تظل أبرز القضايا المطروحة على الساحة السياسية في وطننا العربي هي تلك القضية الخاصة بإمكانية إقامة حزب على أساس ديني. ورغم وجود العديد من الحركات السياسية الدينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلا إن القليل من هذه الأحزاب الذي يتمكن من ترخيص نفسه في صورة حزب سياسي معتمد وذي شعارات دينية واضحة، حيث أنه في الغالب ما تضطر هذه الأحزاب إلى عدم الإعلان مطلقًا عن فكرها الديني كي تتمكن من إنشاء حزب سياسي وممارسة العمل السياسي بشكل قانوني.

الأستاذ مصطفى الفار كان قد نشر بحثًا عن الأحزاب الدينية حول العالم جاء فيه أنه هناك أكثر من 170 حزب مسيحي منتشرة في أكثر من 80 دولة تتخذ الديمقراطية نظامًا للحكم.

الأحزاب الدينية في أوروبا

مع نهاية القرن التاسع عشر ولد في أوروبا ما يسمى بحركات “الديمقراطية المسيحية” وذلك كرد فعل لتصاعد الحركات الاشتراكية والعمالية وما لازمها من تزايد حالات البؤس والفقر بين عموم الشعب.

ورغم أن البعض يقول بأن هذه الأحزاب رغم أسمائها الدينية إلا أنها ليست ذات أيديولوجيات دينية مثل الكاتب عادل جندي، لكن آخرين يردون بأنه حتى ولو كان هذا الكلام صحيحًا فإن هذه الأحزاب يمكنها المجاهرة وتسمية أحزابها بمصطلحات إسلامية وهو ما لا نجده مطلقًا في الوطن العربي.

كذلك عندما يذكر حزب أنه ذو توجه “كاثوليكي” فإننا بالفعل نجد غير كاثوليكيين منضمين إليه في بعض الأحيان وأنه ليس حكرًا على الكاثوليكيين دون غيرهم من الطوائف المسيحية، لكننا – والكلام على لسان الكاتب عادل جندي أيضًا – نلاحظ أن الحزب يعمل ضمن خطوط عامة كاثوليكية.

هذا الأمر الأخير نجده شبه محرم في كثير من دولنا العربية، فلا يجوز في مصر التصريح بأن هذا الحزب قائم على أسس إسلامية وإلا اعتبر مناهضًا للأقلية المسيحية وذا فكر طائفي يستبعد المخالفين في الدين.

من بين أبرز الأحزاب السياسية الموجودة في العالم ذات مسميات وأفكار دينية هي تلك الأحزاب المنتمية لما يسمى “الديمقراطية المسيحية”.

تنتشر هذه الأحزاب في 80 دولة أوروبية وآسيوية وأفريقية ولاتينية مختلفة. تختلف هذه الأحزاب في درجة قوتها السياسية ومساهمتها في الحياة السياسية ونظام الحكم من دولة لأخرى.

النشأة متشابهة

في مقال للكاتبة نادية أبو زاهر في صحيفة الجريدة أشارت إلى أن مصطلح “الديمقراطية المسيحية” نشأ في القرن التاسع عشر الميلادي بينما نشأت الأحزاب الديمقراطية المسيحية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن ومع هذا الفارق الزمني فإن كل منهما مرتبط بالآخر حيث يرى عدد من المؤرخين الغربيين أن أصل الأحزاب المسيحية يعود إلى الحركات الكاثوليكية في القرن التاسع عشر وذلك في الوقت الذي أصبحت فيه الحكومة الدستورية والتصنيع أهم السمات المميزة للقارة الأوروبية.

في ذلك الوقت اضطرت المسيحية إلى تكييف نفسها مع الوضع الاجتماعي والسياسي الجديد وبدأت الأصوات تتعالى بضرورة الاتجاه نحو الديمقراطية.

بعض المؤرخين الأوروبيين يرى أن بداية عمل الأحزاب المسيحية كانت في الميدان الاجتماعي وليس السياسي، هذا الأمر كثير الشبه بالعديد من الحركات الإسلامية في الوطن العربي وعلى رأسها الإخوان المسلمون الذين بدؤوا فعليًا في النواحي الاجتماعية ثم بدؤوا في ممارسة السياسة تدريجيًا. الدليل على ذلك كان عبر بروز عدد من حركات الإصلاح الاجتماعي المسيحية التي هدفت لإصلاح المجتمع الأوروبي، هذ الحركات نجحت في المناطق الريفية أكثر من المناطق الحضرية وهذا أمر يكاد يتطابق مع الحركات الإسلامية الهادفة إلى إصلاح المجتمع في الوطن العربي.

ألمانيا

في ألمانيا تنتمي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى “حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي” والذي تشير مبادئ تأسيسه إلى تطبيق مبادئ “الديمقراطية المسيحية” والتأكيد على “الفهم المسيحي للبشر ومسئولياتهم تجاه الله”.

بالطبع لابد أن نشير هنا إلى أن الحزب يضم في عضويته أفرادًا من أديان مختلفة بل إنّ مِن بينهم ملحدين، لكنه يضم هؤلاء تحت أفكاره القائمة على الديانة المسيحية الكاثوليكية كمفاهيم عامة.

بشكل عام فإن سياسات هذا الحزب مستمدة من الكاثوليكية السياسية والتعليم السياسي الكاثوليكي والبروتستانتية السياسية هذا بجانب المحافظة على الوطنية الألمانية وعلى التقاليد الثقافية.

من بين الأسس التي يقوم عليها الحزب أيضًا ما يسمى “التعليم الاجتماعي الكاثوليكي” وهو عبارة عن الهيئة العقدية التي وضعتها الكنيسة الكاثوليكية بشأن مسائل العدالة الاجتماعية التي تضم قضايا الفقر والثروة والاقتصاد والتنظيم الاجتماعي ودور الدولة. معنى هذا أن الحزب يستمد أفكاره وعقيدته من أسس ومبادئ دينية بحتة.


أستراليا

يوجد في أستراليا الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يترأسه فريد نيل الذي يحتل منصب وزير “تجمع الكنائس” وعضو المجلس التشريعي.

الحزب الديمقراطي المسيحي في أستراليا هو حزب سياسي محافظ اجتماعيًا.

طبقًا للموقع الرسمي للحزب فإن الحزب يصف نفسه بأنه يوجد لدعم تمثيل “المسيحيين” في كل مستوى من مستويات الحكومة والفيدرالية والولايات والمحليات الأسترالية. الحزب يقول عن نفسه بأنه يدعم السياسات التي من شأنها زيادة “القيم المسيحية”.

من هنا نفهم لماذا يناهض الحزب كلًا من حقوق المثليين، وقوانين الشريعة الإسلامية، والإجهاض، والقتل الرحيم، والمواد الإباحية وذلك على عكس الأحزاب الليبرالية التي تؤيد حق الإجهاض والزواج المثلي وغيرها.


المكسيك

يعتبر حزب الفعل الوطني واحدًا من الأحزاب الثلاثة الرئيسية الكبرى في المكسيك.

يتميز هذا الحزب باهتمامه بالعمل الوطني دون الالتزام باليمين أو اليسار السياسي، هذا الأمر يتزامن مع أيديولوجية مسيحية تحت مظلة الديمقراطية المسيحية.

مثله مثل غالبية الأحزاب المسيحية فإن حزب الفعل الوطني المكسيكي يرفض عمليات الإجهاض ويعتبرها “سلاح دمار شامل”، كما يرفض منح الحقوق الخاصة بالاعتراف بالمثليين.


بلجيكا

الحزب المسيحي الديمقراطي الفلمنكي هو أحد أبرز الأحزاب المشاركة في الحياة السياسية في بلجيكا.

الحزب يملك علاقات قوية مع الاتحاد النقابي والجمعيات التجارية ورابطة المزارعين. شارك هذا الحزب في معظم الحكومات كما يملك أكبر عدد من رؤساء البلديات، كما أن معظم رؤساء وزراء بلجيكا كانوا من هذا الحزب.

جدير بالذكر أن رئيس المجلس الأوروبي في الفترة بين 2009 – 2014م كان هو عضو الحزب البارز هيرمان فان رومبوي.

هذا الحزب كان أبرز حزب في بلجيكا حتى سبقه حزب الفلمش الديمقراطي الليبرالي.

مثله مثل غالبية الأحزاب الديمقراطية المسيحية فإن هذا الحزب يتبنى الفكر المسيحي الكاثوليكي المحافظ في الأمور الاجتماعية والسياسية.


لبنان

لعلها الحالة الشاذة الوحيدة في الوطن العربي.

من ناحية الأحزاب المسيحية فإن لبنان يوجد بها حزبان أساسيان مبنيان على أسس دينية.

الحزب الأول هو حزب الكتائب اللبناني الذي يعتبر أبرز الأحزاب المسيحية في لبنان والمبني على أفكار وعقائد قومية محافظة بالإضافة للديمقراطية المسيحية. هذا الأمر لم يمنع الحزب من التحالف مع حزب الله الشيعي في انتخابات عام 2005م.

الحزب الثاني هو حزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع.

في لبنان تقريبًا نلاحظ أن معظم الأحزاب هناك لها خلفيات دينية واضحة ومميزة عن بعضها البعض.


أحزاب مسيحية في دول إسلامية

بعض من الدول الإسلامية والتي تقر الإسلام دينًا أساسيًا للدولة يتواجد بها أحزاب مسيحية أو ذات مرجعية مسيحية بشكل مباشر دون مواربة. حكومات هذه الدول لم ترفض أو تمنع هذا الأمر بل تراه جزءًا طبيعيًا من لعبة الديمقراطية في المجال السياسي حيث الاختيار دائمًا يكون لغالبية الشعب.

ألبانيا

يوجد بها 6 أحزاب وحركات سياسية مسيحية.

أبرز هذه الحركات والأحزاب؛ الحركة الألبانية المسيحية الديمقراطية، والحزب الديمقراطي المسيحي، وحركة أندورا المسيحية، ومركز الديمقراطية أندورا، والحزب الديمقراطي المسيحي.

البوسنة والهرسك

يوجد بها 4 أحزاب.

أبرز هذه الأحزاب هي الاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك، والاتحاد الديمقراطي الكرواتي 1990، وحزب الفلاحين الكرواتي، والاتحاد الكرواتي الديمقراطي المسيحي.

أندونيسيا

يوجد بها حزب وحيد هو الحزب الديمقراطي المسيحي الأندونيسي.

كوسوفو

يوجد بها حزب واحد هو الحزب الألباني المسيحي الديمقراطي.


المصادر

تحميل المزيد