استهدف الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو مؤخرًا أمام الكونجرس الأمريكي أنواعًا عدة من الجماهير. من بين هؤلاء الناخبون الإسرائيليون، ونواب الحزب الجمهوري والشعب الأمريكي.

سعى نيتنياهو في خطابه نحو الضغط وبصورة مباشرة على الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير الخارجية جون كيري في وقت دخلت فيه المفاوضات الأمريكية مع طهران بشأن البرنامج النووي الإيراني مراحلها الحاسمة.

تركزت النقطة الرئيسية للخطاب حول التشكيك في قدرة أوباما على وقف إيران عن تطوير أسلحتها النووية، وهو ما سيشكل تهديدًا مباشرًا على وجود إسرائيل. وكما قال نيتنياهو: “جئت هنا اليوم لأنني وكرئيس وزراء لإسرائيل، أشعر بالتزام عميق للتحدث إليكم حول قضية يمكن أن تهدد بقاء ومستقبل شعبي: سعي إيران للحصول على أسلحة نووية”.

إن استمرار نيتنياهو في الإشارة إلى “التهديد الوجودي” يؤشر على مناشدة حثيثة منه للشعب الأمريكي للضغط على الرئيس أوباما. خطوة تبدو محفوفة بالمخاطر الإستراتيجية في الظروف العادية، إلا أن نيتنياهو يعتقد بقدرته على اللجوء لتلك الخطوة في الوقت الراهن. لماذا؟

كثير من الناس في أوروبا الغربية يجدون صعوبة في فهم موقف نيتنياهو الأخير في الولايات المتحدة، والذي يبدو أنه يتصل بشكل لافت بجماعات السلطة والنفوذ. تلك السلطة التي غالبًا ما يطلق عليها “اللوبي اليهودي” أو بالأحرى “اللوبي الإسرائيلي”. كيف يمكن أن يكون ذلك؟

لا يمثل السكان اليهود في الولايات المتحدة سوى نسبة قليلة من التعداد السكاني لا تتجاوز 6 مليون نسمة من أصل 315 مليون نسمة يشكلون التعداد السكاني للولايات المتحدة. تميل الغالبية العظمى من هؤلاء السكان إلى الاتجاهات الليبرالية السياسية، وعادة ما يدعمون الحزب الديمقراطي وليس الجمهوري.

تمثل “لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية” أو “إيباك” إحدى أهم جماعات الضغط الرئيسية في هذا الإطار، والتي تعرف منذ فترة طويلة بإستراتيجياتها التي تتبنى العمل على نطاق أوسع مع الجمهور الأمريكي من أجل زيادة الدعم الذي تتلقاه إسرائيل. كما أنها ترى أن أهم عنصر في هذه الدائرة المستهدفة هي “المسيحية الصهيونية“، وهي ظاهرة معترف بها بين السياسيين الأوروبيين الغربيين.

إذا كان هناك انخفاض في مظاهر التدين في الولايات المتحدة، إلا أنها ما تزال دولة دينية بدرجة أكبر مما يبدو عليه الوضع في معظم دول أوروبا الغربية. على سبيل المثال، يتوجه 37% من الأمريكيين إلى دور العبادة بشكل أسبوعي مقارنة بنسبة لا تتجاوز 13% في المملكة المتحدة.

وتأتي طائفة المسيحيين الإنجيليين كأكبر الطوائف الدينية في الولايات المتحدة. وتمثل تلك الطائفة ما يوازي 33% من إجمالي التعداد السكاني في الولايات المتحدة. تعرف هذه الطائفة بممارستها للشعائر الدينية بطريقة أكثر اجتهادًا. كما أنهم أكثر عرضة للتصويت من بين الأمريكيين، وهي حقيقة ذات صلة في بلد لا تتجاوز فيه نسبة تصويت الناخبين 50%. الأهم من ذلك هو أنهم أقرب للتصويت للحزب الجمهوري.

هناك ثمة ما يثير المخاوف بشأن المسيحيين الأمريكيين الإنجيليين، لا سيما وأن اللوبي الإسرائيلي يقدّر المسيحية الصهيونية. لمَ لا وهم يعتقدون بأن قيام إسرائيل عام 1948 كان الخطوة الأولى لعودة المسيح للعالم حيث سيخوض حرباً فيها ضد قوى الشر تسمى “هرمجدون” يُقتل خلالها ثلثا الإسرائيليين ويهتدي الثلث الباقي للمسيحية وبعد انتصاره يحكم المسيح العالم كملك لألف عام.

واليوم أثبتت المسيحية الصهيونية براعتها في تطويع وسائل التواصل الاجتماعية لدعم إسرائيل. بعض المنظمات الرئيسية كمنظمة السفارة المسيحية الدولية باتت فعالة للغاية في تعزيز الدعم لإسرائيل، بما في ذلك تطوير الروابط بين الطوائف الإنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية ومستوطنات الضفة الغربية.

لا يمكن حصر الأعداد الفعلية للمسيحيين الصهيونيين في الولايات المتحدة على وجه الدقة. غير أنهم قد يشكلون 25% من طائفة المسيحيين الإنجيليين، أي ما يوازي 25 مليون نسمة، أو ما يوازي ثلاثة أضعاف التعداد السكاني لليهود بالولايات المتحدة.

كل ما تقدم ربما يفسر إشارات نيتنياهو المتكررة عن أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل. وإذا كانت احتمالات محو إسرائيل كدولة بفعل هجوم نووي إيراني تمثل كارثة من الناحية الإنسانية بالنسبة لمعظم الناس، فإن الأمر يبقى أعمق من ذلك بالنسبة للمسيحية الصهيونية التي يرتبط بقاؤها ببقاء إسرائيل على قيد الحياة وفق ما يعتقد مناصروها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد