ظهرت إلى العلن في الأسابيع الماضية مجموعة حلقات مصوَّرة على موقع «يوتيوب» تحمل عنوان «مغربي ومسيحي» لمجموعةٍ من المغاربة يتحدثون بالدارجة المغربية، ويقولون بأنهم اعتنقوا المسيحية عن اقتناع حقيقي، وبلا خوف من ردة فعل مجتمعهم المحافظ، مطالبين بإقرار حرية المعتقد وعدم التضييق على حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية.

يعد موضوع التبشير والمسيحية في المغرب ملفًا مفتوحًا يتجدد النقاش حوله كلما ظهرت إلى العلن أحداثٌ مرتبطة بكشف شبكات تبشيرية منظمة تعمل سرًا في البلاد، أو طرد رهبان متورطين في أنشطةٍ مشبوهة، أو هذا الخروج الإعلامي الأخير الذي خلّف الكثير من علامات الإستفهام، خاصة أن هؤلاء المتنصِّرين قد ظهروا وإلى جانبهم الإعلامي المغربي الشهير «الأخ رشيد» الذي يقدم برنامج «سؤال جريء» على قناة «الحياة» التبشيرية، والمعروف بتجاوزه للأنشطة التبشيرية إلى التهجم المستمر على الإسلام والرسول مُحمَّد.

نحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على موضوع التبشير المسيحي في المغرب، ومحاولات المبشرين اختراق البلاد عبر التاريخ، وهل يشكل النشاط التبشيري خطرًا حقيقيًّا بالفعل على الاستقرار الديني للمملكة، أم أنَّه مجرد تهويل إعلامي؟

القرن التاسع عشر.. بدايات تسلل الكنيسة الصامتة

التبشير

دخلت المسيحية إلى المغرب مع الإمبراطورية الرومانية، وبعد وصول الإسلام إلى المغرب الأقصى، أسلمت معظم القبائل الأمازيغية، الوثنية منها والنصرانية، وتناقصت أعداد المسيحيين بالتدريج إلى أن اختفت تمامًا، ولم يتم الحديث عن عودة المسيحية إلى المغرب، إلا في القرن التاسع عشر، وتحول البلاد إلى ساحة تصارع للقوى الاستعمارية الراغبة في السيطرة على المغرب؛ نظرًا لموقعه الاستراتيجي، وتنافس هذه القوى على اقتسام كعكته.

لم يكن عدد الأوروبيين المقيمين بالمغرب يتجاوز عند نهاية القرن التاسع عشر حوالي 250 مقيمًا، معظمهم في مدينة طنجة، لكن أعدادهم بدأت في الازدياد بشكلٍ متسارع؛ لتصل إلى 10 آلاف مقيم مع تمام سنة 1910، هذا دون احتساب قوات الاحتلال الفرنسية والإسبانية، وسكان مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين منذ القرن السادس عشر.

ابتداء من سنة 1856 بدأت القوى الاستعمارية الأوروبية في الضغط على سلاطين المملكة المغربية من أجل حماية الرعايا الأوروبيين المسيحيين الجدد وتخصيصهم بمعاملات تفضيلية تفوق معاملة المواطنين المغاربة، وتنافست الكنيستان الكاثوليكيتان الفرنسية والإسبانية على التخطيط الصامت حول من يكون له الحق في تنصير المغرب.

مع تفوُّق للكنيسة الإسبانية التي احتلت «تطوان»، وحاولت استعادة نفس الأجواء التي تلت طرد المسلمين من الأندلس، كل هذا مع إعطاء دور مهم للكتاب المسيحيين اللبنانيين، خاصة «المارونيين» منهم، ممن استقدمتهم الكنائس المسيحية المستقرة في طنجة المتمتعة بنظام تسيير دولي مشترك؛ ليسخروا أقلامهم لتقريب المسيحية من المغاربة بالكتابة في مجلات طبعت في مطابع استوردت من لبنان أيضًا.

بالإضافة إلى طنجة، ظهرت في مدينة الصويرة أيضًا بعض المحاولات التبشيرية الأولى بين عامي 1839 و1847 وارتكزت على العمل التطوعي وتوزيع الأناجيل على السكان المغاربة؛ ما اضطر السلطان إلى إصدار قرار بالطرد خارج المغرب في حق بعض المنصرين الإنجيليين النشطين بالمدينة.

ولكن يبدو أن المغاربة قد رأوا في الكنائس المسيحية أنها وسيلة من وسائل الغزو والاستعمار، وذلك ما سوف يتأكد مع إقرار نظام الحماية سنة 1912 وتعيين المارشال «ليوطي» حاكمًا عسكريًا فرنسيًا بالمغرب.

القرن العشرين.. التحول إلى الكنيسة الناطقة

التبشير

عندما شعر الحاكم العسكري الفرنسي بأن الكنيسة الإسبانية تحولت إلى طليعة السياسة الاستعمارية الإسبانية بالمغرب، قام باستقدام قساوسة فرنسيين لقطع الطريق على إسبانيا، فدخل «فوج الوعاظ العسكريين المتطوعين» في فبراير (شباط) 1908، وتبعته أفواج أخرى تضمنت أيضًا مجموعة من الراهبات.

سنة 1927 تم إقرار الشروع في التنصير بشكل علني، بعد أن عين على رأس القيادة النصرانية القس «هنري فييل»، بعدما حققت هذه المجهودات نتائج اعتبروها مشجعة إلى حد ما في منطقة «القبايل» الجزائرية؛ ما حمسهم على تكرار المحاولة في المغرب، والانتقال من مرحلة «الكنيسة الصامتة» إلى «الكنيسة الناطقة».

استخدمت الكنيسة الفرنسية كل الوسائل الممكنة للتغلغل في أوساط المغاربة، وعمد أسقف المغرب إلى تأسيس مركز للدراسات والأبحاث يسهل معرفة المغاربة في أفق تنصيرهم، خاصة الأمازيغ.

ظن رجال الكنيسة أن سكان المناطق الأمازيغية المغاربة في متناولهم؛ لأنهم كانوا مسيحيين في الزمن الأول السابق على اعتناق الأمازيغ للدين الإسلامي، وأن إسلامهم ليس عميقًا متجذرًا، بل هو أمر سطحي يمكن اقتلاعه بكل سهولة حسب اعتقادهم، فاستهدفت خطة التنصير مناطق جبال الأطلس، وجعلت من مدينة «ميدلت» نقطة ارتكاز وقاعدة لانطلاق قوافل التنصير.

تحالفت السلطات السياسية في هذا السبيل مع السلطات الكنسية، وكان أهم شيء حرصت عليه السلطتان معًا هو قطع الصلة بين أمازيغ المغرب واللغة العربية لقطع الرابط بينهم وبين الدين الإسلامي، فأصدرت ما عرف تاريخيًا بـ«الظهير البربري» الذي حاول تنظيم العلاقة مع الأمازيغ بعيدًا عن المحيط العربي الإسلامي.

ولكن كل هذه المجهودات فشلت في تحقيق نتيجةٍ تذكر، بل إنها عجزت عن تعميد مغربي واحد وتحويله إلى المسيحية، بعدما قاوم الأمازيغ مثلهم مثل باقي المغاربة المد الاستعماري، ومحاولات التغلغل الكنسي الفرنسي.

ففي عام 1938 اضطر أسقف المغرب للاعتراف في رسالةٍ مكتوبة مرفوعة إلى البابا بأن النتيجة بعد عدة عقود لم تتجاوز الصفر، بالرغم من كل المجهودات المبذولة وقوافل التنصير التي لم تتوقف.

من جهةٍ أخرى، شعرت الحركة الوطنية المغربية بخطورة العمل التنصيري، فأشعلت فتيل ضجة كبيرة، وردت على أعمال التنصير بأعمال مضادة منها كرفع مذكرات إلى السلطات الاستعمارية للمطالبة بإيقاف النشاط التنصيري، وتوزيع المصاحف بين المغاربة الذين تركز عليهم حملات التبشير، وإنشاء جمعية للدفاع عن القرآن الكريم، والقراءة الجماعية للقرآن في عموم المساجد.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية واقتراب حصول المغرب على استقلاله، ركزت الكنيسة بالمغرب على حفظ تدين الفرنسيين وعموم الأوروبيين، بدلًا من السعي إلى تنصير المغاربة، وتحولت بموجب ذلك من موقف الدعوة إلى موقف الحوار والتعاون، وظل هذا الموقف هو السائد إلى غاية الإعلان عن استقلال المغرب سنة 1956م.

الأب «جون محمد بن عبد الجليل».. حالة معزولة أثارت ضجة كبيرة

التبشير

جون محمد بن عبد الجليل


قلنا بأن السنوات الطويلة التي قضاها الاستعمار الفرنسي في المغرب لم تساعد المنصرين على الحصول على شيء، باستثناء حالة واحدة شهيرة شغلت الناس وأحدثت ضجة كبيرة، ويتعلق الأمر بالأب «جون محمد بن عبد الجليل».

ولد محمد بن عبد الجليل في مدينة فاس سنة 1904، في أسرةٍ غنية وميسورة الحال، والده كان خليفة باشا مدينة فاس، وعمه كان وكيل الملك في نفس المدينة. بينما كان أخوه الحاج «عمر بن عبد الجليل» من زعماء حزب الاستقلال، وصار وزيرًا للتربية الوطنية سنة 1958.

دخل محمد جامعة القرويين لحفظ القرآن في سن مبكرة، ورافق والديه في رحلة الحج، وهو ابن تسع سنوات، وبعد حصوله على البكالوريا سنة 1925 بثانوية غورو بالرباط، سافر إلى فرنسا، بعدما حصل على منحة لدراسة الأدب العربي في جامعة السوربون.

غير محمد توجهه من الأدب العربي إلى الفلسفة، وقرر أن يدرس بعض المواد الأخرى في المؤسسة الكاثوليكية لمدة ثلاث سنوات بالرغم من كونه مسلمًا، وفي هذا الوقت جرت مراسلات طويلة بينه وبين المستشرق الفرنسي «لويس ماسينيون»؛ انتهت باعتناق محمد للمسيحية، وتعميده سنة 1928، وبعدها بسنة التحق بسلك الرهبنة الفرنسيسكانية؛ ليكون خادمًا للمسيح، خصوصًا في مجال الكتابة والتعليم، ثم سنة 1935 تمت رسامته كاهنًا، وقد غير اسمه إلى يوحنا أو «جون»، وأصر على الاحتفاظ باسم محمد؛ حتى يكون شهادة للناس على تحوله من الإسلام للمسيحية على حد تعبيره.

أتقن جون خمس لغات، هي: العربية والفرنسية والإسبانية والألمانية والإنجليزية، ألقى العديد من المحاضرات بكل اللغات التي يتقنها في مناسبات مختلفة، كلها تصب في إطار دعوة المسلمين للمسيحية، أو محاولة فهم الإسلام والمسلمين، أو في الحوار بين الإسلام والمسيحية.

ابتعدت عنه عائلته بسبب تنصره، ولم يحتفظ بعلاقات طيبة سوى مع أخيه عمر الذي قابله محاولًا تفهم أسباب تحوله، وألح عليه بالعودة إلى المغرب، وعاد سنة 1961؛ ما أحدث ضجة كبيرة، وتناقلت على إثرها الصحف المغربية والفرنسية خبر عودته إلى الإسلام، لكنه كذب هذه الشائعات، وعاد بعد فترة قصيرة إلى فرنسا مقررًا المضي في مسيحيته حتى النهاية.

وبالفعل استمر في التدريس في المؤسسة الكاثوليكية حتى تقديم استقالته سنة 1964؛ بعد إصابته بسرطان اللسان، وتوفي بعد معاناة طويلة مع المرض سنة 1979 في ضواحي باريس.

مطالب مشروعة بحرية المعتقد أم اختراق للخصوصية الدينية المغربية ؟

في وقتٍ تطورت فيه وسائل الاتصال، وسيطرت فيه شبكات الإنترنت والتواصل الإجتماعي على كل المجالات، تغيرت أيضًا أساليب المبشرين المسيحيين في الوصول إلى أهدافهم، كاستعمال القنوات الفضائية المتخصصة في التبشير، وتبقى أشهرها قناة الحياة، والإعلامي المغربي العامل فيها «رشيد حمامي»، المعروف بـ«الأخ رشيد»، والمشهور بتقديمه لبرنامج «سؤال جريء»، الذي ينتقد فيه الإسلام، ويقارن بينه وبين المسيحية.

التبشير

لقطة من برنامج «مغربي ومسيحي» المثير للجدل على موقع يوتيوب


تتنامى حركة التبشير في المغرب، خاصة في موسم الصيف الذي يتزامن مع عودة المهاجرين المغاربة من الخارج، وتركز الحملات التبشيرية على أفراد الجالية المغربية، وتُنظمها شبكات دولية توجد أكبر قواعدها في جزر الخالدات وفي سبتة المحتلة، كما أن لها نشاطًا قويًا في المغرب.

وتأتي هذه الموجات التنصيرية في الغالب متدثرة وراء تقديم بعض المساعدات للمواطنين الذين يسقطون ضحية هذا التغرير، مستغلين، في بعض المناطق خصوصًا المناطق الجنوبية، رغبة الكثير من الشباب في التخلص من مخالب الفقر، وذلك بالحلم في الهجرة إلى الضفة الأخرى مهما كان الثمن، حتى ولو وصل الأمر إلى التظاهر أمام هؤلاء المبشرين باعتناق الديانة المسيحية.

بما أن معظم المتنصرين المغاربة يمارسون شعائرهم بسرية تامة خوفا مما يعتبرونه اضطهادا، فإن وجود إحصاءات دقيقة لأعدادهم يبقى أمرًا شبه مستحيل، وهو يتراوح بين بضعة آلاف وعشرات الآلاف حسب إحصاءات مستقلة.

يوجد حاليًا عدد من المسيحيين المغاربة بمختلف المدن والمناطق المغربية، فمنهم من يجاهر بإيمانه، ومنهم من يتستر عنه خوفًا من المضايقات، كما أن الكثيرين منهم اضطروا إلى العيش في دول أوروبية أو في أمريكا من أجل ممارسة إيمانهم وشعائرهم الدينية بكل حرية. يرى بعضهم أن هذه الفئة من خلال ما تنشره على شبكة الإنترنت مضطهدة. بالمقابل، يرى البعض أن المسألة مبالغ فيها؛ لأن الموضوع يتعلق بفئة محدودة من حيث العدد، وبشباب مغرر بهم من قبل شبكات التبشير، مقابل أموال تمنح لهم.

وحسب بعض التقارير، بالمغرب مئات الآلاف من المسيحيين الأجانب يعملون في مجالات مختلفة، وينحدرون من دول أوروبية وأمريكية وآسيوية وإفريقية. وبحسب إحصاءات غير رسمية فهم يشكلون حوالي 5% من السكان، موزعين على مختلف المناطق في المملكة، وبشكل خاص في المدن الرئيسة والكبرى. وتنتشر في المغرب كنائس ومراكز خدماتية مسيحية، مثل كاتدرائية الدار البيضاء، وكاتدرائية «القديس بيير» في العاصمة الرباط، وكنيسة القديس «اندرو» في مدينة طنجة، بالإضافة إلى كنائس أخرى غير معلن عنها رسميًا، يقوم بالخدمة فيها مسيحيون أجانب ومغاربة.

التبشير

كاتدرائية القديس بيير في العاصمة المغربية الرباط


لا ينكر المتنصرون المغاربة وجود ممارسات يقوم بها بعض الأجانب في إطار أنشطة التبشير، من خلال استعمال الأموال، واستغلال الوضع الاجتماعي للمغاربة لنشر المسيحية، ما عرض بعضهم للطرد، كما وقع سنة 2011، عندما قامت السلطات بترحيل مبشرين أجانب، كانوا يمنحون أموالًا مقابل استقطاب مسلمين للتخلي عن ديانتهم واعتناق المسيحية.

يعتبر المغرب بلدًا «متسامحًا دينيًا»، لكن السلطات تتعامل بتشدد مع الأنشطة التبشيرية المشبوهة، فهناك كنائس رسمية يدخل إليها المسيحيون الأوروبيون بشكل عادي لممارسة طقوسهم الدينية. لكن هذه الكنائس، وفق تعاقدها مع السلطات، ممنوعة من استضافة المغاربة أو منحهم كتب الإنجيل، سواء الكنائس الكاثولكية أو الإنجيلية أو الأرثودكسية المتواجدة بالمغرب، وينتمي أغلب المتنصرين المغاربة إلى الكنيسة الإنجيلية البروتيستانتية.

للمسيحيين المغاربة مجموعة من المطالب، أهمها الاعتراف الرسمي الدستوري بهم، بالتنصيص على حرية ممارسة العقيدة، لكي يتمكنوا من الخروج إلى العلن، وبحقهم في العبادة وممارسة طقوسهم وشعائرهم المسيحية بكل حرية دون مضايقات أو قيود، ويمكن القول إن هذا الجدل يتجدد كل شهر رمضان مع نمو مطالبات بإسقاط قانون تجريم الإفطار العلني الذي يعاقب مرتكبيه بالسجن والغرامات المالية، ويقود هذا الجدل، إما مسيحيون، أو ملحدون يصرون على منح المغاربة حرية اختيار العقيدة، خاصة أن القانون الجنائي المغربي لا يتضمن أي تجريم صريح لمن يغير عقيدته من الإسلام إلى ديانة أخرى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد