ردد الشهادة أمام القاضي الشرعي وأعلن إسلامه، ثم سافر من جدة إلى مكة مع قافلة من الرجال والجمال، عاش بين المسلمين ومارس طقوسهم، لكنه لم يخدمهم بقدر ما خدم المستعمر الهولندي.

كان كريستيان سنوك هرخرونيه رجلًا بملامح حادة، اتهمه كثيرون بتحوله للإسلام لتحقيق أهدافه البحثية التي تخدم الاستعمار، سواء في الحجاز أو في إندونيسيا، ويعد الشخص الذي قوض الحركة الوطنية في آتشيه.

درس المستشرق الهولندي هرخرونيه، أو الحاج عبد الغفار اللايدني؛ علوم الإسلام ودرّسها، وزار الحجاز وكتب عنه وعن المسلمين والإسلام، ليعين سلطات الاستعمار الهولندي لاحقًا على وضع سياسة استعمارية تقمع المسلمين في إندونيسيا وتوقف ثوراتهم.

في القرن التاسع عشر، كان الاستشراق جزءًا من تراث الدول الاستعمارية، وأدى الرحالة المستشرقون أعظم الخدمات لدولهم، وكان هرخرونيه واحدًا من أهم هؤلاء المستشرقين.

حتى اليوم، تتباين الآراء بشأن هرخرونيه، وهل كان اعتناقه الإسلام حقيقيًّا أم مجرد قناع لدخول الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، رغم ترجيح السيناريو الأول لدى الغالبية من الباحثين.

في هذا التقرير، نحاول تعقب مسيرة المستشرق المثير للجدل؛ بداية من هولندا ومرورًا بالحجاز، حتى آتشيه، ودوره في تقويض الحركة الوطنية في المنطقة.

صورة سنوك هرخرونيه في مكة عام 1885. المصدر: ويكيبيديا.

من هو سنوك هرخرونيه؟

سنوك هرخرونيه، المولود في 8 فبراير 1857 في مدينة أوسترهوت جنوبي هولندا، هو مستشرق هولندي عمل في بداية حياته المهنية أستاذًا وباحثًا متخصصًا في الدراسة العلمية للإسلام، وأصبح فيما بعد مسؤولًا استعماريًّا هولنديًّا.

درس هرخرونيه علم اللاهوت في جامعة لايدن الهولندية، التي التحق بها عام 1874. واجتاز الشاب آنذاك اختبارًا في الفيلولوجيا الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية) في مايو 1876. وخلال دراسته الجامعية، اهتم هرخرونيه بدراسة اللغات السامية وآدابها، خاصة اللغة العربية التي قادته لدراسة الحضارة الإسلامية.

في عام 1880، حصل هرخرونيه على درجة الدكتوراه، وكان موضوع أطروحته عن الحج وأهميته في الدين الإسلامي، وانتهى إلى القول بأن «الحج الإسلامي هو بقية من بقايا الوثنية العربية». ثم عين هرخرونيه محاضرًا في الشؤون الإسلامية في مركز «إعداد وتدريب موظفي الخدمة في جزر الهند الشرقية» في لندن.

تاريخ

منذ شهر
من تاريخ التصوف.. حين قادت النقشبندية مقاومة الاستعمار في آسيا

وكان هرخرونيه يطمح بعد حصوله على درجة الدكتوراه إلى الرحيل لشبه جزيرة العرب، ليتعرف على حياة المسلمين وحقيقة الدين الإسلامي، وكان يهدف إلى دراسة أثر الإسلام في الحياة السياسية والاجتماعية في مجتمع لا يعرف الأوروبيون عنه إلا قليلًا.

وبالفعل، زار المستشرق الهولندي شبة الجزيرة العربية أثناء عمله محاضرًا في جامعة ليدن في الفترة بين 1884 و1885، وتوقف في مكة، وهناك كتب عمله الأول الذي يحمل اسم المدينة، ونشر في 1889، إذ حاول فيه رسم تاريخ المدينة المقدسة، وألقى الضوء على أصول الإسلام والتقاليد السائدة في المجتمع المكي.

ولم يكتف بذلك، بل نشر جزءًا آخر من الكتاب؛ وصف فيه حياة المكيين العامة والخاصة، وضم تفاصيل كثيرة عن الحياة اليومية في المدينة، وعن الجالية القادمة من جاوة لتستقر فيها.

في الفترة بين 1890 و1906، عمل هرخرونيه أستاذًا للغة العربية في جاوة، أهم الجزر الإندونيسية وتضم العاصمة جاكرتا، لكنه عمل في الوقت نفسه مستشارًا للحكومة الهولندية، وأسس وطور سياسية استعمارية هولندية تجاه المسلمين، سادت حتى نهاية الحكم الهولندي لإندونيسيا في 1942.

وعلى الرغم من بقاء المستشرق الهولندي في منصبة مستشارًا استعماريًّا حتى 1933، إلا أنه عاد لهولندا في عام 1906، وعمل أستاذًا في العلوم العربية والإسلامية في جامعة ليدن الهولندية، وكتب بإسهاب في عدد من الموضوعات التي تخص الدين الإسلامي حتى توفي في عام 1936.

بعد وفاته، قام كل من جورج هنري بوسكيه وجيه شاخت بتحرير أعمال مختارة له عن الإسلام في 1957.

رحلة هرخرونيه إلى مكة وإعلان إسلامه

كانت بداية احتكاك هرخرونيه بالمسلمين في رحلته إلى مكة، التي كانت منحة دراسية من جامعة ليدن سنة 1884، بالتنسيق المباشر مع القنصلية الهولندية في جدة. وسافر المستشرق بحرًا رفقة مسؤولين من القنصلية الهولندية في جدة.

وفي جدة، تعلم اللهجة المحلية الدارجة لتضاف إلى اللغة العربية الفصحى التي أتقنها خلال دراسته للدكتوراه.

عمد سنوك هرخرونيه إلى إبعاد نفسه عن الشكوك، فغادر القنصلية الهولندية، التي كانت محل إقامته، وانتقل للعيش في بيت اشتراه، بصحبة رادن أبو بكر، ثم أشهر إسلامه رسميًا أمام القاضي إسماعيل أغا، في جدة، ليتمكن من الدخول إلى مكة التي يسمح فقط للمسلمين بدخولها، أطلق على نفسه اسم «عبد الغفار اللايدني»، نسبة إلى مدينة لايدن الهولندية.

صورة التقطها سنوك هرخرونيه لمكة عام 1888. المصدر: ويكيميديا كومنز.

بالعودة إلى عبارات سنوك نفسه، نجد أنه أبلغ معلمه السابق، المستشرق الألماني تيودور نولديك، في عام 1885 أنه «يزور الكعبة بانتظام، لأنه لا يمكن للمرء أن يعيش في مجتمع مسلم دون أن يتصرف ظاهريًا على أنه مسلم».

وفي رسالة لاحقة إلى المعلم نفسه في 27 فبراير (شباط) 1915، شبّه سنوك إسلامه في وسط مجتمع مسلم كمكة المكرمة، بـ«التكيف مع الطقوس المسيحية في مجتمع البوير في جنوب إفريقيا الذين لا يثقون أيضًا في شخص من خارج مجتمعهم الديني».

وفي مناسبة أخرى، أشار سنوك إلى «تحوله المؤقت» للإسلام، بطريقة غير مباشرة على النحو التالي: «بدراستي لنظرية القانون والعقيدة المحمدية، وإعداد نفسي للتكيف الكامل مع ممارسة الأخلاق والعادات المحمدية، تمكنت من الاختباء في الضوء الكامل»، مثل ما يقول مثل شهير في جافا.

ورغم هذه الكلمات الواضحة من سنوك الذي ترجح فرضية اعتناقه الإسلام مناورة لاختراق المجتمعات الإسلامية، إلا أن بعض الباحثين لا يحبذون التشكيك في عقيدته، ويقولون إنها أمر خاص بينه وبين خالقه.

بيد أن الثابت في هذا الإطار، أن اعتناق سنوك للإسلام نظر إليه في حينه على أنه «صادق وحقيقي»، على الأقل في بعض الدوائر في مكة.

وعندما تخوف سنوك من أن طرده من مكة يمكن أن يحرك حالة عدم ثقة في عقيدته، قال له أحد معارفه الجزائريين، ويدعى عزيز بن حداد، إن «الأمر ليس كذلك، لأنك أعلنت تحولك للإسلام علانية، وحتى علماء الدين في مكة شهدوا على ذلك».

وبصفة عامة، كانت خطوة اعتناق الدين الإسلامي حاسمة في مسيرة المستشرق المثير للجدل، إذ مكنته أخيرًا من اختراق المجتمع المكي، واتخذ من المدينة المقدسة مسكنا، وتجول فيها، وحادث الناس، وبات ضيفًا دائمًا على مجالس العائلات، وحصل على الكثير من المعلومات عن المجتمع وأعيانه وتقاليده والتفاعلات الاجتماعية فيه والولاة الأتراك ونفوذهم والحركة السلفية، ونقلها إلى السلطات الهولندية، بالإضافة لتأليفه كتبًا عن المدينة.

إندونيسيا.. فصل استعماري مقيت

لم تكن الأبحاث والدراسات الإسلامية، ولا زيارته لمكة، لإشباع فضول هرخرونيه فقط، بل خدمت أهدافًا أخرى، أبرزها هندسة سياسة استعمارية ضد مسلمي إندونيسيا، مما وضع هذا الرجل في مصاف أخطر المستشرقين الذين اخترقوا المجتمعات الإسلامية والعربية.

طرد هرخرونيه من مكة فجأة بأمر الدولة العثمانية، فغادر إلى جدة، ومنها إلى جزيرة جاوة الإندونيسية، متمسكًا باسمه الجديد «عبد الغفار»، وهناك تزوج من فتاة مسلمة، والدها واحد من الأعيان في جاوة، وأنجب منها ذرية، وعاش معها العديد من السنوات، دون أن تكتشف أمره.

حجاج إندونيسيون في طريقهم لمكة. تصوير: سنوك هرخرونيه. المصدر: ويكيبيديا.

في وقت لاحق، تبين أن الرجل كان مستشارًا في الشؤون الإسلامية والعربية لصالح وزارة المستعمرات الهولندية، ودأب على كتابة التوصيات والخطط لقمع الحركات المقاومة للاستعمار الهولندي.

كما أوصى الحكومة باستعمال العنف المفرط مع المقاومة، وعمد إلى قطع صلة المسلمين في جاوة، بالأمة الإسلامية، وأوصى بمنع القناصل العثمانيين من الاتصال بالناس حتى لا يكون يكون للخلافة العثمانية ذكرٌ لدى المسلمين في الجزيرة.

لكن أبشع جرائمه على الإطلاق، هي إضفاء الشرعية على التحركات الهولندية وتوصيته بقمع الحركة الشعبية المناهضة للاستعمار الهولندي في إقليم آتشيه في إندونيسيا، بقبضة وحشية، وهو ما أدى إلى مقتل قرابة 100 ألف شخص.

وإجمالًا، يعتبر المستشرق الهولندي أول من ربط الاستشراق بمصالح الدولة الهولندية، وكان يرى أن أي قوة إسلامية تقف بوجه المد الاستعماري الهولندي، يجب أن تُسحق دون رحمة.

سياسة استعمارية مغلفة بالدين والعلم

يعد هرخرونيه المستشرق الغربي الأخطر على الإطلاق، لسببين: دراسته وبحثه المتواصل في الدين الإسلامي واللغة العربية، ومزجه العلم النظري بالتجربة العملية عندما اخترق المجتمع المكي، وعاش في قلب التقاليد الإسلامية، والتفاعلات الاجتماعية والسياسية في المدينة المقدسة.

ذلك العلم الواسع، والمعلومات الميدانية، مكنت الرجل من صياغة سياسات قوية لخدمة الأهداف الاستعمارية خاصة في جاوة في إندونيسيا، حتى أنه عاش 17 عامًا في الجزيرة المكتظة بالسكان دون أن تنجح زوجته المسلمة، ولا الناس الذين دأب على الصلاة بهم إمامًا، على الشك في أمره.

وبصفة عامة، ساعد تواجد هرخرونيه في قلب المجتمع المسلم في إندونيسيا، الرجل على صياغة سياسة شديدة القمعية لحركات المقاومة ضد الاستعمار الهولندي.

حقوق إنسان

منذ 4 شهور
مترجم: بعد رُبع قرن.. هذا ما نعرفه عن إبادة المسلمين في سريبرينيتشا

وفي حين يعتقد البعض أن المستشرق الهولندي مات مسلمًا، يذهب البعض الآخر إلى أنه لم يعتنق دين الإسلام إطلاقًا كما يشاع عنه، وإنما ادعى ذلك ليسهل عليه الدخول في المجتمعات المسلمة كإندونيسيا وتسهيل أبحاثه.

ورغم جهود هرخرونيه وخططه لقمع مقاومة الاستعمار الهولندي، ومواجهة المد الإسلامي في إندونيسيا، وتوصيته بقتل المعارضين لهولندا أو تنصيرهم، إلا أن هذه الجهود لم تنجح في تحقيق أهدافها، واستمر المد الإسلامي حتى أصبح البلد الأسيوي أكبر دولة مسلمة في العالم.

وبعد ما يقرب من 80 عامًا من وفاته، بات واضحًا تمامًا أن التأثير التاريخي الرئيسي لسنوك يكمن في مساهمته المباشرة في تشكيل سياسة استعمارية قمعية في جزر الهند الشرقية، التي كانت خاضعة للاستعمار الهولندي، وأصبحت فيما بعد جمهورية إندونيسيا التي أصبحت دولة واحدة مكونة من عدد لا يحصى من الكيانات السياسية الأصغر.

وحتى بعد الاستقلال بفترة ليست قصيرة، كانت السياسات الاستعمارية التي وضعها سنوك، هي أساس إدارة ملف المسلمين في إندونسيا؛ إذ كانت وزارة الشؤون الدينية في جاكرتا على سبيل المثال، هي امتداد مباشر لـ«مكتب الدين» في العصر الاستعماري.

المصادر

تحميل المزيد