يحب كريستوفر نولان أن يقلب عالم المشاهد رأسًا على عقب. ففي كل أفلامه، تأتي لحظة عندما تبدأ أن تدرك أن البطل ليس كما كنت تعتقد على الإطلاق. يقول هارفي دنت نجم فيلم The Dark Knight (فارس الظلام) “إما أن تموت بطلاً، أو تعيش طويلاً بما يكفي لترى نفسك تصبح شريرًا”، وكأنه يتحدث عن مصير بطل كل قصة من إخراج نولان: مثل شخصية ليونارد شيلبي في فيلم Memento (التذكار) والسحرة المبارزين في فيلم The Prestige (برستيج)، بل وحتى شخصية كوب في فيلم Inception (الاستهلال).

 

حركة الكاميرا

يترسخ هذا المنهج عن طريق استخدام نولان المتكرر للقطات غير العادية وهي: الدوران، وهي حركة دورانية للكاميرا والتي تقلب كل شيء رأسًا على عقب. نادرًا جدًّا ما يستخدم المخرجون والسينمائيون هذا الأسلوب، ولكن نولان يحب ذلك، ويوظفه في لحظات حاسمة لغرض معين: حتى يشعرنا، كما هو الحال بالنسبة لبطل الفيلم، أن العالم بالمعنى الحرفي والمجازي قد انقلب.

في فيلم فارس الظلام، يستخدم نولان تلك اللقطة عندما يقترب الجوكر من باتمان لإقناعه بوجهة نظره. ومثل جميع الشخصيات الشريرة في ثلاثية فارس الظلام، يهتم الجوكر أكثر بتغيير نظرة مدينة جوثام لنفسها عند السيطرة المادية على المدينة، لذا عندما قبض باتمان أخيرًا على الجوكر- تركه معلقًا من ساقيه، كما ينتقل الجوكر من قتال باتمان لمحاولة هزيمته بوابل من الأفكار. باختصار، يسعى الجوكر لأن يحتضن باتمان الفوضى الأخلاقية ويقتله. وعندما يدرك باتمان هذا، تتقلب الكاميرا على جانبها، وسرعان ما يظهر الجوكر على الجانب الأيمن، في حين انقلب العالم من ورائه.

أما في فيلم Inception، فهو يقلب العالم مرارًا وتكرارًا. والمثال الأبرز هو عندما تطوي أريادن (إيلين بيج) باريس حرفيًّا على نفسها بمن فيها من أشخاص تمشي في الشوارع. ولكن انقلاب الكاميرا يأتي في وقت لاحق. أولاً، في مشهد رواق الفندق، حيث تتقلب الكاميرا على جانبيها طوال المشهد.

ولكن في نهاية الفيلم نفقد التوازن مرة أخرى عندما نرى البطل من زاوية جديدة. يحدث ذلك عندما نشهد أخيرًا كيف أن البطل، كوب، انتهى به الأمر بقتل زوجته. يوضح كوب كيف نجح في إقناعها أنها كانت تحلم، وبالتالي عليها أن تقتل نفسها هربًا من الحلم. وعندما بدأنا نتساءل ما إذا كنا نستطيع الوثوق بكوب مجددًا، تدحرجت الكاميرا مرة أخرى على جانبيها.

وحتى عندما لا يستخدم هذه اللقطة، يسعد نولان بالاشتراك مع شقيقه وشريكه في كتابة السيناريو جوناثان نولان بقلب إحساس المشاهدين. إن مشهد القطار في فيلم الاستهلال يذكرنا بمشهد مماثل من فيلم التذكار الرائع. هذا الفيلم يعيد مرارًا مشهد سقوط ليونارد وزوجته على أرضية الحمام بسبب الدخلاء الذين اقتحموا منزلهم. فبينما استلقيا على جانبيهما وهما على وشك فقدان الوعي، حدقا ببعضهما البعض بينما كانت الحياة تنسحب من عيون زوجة ليونارد. عندما نعود إلى نفس المشهد في وقت لاحق، نكتشف أن زوجة ليونارد نجت فعلاً، وأن ليونارد قتلها في نهاية المطاف، وأنه كذب على نفسه، ومنح نفسه ألغازًا لحلها، للتهرب من مواجهة الحقيقة.

هذه هي النظرة العالمية لأفلام نولان: العالم مكان فظيع، وكثير منا فظيعون، ولكن نحن نخادع أنفسنا بخلاف ذلك. لا أحد ينظر إلى نفسه على أنه شرير، حتى القتلة يحسبون أنفسهم أبطالاً. مثلما أخبر تيدي (جو بانتوليانو) ليونارد في فيلم التذكار: “إذن أنت تكذب على نفسك بكونك سعيدًا، لا مشكلة في ذلك، فنحن جميعًا نفعل ذلك. من يهتم إذا كانت هناك بعض التفاصيل الصغيرة التي لا ترغب في تذكرها”.

 

شر كامن في نفوس البشر

ثمة نوعان مماثلان من الأكاذيب  في فيلم برستيج، حيث تدفع الهواجس رجلين إلى ارتكاب أعمال فظيعة. ألفريد بوردن (كريستيان بايل) يقتل عشيقة خصمه ثم يكذب على نفسه حول ما إذا كان قد فعل ذلك حقًّا. (غرقت المرأة بعدما فشلت في الإفلات من عقدة صعبة، لكنه يقول أنه لا يتذكر أي عقدة استخدمها) بينما انتهى المطاف بخصمه روبرت أنجير (هيو جاكمان) بارتكاب جريمة قتل روتينية من أجل أداء خدعة سحرية مذهلة، لكنه يقنع نفسه أن الأمر يستحق.

لماذا فعل ذلك أنجير؟ جوابه يعطينا فكرة عن سبب استمتاع كريستوفر نولان بقلب العالم رأسًا على عقب:

“أنت لم تفهم لماذا فعلنا هذا. الجمهور يعرف الحقيقة: إن العالم بسيط وبائس وفظ في كل شيء. ولكن إذا تمكنت من خداعهم، من ثم يمكنك حملهم على التساؤل، ثم سترى شيئًا مميزًا حقًّا، ألا تعرفه؟ لقد كانت تلك النظرة على وجوههم”.

يقول الكاتب إنه عندما كتب لأول مرة حول هذا الموضوع في عام 2012، لم يكن متيقنًا من أن استخدام نولان لهذه اللقطة متعمد، ولكن مع عرض فيلم Interstellar (بين النجوم) أصبح مقتنعًا بذلك. حيث يبدأ استخدام هذه اللقطة في وقت مبكر من الفيلم، وتتبع الكاميرا نمطًا توقعناه بالضبط. تظهر اللقطة عندما يقوم براند (مايكل كين) بتعريف كوبر (ماثيو ماكونهي) على مكوك الفضاء الذي سيستخدمه للبحث عن كوكب جديد صالح للسكن. لا يختلف شكل مكوك الفضاء كثيرًا عما قد يتوقعه المرء. يقول براند إنه يأمل أن يتمكن من إنقاذ سكان الأرض الذين يموتون (يسميها “الخطة أ”)، بدلاً من مجرد تركهم وراءه وبدء حضارة جديدة من الصفر (يسميها “الخطة ب”).

يقول الكاتب إن استخدام دوران الكاميرا جعله يعتقد أن براند ربما كان يكذب، حيث يعترف في وقت لاحق بذلك على فراش الموت. فلم يكن هناك أبدًا “خطة أ” ولم يكن هناك أمل لإنقاذ الأرض. كانت مجرد كذبة تهدف إلى إقناع كوبر أنه يمكنه أن يكون البطل لإنقاذ عائلته. وعندما يعلم كوبر هذا، ويدرك أنه لن يعود أبدًا، فإنه لا يعتقد أنه بطل على الإطلاق. ويتمنى لو أنه قد بقي.

ما سيحدث تاليًا يجعل فيلم (بين النجوم) فريدًا بين أفلام نولان. فلأول مرة، يكون لكون نولان إله، أو شيء من هذا القبيل. ربما وجد نولان الإيمان، أو على الأقل الأمل. أو ربما ببساطة أصبح الآن أقل اهتمامًا بعرض حقائق قاسية على جمهوره.

 

الإعلان الدعائي لفيلم Interstellar

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد