البحث عن الدالاي لاما الحالي أُعلن عنه بعد أربع سنوات ونصف، وكان عمره وقتها سنتين فقط.

جدير بالذكر أنه بعد نجاح عملية البحث وإعلان التوصل للطفل الذي سوف يصبح مستقبلًا الدالاي لاما، يُنقل هو وعائلته إلى العاصمة التبتية لاسا، ليبدأ رحلته الدراسية والتأهيلية حتى يصبح مؤهلًا لقيادة مُتبعي العقيدة البوذية بشكل عام والبوذية التبتية بشكل خاص.

عادة ما ينحصر البحث في الأطفال من الجنسية التبتية، باستثناء الدالاي لاما الثالث الذي أعلن عنه عام 1543، وحمل الجنسية المنغولية، لكنه كان قد وُلَد في التبت.

تبدأ مراسم عملية البحث بإحراق جثة دالاي لاما على ضفاف البحيرة التبتية المقدسة، ومن ثم ترك رماد الجثة يطير مع الهواء، ويكون الاتجاه الذي تحمل الرياح فيه رماد الجثة هو الاتجاه الذي يسير فيه المسئولون عن إيجاد الدالاي لاما الجديد.

يعمل القادة الروحيون على إعداد دليل توجيهي وغالبًا ما يكون سريًّا يحتوي الدليل على علامات تُميز الطفل المُراد عن غيره، وعند الوصول إلى أحد المرشحين يمر بعدد من الاختبارات لتي يغلب عليها أيضًا طابع السرية، لكن يعرف أن من بينها اختبار التعرف إلى أدوات أو أشياء الدلاي لاما السابق المفضلة، مثل كتاب أو عصا أو أي أداة مميزة كان يستعملها، وتوضع مع مجموعة من الأشياء التي تشبهها، وفي حالة نجاح الطفل في اختيار الأشياء بعينها التي كان يفضلها ويستخدمها الدالاي لاما السابق؛ تكون هذه علامة مهمة على أن الطفل قد يحمل روح الدالاي لاما.

ولكن ماذا يحدث في حالة نجاح أكثر من طفل في الاختبارات؟ في هذه الحالة تُنظم مراسم حديدة أمام البحيرة التبتية المقدسة، ويجري اختيار الدالاي لاما القادم من خلال قرعة علنية.

هل يصبح اختيار الخليفة معركة بين الصين وأمريكا والهند؟

في عام 1950 أعلنت الإمبراطورية الصينية عن ضم دولة التبت إلى نطاق حكمها، القرار الذي لاقى وما زال يلقى معارضة قوية من خارج وداخل التبت حتى هذه اللحظة. كان الدالاي لاما أشد المعارضين للحكم الصيني في التبت؛ وكان ذلك دافعًا للحكومة الصينية لمطاردته  ومحاولة التنكيل به حتى هرب خارج البلاد عام 1959.

وبمناسبة الحديث عن اختيار خليفته؛ فقد أعرب الدالاي لاما عن قلقه تجاه إمكانية عدم النجاح في البحث عن دالاي لاما جديد بعد موته، لأنه يرى أنه من المستحيل أن يولد قائد روحاني للبوذية التبتية تحت حكم الاحتلال الصيني، وكما ذكرنا من قبل، فإن البحث يقتصر على نطاق الدولة التبتية فقط.

وفي السياق نفسه قد أعلنت الحكومة الصينية في وقت سابق أن لها الحق في الإشراف وإدارة عملية اختيار الدالاي لاما، وبالفعل أصدرت الحكومة الصينية بيانًا في عام 2007 تمنح الصين السلطة مُنفردة في اختيار الدالاي لاما القادم دون تدخل أي جهة أجنبية أخرى.

دالاي لاما في منفاه بالهند عام 1959، مصدر الصورة «بلومبرج»

على صعيد آخر، تحاول الحكومة الهندية استغلال إقامة الدالاي لاما فيها منذ هروبه من بطش الحكومة الصينية عام 1959؛ كي تكون الجهة السياسية المُتحكمة في إدارة عملية اختيار الدالاي لاما القادم، لا سيما وأن القائد البوذي الأعلى الحالي، قال في وقت سابق إنه في حالة استمرار الحكم الصيني للتبت سوف يقرر بعد وفاته – بحسب العقيدة البوذية – أن تُستنسخ روحه في طفل جديد خارج التبت.

نظمت الحكومة الهندية في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) 2021، خمس تجمعات ضخمة لقادة روحانيين ورهبان من ذوي المقامات العالية في كافة المدارس والطوائف البوذية، في سابقة لم تحدث منذ ألفي عام، ووصفت صحيفة «بلومبرج» الأمريكية خطوة الحكومة الهندية بأنها محاولة لكسب شرعية دولية لقرار مستقبلي تُعلن فيها الهند الوصي الأول على اختيار الدالاي لاما القادم.

أما عن الولايات المتحدة، فعلاقة الدالاي لاما القوية بالولايات المتحدة تمتد منذ زمن بعيد؛ فقد ساعدته القوات الخاصة الأمريكية في عملية الهروب من تبت إلى الهند عام 1959 خوفًا من تنكيل الحكومة الصينية به.

وفي الوقت الحالي، وجود مساحة للتقارب بين الهند والولايات المتحدة؛ لأنها أحد حلفاء قارة آسيا التي تعمل معها حكومة جو بايدن لمناهضة التمدد الصيني، من خلال فرض عقوبات سياسية واقتصادية على الحكومة الصينية.

وقبل أن يغادر منصبه بشهور قليلة؛ اتخذ الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، قرار بسحب تأييد الحكومة الأمريكية الذي منحته للحكومة الصينية في وقت سابق في حقها في إدارة عملية اختيار الدالاي لاما، وقد أعلنت إدارة الرئيس الحالي جو بايدن أنها تؤيد هذا القرار؛ نافية أي سلطة أو حق  للصين في اختيار القائد البوذي القادم.

دولي

منذ سنة واحدة
يحذر من «أسلمة» أوروبا ويداهن عسكر ميانمار.. وجه الدالاي لاما الذي لا نعرفه!

المصادر

تحميل المزيد