في القرون الوسطى، يخبرنا التاريخ بالعديد من الحوادث، التي خرج فيها بعض المسلمين عقب صلاة الجمعة، يهاجمون الأقباط، ومساكنهم وكنائسهم؛ نتيجة شائعة تقول بأن المسيحيين قد شرعوا في بناء كنيسة جديدة، والواقع أنه في قرى مصر وبحلول عام 2016، لم يتغير الأمر كثيرًا.

2011.. عودة إلى الوراء قليلًا

لم يكن التوتر الطائفي هذه المرة في قرية «صفط الخرسا»، بمركز «الفشن» في محافظة «بني سويف» بمصر، هو الأول من نوعه في السنوات الأخيرة، لكنه كان أكثر حدة وعنفًا من سابقه.

ففي سبتمبر (أيلول) من عام 2011، تقدم كل من «خياط محمد عبد الرحمن» المحامي، و«محمد معوض حسين» الفلاح، و«رضا مسلم توفيق» المدرس، و«رمضان علي محمد» الفلاح، و«محمد عاشور جلال» الموظف، وجميعهم من قرية صفط الخرسا، مركز الفشن، ببلاغ ضد بعض الأقباط بالقرية، يتضررون فيه من تشغيل دروس دينية مسيحية بصوت مرتفع كل يوم أحد.

وحين استُدعيَ «إسحاق جرجس» آنذاك، الذي كانت تقام الدروس في منزله، أكد أن هذه عادة قديمة في القرية، وأن سبب الشكوى هو سبب اقتصادي في الأساس، يعود إلى أن اسحاق هو تاجر أخشاب، وبعض المتقدمين بالشكوى، مدينون له ببعض الأموال، لكن ما حدث في 2011، لم يكن بنفس حدة 2016 على أية حال.

مشهد 2016

بعد صلاة الجمعة الماضية، انتشرت شائعة بين المسلمين في قرية صفت الخرسا، تقول أن هناك منزل يبنى من قبل رجل مسيحي؛ بغية تحويله إلى كنيسة، تقام بها الشعائر المسيحية.

وتوجه 50 شابًا من المسلمين، إلى المنزل المشار إليه، وقاموا بإلقاء الحجارة عليه، ما تسبب في تحطيم واجهة المنزل، وسيارة تعود ملكيتها لصاحبه، وقد اشتعلت الاشتباكات بين المسلمين والمسيحيين في القرية نتيجة هذا، إلى أن قامت الشرطة بإخماد الاشتباكات العنيفة.

صورة للكاردون الأمني الذي فُرض في القرية من قبل قوات الأمن (مصدر الصورة: صحيفة النبأ المصرية)

وأكد «شريف محمد حبيب»، محافظ بني سويف، أن ما قيل عن تحويل مسكن أحد المواطنين المسيحيين لكنيسة، هو أمر غير دقيق، وأن صاحب المنزل قد أخل بالرسم الهندسي الذي اعتمده عند الوحدة المحلية ومجلس المدينة، وهذا كل ما في الأمر، وأنه تم إيقاف البناء بعد ذلك نظرًا لهذا الخلل، ولا يمكن محاسبة شخص على نيته هنا.

وقال «رجب جبريل»، رئيس قرية «تلت» بمركز فشن، إنه تم إقرار وقف أعمال البناء في منزل «نادي يعقوب إسحاق»، الذي اتهمته جموع الشباب المسلمين، بنيته في تحويل المنزل إلى كنيسة؛ بسبب مخالفة الرسم الهندسي الذي اعتمدته الوحدة المحلية، واعتمده مجلس المدينة، كما أن نادي يعقوب إسحاق، كان قد وعد مأمور قسم شرطة الفشن، بإزالة المخالفات عن نفس المبنى؛ إذ إن المقرر من قبل مالك المبنى أن يصبح ورشة في طابقه الأول، ومكانًا للإقامة بالطابق الثاني.

مع العلم أن صاحب الواقعة، يؤكد أن أقرب كنيسة تبعد عن العائلات المسيحية في القرية، بـ12 كيلو متر.

وقررت نيابة الفشن، أمس السبت، تحت إشراف المستشار «تامر الخطيب»، المحامي العام، احتجاز 18 شخصًا، سبعة من المسيحيين و11 من المسلمين، على خلفية النزاع الحاد الذي جاء نتيجة تجمع المسلمين، وإلقاء الحجارة على المنزل، وذلك على ذمة تحريات الأمن الوطني، بعد إلقاء القبض عليهم.

وعَقّب محافظ بني سويف، «شريف محمد حبيب» تعقيبًا على الأحداث قائلًا »هناك من يحاولون اختلاق أزمة طائفية في أيٍ من محافظات مصر، وأنا أقول لهم: خبتم وخاب ممشاكم؛ فجميعنا مصريين ويحكمنا قانون، لا يعرف مسيحيًا أو مسلمًا، وسيطبق على الجميع«.

واتسمت ردود فعل القوى السياسية المدنية في مصر بالغضب؛ نظرًا لتصاعد وتيرة هذه الأحداث، دون أن تجد الدولة لها حلًا جذريًا حتى الآن، فقد صرح عضو مجلس النواب عن حزب الوفد، والمتحدث باسم الكتلة البرلمانية للحزب، «محمد فؤاد»، قائلًا إن ما يحدث في الفترة الأخيرة بوتيرة متسارعة للأقباط، يدل على أن هناك مشكلة حقيقية، وأن الجلسات العرفية لم تعد تمثل حلًا حقيقيًا لهذه الأنواع من المشكلات.

وأكد فؤاد على أن هذه الحوادث لم تعد حوادث فردية، ولا يجوز وصفها بهذا الوصف، وأنه لابد وأن تكون هناك مراجعة جادة للأمر من بدايته وأصوله، لكي نعرف كيف وصلت الأمور لهذه الحالة، وأكد أنه لا بد من تغيير ثقافة المواطن، وتفعيل دور القانون.

وفي المقابل، أكدت الدولة، ممثلة في محافظ بني سويف، شريف محمد حبيب، أنه لا مجال للحديث عن إجراء جلسات عرفية؛ لأن هناك اعتداء واضح وخرق للقانون، لذا فإن الحديث عن أية مصالحة عرفية في الوقت الحالي، هو حديث غير مقبول، بحسبه.

بين القانون والجلسات العرفية

قبل حادث بني سويف، كانت المنيا الملقبة بعروس الصعيد، قد شهدت هي الأخرى حوادث طائفية مشابهة؛ إذ تشاجر المسلمون والمسيحيون، بقرية «طهنا الجبل»، الواقعة في مركز المنيا، وقد تسببت الاشتباكات، في مقتل شخص وإصابة ثلاثة مسيحيين من بينهم إمرأة.

وكان حادث «طهنا الجبل» هو رابع الأحداث الطائفية، التي شهدتها محافظة المنيا في أقل من شهرين، بعد حوادث قرى «الكرم، وكوم اللوفي، وعزبة أبو يعقوب».

وبالرغم من تأكيد الدولة السابق على تعهدها بإعمال القانون في مثل تلك الحوادث، لكن وزارة الداخلية المصرية، أعلنت أن مشكلة المنيا الخاصة بقرية أبو يعقوب، قد انتهت بصلح عرفي، أعقبه تنازل المجني عليهم؛ إذ أقروا بالتصالح مع المتهمين.

وفي نظر العديد من المحللين، فإن الدولة دائمًا حين تتدخل في النزاعات الطائفية، تترك الأمر للجلسات العرفية، التي تؤدي غالبًا إلى تهجير الجانب الأضعف، وهم الأقباط.

محافظ بني سويف يتفقد منازل المسلمين والأقباط في قرية صفط الخرسا (مصدر الصورة: صحيفة الوطن المصرية).

ويُذكر أن الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، قد أكد بعد أحداث المنيا، أن القانون سيُنفذ بكل حسم على الجميع.

وانتقد الكاتب الصحافي «إبراهيم عيسى»، بعد أحداث المنيا، ما أسماه بالموقف المتخاذل للدولة، بعد مقتل مواطن قبطي في قرية طهنا الجبل، بمحافظة المنيا، كما أكد عيسى أن كل أجهزة الدولة تخشى بشدة من كلمة طائفية، وبالتالي تعمل دائمًا على تصغير حجم المشكلات الطائفية والتقليل منها، مؤكدَا أن ذلك نتيجة عجزها عن التعامل معها، ومع جذورها، وأن الأحداث ليست أحداث فردية، ولكنها نتيجة لتقاعس الأجهزة الأمنية عن دورها.

وتؤكد المنظمات الحقوقية المصرية، منذ وقت بعيد، أن الجلسات العرفية قد تحولت إلى ما يشبه القضاء الموازي، الذي يفتقد للقدر الأدنى من ضمانات عدم التمييز، والعدل إزاء المواطنين المشكلين للجانب الأضعف، وأنه يفرض عقوبات قاسية وجماعية لأسباب دينية في هذه الحوادث، أو عائلية في حوادث أخرى، تنتهي في أغلب الأحيان إلى تهجير أسر بأكملها، حتى لو أن بعض أفرادها، لم يتورطوا في النزاع، ولم يتعاطفوا معه حتى.

وبالعودة لحادثة بني سويف، فقد قال رئيس قسم حرية المعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، «إسحاق إبراهيم»، يوم الجمعة الماضي، في مداخلة هاتفية مع برنامج »بتوقيت مصر«، إن » تطبيق الصلح العرفي في أحداث الاعتداء الطائفية يهدر حقوق الأشخاص الذي تم الاعتداء عليهم«، وأن »المواد التي يتضمنها قانون الاعتداءات الطائفية رادعة، ويجب تطبيقها في مثل هذه الأحداث، مطالبًا بتطبيق القانون من أجل تحقيق العدالة«.

هذا، وبالرغم من تأكيد الدولة الدائم على أنها ستفعل القانون، انعقدت جلسة عرفية بصفط الخرسا، بعلم الدولة والأجهزة الأمنية، وكان من بنود هذا الصلح العرفي بين المسلمين والأقباط، ألا يمانع المسلمون في إقامة كنيسة بالقرية، شريطة استخراج التصريحات اللازمة من الجهات المعنية.

وغير معروف حتى الآن إن كان الجناة سيلقون حسابهم القانوني، عما حدث من اضطرابات وشغب بالقرية، أم سيحدث كما يحدث في كل مرة؛ نظرًا لخشية الدولة من تمدد وقت الأزمة الطائفية، فتلجأ دائمًا إلى العرف لحلها.

المصادر

عرض التعليقات
s