«هل يتعين أن نذكر أن العرب، والعرب وحدهم، هم الذين هدونا إلى العالم اليوناني، والعالم اللاتيني القديم، وأن الجامعات الأوروبية، ومنها جامعة باريس، عاشت مدة 600 عام على ترجمات كتبهم. وجرت على أساليبهم في البحث، وكانت الحضارة الإسلامية من أعجب ما عرف التاريخ». الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب».

انطلقت الحضارة العربية الإسلامية من قيم الإسلام التي تحض على العلم، وكان طبيعيًّا في المرحلة الأولى من هذه الانطلاقة، شأنها في ذلك شأن كل حضارة وليدة، أن تستوعب إنجازات الآخرين في العلم والفكر، ثم تبني عليها وتعلي البناء. وقد سميت بالإسلامية لأن الإسلام كان باعثها، وظل دائمًا وأبدًا طاقتها المحركة بتعاليمه الخالدة،  مثل: «اقرأ»، وكذلك «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد». وأيضًا لأن بعض أعلامها الكبار مثل ابن سينا، وأبي بكر الرازي، والخوارزمي، كانوا مسلمين ولم يكونوا عربًا. 

وسميت بالعربية لأنها نشأت أولًا بين ظهراني العرب، وإن اتسعت دائرتها بعد ذلك لتضم أبناء شعوب أخرى. ومن جهة أخرى، لأن بعض أعلامها الكبار مثل حنين بن إسحق، ويوحنا بن ماسويه، وثابت بن قرة، كانوا عربًا، ولم يكونوا مسلمين. فمن هم أبرز العلماء المسيحيين، الذين أسهموا في بناء الحضارة العربية الإسلامية، واستعان بهم الخلفاء المسلمون في تدبير شؤون الدولة؟

«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

1. حنين بن إسحق.. تُرجمان الخلفاء وطبيبهم الخاص

طبيب ومترجم نسطوري من نصارى الحيرة، ولد عام 809 م، وتوفي عام 877 م، ويعد من مشاهير أطباء العيون في القرن التاسع الهجري. وقد تتلمذ ابن إسحق في الطب على يد يوحنا بن ماسويه بمدرسة جنديسابور، واتصل بجبرائيل بن بختيشوع، طبيب الخليفة الرشيد والمأمون؛ فقربه من المأمون. وكان لابن إسحق الفضل في نقل الكثير من العلوم الإغريقية والسريانية إلى اللغة العربية، حتى أصبح ترجمان الخلفاء وطبيبهم الخاص. 

تشريح العين بحسب حنين بن إسحاق

وحين أسس المأمون بيت الحكمة عام 830 م، زوده بمكتبة عظيمة من المؤلفات العربية والأجنبية، وخصصه للترجمة التي أوكل أمرها إلى حنين بن إسحق؛ فأسس حنين مدرسة الترجمة الشهيرة، التي تخرج فيها جيل المترجمين العظام، الذين نقلوا تراث الحضارات الأخرى إلى العربية، وأسسوا قاعدة انطلاقة الحضارة العربية الإسلامية.

وفي عهد الخليفة المتوكل، رأس حنين بيت الحكمة، وتمكن مع تلاميذه من ترجمة ما لا يقل عن 300 كتاب كلها في الطب. وكان حنين نفسه يُترجم من اليونانية والسريانية، وقد ترجم 39 كتابًا إلى العربية، منها ترجمته كتاب «المجسطي» لبطليموس، والتي تُعد أهم ترجمة لهذا الكتاب من حيث القيمة العلمية.

وكان حنين يجتهد في جمع ما يمكنه من مخطوطات من شتى مراكز الحضارات القديمة، ويسافر في سبيل ذلك. وتجلى ذلك عندما نجح ابن إسحق في ترجمة جميع كُتُب جالينوس، التي توفرت له إلى العربية والسريانية. ولتحقيق هذه المهمة، بذل أقصى جهده لإجراء مقارنة نقدية بين نسخ المخطوطات، كي يضمن الدقة والاتساق في ترجماته، حتى إنه سافر إلى الإمبراطورية البيزنطية بحثًا عن المخطوطات اليونانية غير المتوفرة في العالم الإسلامي. وقد اعتاد المأمون أن يجزيه على كل كتاب يترجمه، بمقدار وزنه ذهبًا. 

وكان المترجمون قبل حنين ينقلون المصطلحات اليونانية إلى العربية بألفاظها اليونانية، ويكتفون بذلك، أما حنين فقد كان يتبعها بشرح معناها بالعربية، ومن ثم ظهرت بفضله مصطلحات علمية عربية حلت محل المصطلحات اليونانية. وقد ظهر ذلك حين قرر ابن إسحق تفسير المصطلحات اليونانية، بدلاً من استخدامها كما هي في ترجمته لأعمال جالينوس الطبية؛ وبذلك ساعد في تأسيس اللغة العربية كلغة عالمية للعلوم.

فضلًا عن ذلك، كان حنين طبيبًا بارعًا في أمراض العيون، وألف في ذلك كتاب «المقالات العشر في العين»، الذي يُعد أقدم كتاب عربي علمي في طب العيون، بالإضافة إلى كتاب حكمة العين، ومسائل في العين. ومن مؤلفاته أيضًا، كتاب المسائل الطبية، وكتاب الأغذية، وكتاب معرفة أوجاع المعدة وعلاجها، وكتاب الأسنان واللثة، وكتاب تدبير الناقهين.

2. علي بن عيسى الكحال.. أشهر أطباء العيون العرب

عُرف طب العيون قديمًا عند العرب والمسلمين بعلم الكحالة، والكحّال هو الشخص الذي لديه خبرة ومعرفة جيدة بالأمراض التي تصيب العين، والمقدرة على علاجها بمهارةٍ باستعمال الأغذية، والأدوية أو الجراحة. كذلك، توجب على الكحال أن يُلمَّ تمامًا بتشريح العين.

وربما يتجاهل البعض أن طب العيون أصله العرب، ويتضح ذلك في المصطلحات العربية التي ترجمت إلى الإنجليزية بتطابق، مثل: شبكية العين التي تسمى باللغة العربية «الردينة»، وبالإنجليزية «retina»، والقرنية التي تعني أيضًا بالإنجليزية «cornea»، إلى غير ذلك من المصطلحات ذات الجذر اللغوي المتشابه. وقد وصف الأطباء المسلمون بعض الحالات الطبية المتعلقة بالعين، مثل الماء الأزرق الذي سماه بعضهم «صداع البؤبؤ»، وكانوا أول من استخدم عبارة «شبكية العين»، و«الساد» أو المياه البيضاء.

صورة للصفحة الأولى من كتاب «تذكرة الكحالين»

ويعد الطبيب المسيحي علي بن عيسى الكحال أشهر أطباء العيون العرب، ومن أعظم أطباء العيون. وقد عاش في بغداد وتوفي بها حوالي عام 1010 م، وتتلمذ على يد حنين بن إسحق في الطب والترجمة، ولم يكن يتوقف فيما ترجمه عند حد الترجمة، بل ينظم المواد المترجمة ويعززها ويرتقي بها بإسهاماته.

ومن مؤلفاته: كتاب «تذكرة الكحالين»، الذي يعرف أيضًا باسم «التذكرة في طب العيون»، والذي انطلق فيه على منهج علمي حسب تشريح العين، بدءًا بأمراض الأجفان، وأمراض جهاز الدمع، ثم التهاب الملتحمة، وانتقل إلى أمراض القرنية والقزحية، وأوضح ماهية المرض وطبيعته، ثم يذكر أعراضه، وعلاماته، وأوصافه، وأسباب هذا المرض وكيفية معالجته بأسلوب علمي واضح. 

وقد شرح الكحال في هذا الكتاب 130 مرضًا من أمراض العيون، ووصف لها 143 نوعًا من الدواء. وقد ترجم هذا الكتاب إلى الإنجليزية والألمانية. ويؤكد المستشرق الألماني مايرهوف، أنه بلغ في كتابه «تذكرة الكحالين» أقصى درجات الكمال في طب العيون. وعلاوة على ذلك، يُعد الكحال أول من أدرك العلاقة بين مرض الرمد الحبيبي أو التراكوما، وحالات التهاب الملتحمة الحادة التي تسبقه. وأيضًا أدرك العلاقة بين حالة السبل (Cornea pannus)، وحالة انقلاب الشعر (entropion trichiasis)، التي تعقبه.

3. يوحنا بن ماسويه.. رئيس أول مشفى أُنشئ في بغداد

كان يوحنا بن ماسويه، أو أبو زكريا يحيى بن ماسويه، الاسم الذي سُمي به بعد اعتناقه الإسلام، طبيبًا ومترجمًا كبيرًا، أصله مسيحي سرياني، من أبناء مدينة جنديسابور، لكنه نشأ في بغداد، بعد أن هاجرت أسرته إليها في صباه. وقد تلقى تربية صارمة في وسط علمي مرموق، إذ كان والده طبيبًا للعيون في خدمة الخليفة هارون الرشيد؛ ما أتاح له حضور المجتمع الراقي الذي أحاط بالخليفة. 

وقد تعلم ابن ماسويه الطب من والده، وخدم الرشيد وخلفاءه حتى المتوكل، وولاه الرشيد ترجمة كتب الطب القديمة التي وجدها المسلمون عند فتح بلاد الروم. ومع أنه كان معروفًا على وجه التحديد طبيبًا في البلاط، فإن مرضاه كانوا يعدونه اختصاصيًّا في النظام الغذائي. وكان يحث الأطباء على وصف علاج واحد لكل مرض، وذلك باستخدام التفكير التجريبي والتماثلي. وذكر أيضًا أن الطبيب الذي يمكنه العلاج باستخدام النظام الغذائي فقط بدون عقاقير، هو الأكثر نجاحًا وحظًّا.

يوحنا بن ماسويه. المصدر: ويكيبيديا

وترقى ابن ماسويه في المناصب في عهد هارون الرشيد، حتى أصبح طبيبه الخاص. كذلك، ولى الخليفة الرشيد ابن ماسويه رئاسة أول مارستان (مشفى) أنشئ ببغداد، وعهد إليه بترجمة الكتب الطبية. وحين فتح الرشيد أنقرة وعمورية، وجلب من الديار الرومية مجموعة كبيرة من الكتب، كون بها خزانة (مكتبة) عظيمة، وعين ابن ماسويه رئيسًا لها. فضلًا عن ذلك، عينه الخليفة المأمون رئيسًا لبيت الحكمة الذي أنشأه، وظل طبيبًا للبلاط العباسي منذ زمن الرشيد إلى زمن المتوكل.

وكان ابن ماسويه يعقد مجلسًا للنظر في العلوم القديمة، ويلقي محاضراته على تلاميذه أمام كبار رجال الدولة. ومن أشهر هؤلاء التلاميذ، الطبيب والمترجم الكبير حنين بن إسحق. ويعود لابن ماسويه الفضل في تطور العديد من العلوم في العالم الإسلامي في العصر العباسي الأول

وقد ترجم ابن ماسويه في طب العيون وألف فيه، ومن أشهر مؤلفاته: كتاب دغل العين، الذي شدد فيه على أهمية عملية استجواب المريض بهدف أخذ تاريخه المرضي، وعرض الأعمال الجراحية الخاصة بالعين عرضًا موجزًا. هذا بالإضافة إلى كتاب دفع ضرر الأغذية، وكتاب الدواء، وكتاب محنة الطبيب، وكتاب علاج النساء، وكتاب الإسهال والصداع، وكتاب السموم وعلاجها، وكتاب الحميات، وكتاب في الجذام. وخارج دائرة الطب، له كتاب في صفات الجواهر ومعادنها، وتوفي في سامراء بالعراق عام 857 م.

4. قسطا بن لوقا البعلبكي.. الطبيب الفلكي

طبيب وفيلسوف ومترجم مسيحي شهير، كان له دور فعال في نقل الأفكار اليونانية إلى العالم الإسلامي؛ وبالتالي إلى الغرب لاحقًا. ولد في عام 820 م، وتوفي عام 912 م، وأصله من بعلبك في لبنان. وقد وضعه ابن النديم في مكانة تعلو مكانة حنين بن إسحق؛ بسبب سعة إطلاعه ومقدرته العلمية. وقد زار قسطا بن لوقا مختلف أرجاء الإمبراطورية البيزنطية، وعاد مصطحبًا عددًا من كتب الطب وغيرها من النصوص الإغريقية، والتي عكف على دراستها وترجمتها.

استدعاه الخليفة العباسي المستعين بالله إلى بغداد، بين عامي 862 و866 م، حيث ترجم عددًا من الكتب الطبية، وأعاد النظر في ترجمات قديمة. وفي بغداد، اتصل بالفيلسوف والطبيب والمترجم حنين بن إسحق، والعالم ثابت بن قرة. كذلك، خدم بن لوقا في بلاط الخليفة المتوكل (847- 861 م)، ثم عين وزيرًا للخليفة المعتمد (870- 892 م) مرتين.

وقد اشتغل بن لوقا بصنع الآلات الفلكية، وكانت له إسهامات في علم المثلثات، والفلك، والمنطق، والعلوم الطبيعية. فضلًا عن ذلك، مارس الطب وألف عددًا كبيرًا من الكتب الطبية منها: كتاب توزيع الأغذية، وكتاب البلغم، وكتاب السوداء، وكتاب الصفراء، وكتاب علة الموت المفاجئ، وكتاب الدم، وكتاب الاستدلال بالنظر إلى أصناف البول.

جزء من رسالة في تدبير سفر الحج. المصدر: مكتبة قطر الوطنية

ومن أطرف مؤلفاته الطبية، رسالته المُعنونة «رسالة في تدبير سفر الحج»، والتي تتناول الاحتياطات الصحية، والتصرفات اللازمة في مواجهة الطوارئ الصحية، التي تواجه الحاج إلى بيت الله الحرام. وهي الرسالة التي وجهها إلى الأمير الحسن بن مخلد الجراح، الذي كان قد نوى الحج، وكان بن لوقا يرغب في مرافقته، لكن ذلك لم يتم له؛ فآثر أن يكتب هذه الرسالة في تدبير سفر الحج، ويبعث بها إلى الأمير.

وجاءت هذه الرسالة في غاية التفصيل لما قد يحتاجه الحاج، وقد نشرت هذه الرسالة وحواشيها مشفوعة بترجمتها في ليدن عام 1992. وفي غير الطب، ألف ابن لوقا كتبًا منها: المرايا المحرقة، والفلاحة اليونانية، ورسالة في الفرق بين الروح والنفس تُرجمت إلى اللاتينية. أيضًا من أهم مساهماته، ترجمته لأعمال أرسطو، وديوفانتوس، وأريستارخوس، وكتاب الميكانيكا لهيرون الإسكندري، وهي الترجمة الوحيدة له عن اللغة اليونانية.

«العصر الذهبي للتسامح الديني».. كيف ازدهرت حضارة اليهود في ظل الحكم الإسلامي؟

المصادر

تحميل المزيد