يذهب العديد من المرضى إلى الطبيب ويفشلون في إيصال شكواهم؛ لعدم قدرتهم على تحديد اسم المرض الذي أصابهم، وتكون الأعراض التي يعانون منها غالبًا أنهم يستيقظون في الصباح وهم متعبون على الرغم من نومهم بشكلٍ جيِّد، ويتثاءبون طوال اليوم مع وجود رغبة دائمة في الذهاب إلى السرير، ويشعرونَ بالإجهاد من بذل أدنى مجهود، حتى بعد الحصول على الراحة في عطلة نهاية الأسبوع، فالألم يستمر.

وحتى الثمانينيات لم يكن العلماء قادرين على تشخيص هذا المرض بشكلٍ صحيح، ولكن بعد إجراء العديد من الدراسات توصلوا إلى تعريف ما يعاني منه هؤلاء المرضى، وأطلقوا عليه تسمية «متلازمة التعب المزمن»، وهي عبارة عن: «تعب شديد لا يمكن تفسيره بأيِّ حالةٍ طبيَّةٍ كامنة، وقد يزيد مع النشاط البدني أو العقلي، ولكنه لا يتحسَّن مع الراحة».

وبعد اكتشاف «متلازمة التعب المزمن» أصبحت موضوعًا طبيًّا مثيرًا للجدل، ولا يزال الكثير من الأشخاص يجهلون وجودها رغم معاناتهم منها، بل إن تشخيص المتلازمة لم يتفق عليه الأطباء بشكلٍ دقيقٍ حتَّى الآن، وبعضهم لا يعرفون كيفية تشخيصها من الأساس.

في أمريكا هناك مليون مصاب بـ«التعب المزمن»

توصلت الإحصائيات إلى أنه يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي مليون شخص يعانون من «متلازمة التعب المزمن»، وحوالي ربع مليون شخص يعانون من المتلازمة في بريطانيا.

وحسب الدراسات المسحية فإن «متلازمة التعب المزمن» منتشرة بين جميع شعوب العالم بدون استثناء، ولكن لوحظ أن الطبقات الدنيا في المجتمع هم الأكثر عرضة للإصابة بالمتلازمة، وفي دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية وجدوا أن السود والهنود الحمر أكثر فئتين تعرضًا للإصابة بها.

وأما التقسيم من ناحية الفئات العمرية؛ فنسبة الإصابة بالمتلازمة تزيد في الفترة العمرية بين 25 و45 سنة، وتبلغ نسبة إصابة النساء بها من 60 إلى 85%، وتتفاوت شدة المرض من شخصٍ لآخر، ولكن يبقى نحو ربع المرضى طريحي الفراش وعاجزين عن العودة إلى العمل مرةً أخرى، وهناك من يستطيعون مواصلة عملهم بلجوئهم إلى الدوام الجزئي، مع شعورهم بعدم الراحة معظم الوقت.

السبب الرئيسي ما زال مجهولًا!

اختلف الباحثون حول اعتبار «متلازمة التعب المزمن» مرضًا واحدًا، أو عدة أمراض مجتمعة قد تكون لها أسبابٌ مختلفة في مرضى مختلفين، ولذلك توصف المتلازمة أحيانًا بأنها أقرب إلى المرض العقلي منها إلى الجسمي، حيث يوصف مرضاها بالعصابيين أو المكتئبين أو المصابين بوسواس المرض.

وليس هناك سيناريو مُحدَّد لظهور المتلازمة، ففي بعض الحالات تظهر عقب مرض، مثل الإنفلونزا، أو مرض «كثرة الوحيدات العدوائية»، أو بعد فترةٍ من الضغوط النفسية غير المعتادة، وفي بعض الأحيان تظهر دون سابق إنذار عند أشخاص لم يصابوا بأمراضٍ من قبل.

الدكتورة «كارمن شايبنوغن»

وأجرت الدكتورة الألمانية «كارمن شايبنوغن» رئيسة قسم أمراض المناعة في مستشفى «شاريتيه» في برلين دراسة عن المتلازمة اكتشفت من خلالها: «أن المريض المثالي لمتلازمة التعب المزمن، هو شاب كان يتمتع بصحة جيدة، وبعد إصابته بعدوى فيروس، أصبح يشعر بأعراض تشبه أعراض الزكام، حيث يشعر بآلام في الرأس والعضلات والمفاصل، ويحدث لديه اضطراب في النوم ولا يستطيع التركيز جيدًا، وباختصار لا يستعيد صحته وعافيته ويبقى مريضًا وتزداد لديه أعراض التعب الشديد، والشعور بالإرهاق النفسي والجسدي».

ونتيجة أن التعب مصدره أسباب عديدة ومختلفة، فقد تمرُّ في بعض الأحيان أسابيع أو أشهر قبل أن ينتبه المريض لما أصابه، مما يجعل من الصعب الاتفاق على تعريف عام لتطور «متلازمة التعب المزمن»، فالتشخيص يظل غير واضح لفترةٍ غالبًا ما تكون طويلة.

وتشير الدراسات إلى أن أقل من 20% من مرضى المتلازمة في الولايات المتحدة الأمريكية وقد نجح الأطباء في تشخيصهم بشكل صحيح، وذلك لعدم وجود اختبار تشخيصي أو علامات بيولوجية قاطعة تؤكد إصابة المريض، واختلاف الأعراض بنسبةٍ كبيرة من شخص إلى آخر.

أهم الأعراض: الشعور الدائم بالإجهاد وآلام المفاصل والعضلات

تظهر على الشخص المصاب بـ«متلازمة التعب المزمن» العديد من الأعراض التي تؤكد إصابته، وفي مقدمتها شعوره بالتعب والإرهاق لمدة لا تقل عن ستة أشهر، ولا تفيد الراحة والاسترخاء والنوم بشكلٍ كافٍ في اختفائه، بالإضافة إلى معاناته من الخمول والكسل الشديد بعد استيقاظه من النوم، والرغبة في العودة للسرير مرةً أخرى.

وأيضًا من الأعراض التي تلازم المريض وجود آلام في المفاصل والعضلات ليس لها مُسببات محددة، ولا يستطيع التخلص منها، ورغم محاولته البحث عن أي حلولٍ علاجية فإنها لا تستجيب للعلاجات أو الأدوية المضادة للألم، وتؤثر هذه الآلام بالذات على الأشخاص الذين يعتمد عملهم على استخدام عضلاتهم في حمل الأغراض.

ومما ينغص حياة المريض بـ«التعب المزمن» آلام الصداع المستمرة والتي لا يكون لها أسباب محددة، وفي الوقت نفسه لا تقتصر على مكان بعينه في الرأس، ولذلك لا يستطيع تحديد طبيعة هذا الألم والذي يأتي في أوقات مختلفة، ولا يستجيب للمسكنات التقليدية للصداع.

وتؤدي المتلازمة إلى ازدياد الحساسية للإضاءة، مما يجعل الشخص المصاب بها غير قادر أن يعمل في ضوء الشمس الساطع نهارًا، أو في وجود إضاءة قوية ليلًا، وهذا العَرَض يجعله يذهب لأطباء العيون بحثًا عن علاج، ولكن تشخيصهم لا يوصله إلى أي نتيجة.

ومن الأعراض الأخرى كذلك: وجود اضطرابات في الجهاز الهضمي، فيُعاني الشخص من الغثيان، وأحيانًا عدم الارتياح بعد الأكل، إلى جانب الغازات والإمساك أو الإسهال، مما يجعله أقل قدرة على التكيف مع حياته وعمله.

لا يزال السؤال قائمًا: مرض نفسي أم بيولوجي؟

نشرت مجلة «ساينس أدفانسز» دراسة علمية قام بها مجموعة من الباحثين في كلية «مايلمان سكول» للطب العام في جامعة «كولومبيا»، تؤكد أن «التعب المزمن» مرض بيولوجي وليس نفسيًا، ويمكن تحديد وجوده عن طريق علامات في الدم.

وبحسب الدكتورة «مادي هورينغ» الأستاذة المساعدة في علم الأوبئة في كلية «مايلمان سكول» والمشرفة الرئيسية على الدراسة، فقد أصبح هناك دليلٌ واضح اليوم يؤكد لملايين الأشخاص المصابين بـ«متلازمة التعب المزمن» أن ما يعانون منه ليس أمرًا نفسيًا، وستعمل نتائج الدراسة على الإسراع في عملية التشخيص، واكتشاف أدوية جديدة.

وأجرى الباحثون اختبارًا على مستويات 51 علامة لجهاز المناعة في مصل الدم لـ298 مريضًا، و348 شخصًا بصحة جيدة، واكتشفوا أن دم المرضى المصابين بالمرض منذ 3 سنوات أو أقل كان يحوي مستويات أعلى من الجزئيات المسماة «سيتوكينات»، أما الأشخاص الأصحاء والمرضى لأكثر من ثلاث سنوات فلم يظهر عندهم هذا النوع من الجزئيات.

وهذا يفسر لنا الطريقة التي قد تضر بها العدوى الفيروسية الجهاز المناعي، حيث إن مرضى «متلازمة التعب المزمن» تزيد لديهم جزئيات «السيتوكين» حتى مرور 3 سنوات من الإصابة بالمرض، وعند هذه النقطة يُظهر الجهاز المناعي علامات على الإنهاك، وينخفض مستوى «السيتوكين»، وهذا يشير إلى أن هناك مراحل مميزة للمرض فعندما تبدأ استجابة «السيتوكين» في الاستقرار يبدأ المرض في الهدوء.

وعلق الدكتور «بيتر وايت» أستاذ الطب النفسي في جامعة «كوين ماري» البريطانية، على نتائج الدراسة بقوله: «إنه من السابق لأوانه أن نتوصل لاستنتاجاتٍ منها، فهناك واحد فقط من بين 51 من البروتينات المناعية التي تمت دراستها نشط في كل الحالات مقارنة مع المجموعة الضابطة، الأمر الذي يمكن أن يحدث من قبيل المصادفة فقط، ولذلك أتمنى أن يستمر فريق البحث في إعادة تحليل بياناتهم، بعد تقسيم العينات تبعًا لعوامل أخرى تحدد المجموعات الفرعية، والتي يعتقد معظم العلماء أنها تسبب هذا المرض».

ثلاثة أنواع للعلاج.. ومن الضروري تغيير نمط الحياة

لا يوجد حتى اليوم علاج معين لـ«متلازمة التعب المزمن»؛ لأن كل مريض يعاني من أعراض مختلفة عن المريض الآخر، ولكن من الممكن اتباع بعض الإرشادات التي تساهم في تخفيف الأعراض مثل: التقليل من الكافيين للمساعدة على النوم بشكلٍ أفضل والحدّ من الأرق، ووضع نظام محدد للنوم بالذهاب إلى السرير في توقيتٍ مُعيَّن، والانتباه لنوعية الأنشطة اليومية بتخصيص وقت للاسترخاء، أو ممارسة هوايات محببة، والبعد قدر الإمكان عن الإفراط في العمل.

وهناك ثلاثة أنواع مختلفة للعلاج وهي:

1- العلاج السلوكي المعرفي: ومن خلاله يتعلم المريض كيفية الاستماع إلى نفسه والتخلص من مخاوفه، عن طريق المشاركة في حلقات المشورة الجماعية، والتي تعمل على تغيير نظرته إلى الحياة.

2- العلاج بالتمارين الرياضية: بالبدء في مزاولة نشاط رياضي يمكن القيام به تدريجيًا مثل المشي، وتوجد أدلة تؤكد أن العلاج بالرياضة يؤدي إلى التقليل من الإجهاد، وزيادة اللياقة البدنية، والقدرة على التحمل.

3- العلاج الدوائي: لا يوجد دواء واحد يمكن أن يعتمد عليه المريض بشكل أساسي؛ لأنه قد تتغير الأعراض مع مرور الوقت في كثير من الحالات، ولكن بشكل مبدئي ينصح الأطباء بأخذ جرعة منخفضة من مضادات الاكتئاب، لدورها في المساعدة على النوم، وتخفيف آلام العضلات، حتى ولو لم يكن المريض مكتئبًا.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد