يشعر بعض الناس دائمًا بالتعب، ولا يحصلون على الراحة بعد النوم أبدًا، مع الشكوى الدائمة بخليط من الأعراض. أحيانًا قد يُتهمون بالمبالغة، أو الكذب، أو حتى بالهيستيريا، وخصوصًا النساء. لكن بالفعل هناك حالة تُسمى متلازمة التعب المزمن، وهي حالة تسبب شعور مُستمر بالتعب، وغير مرتبطة بمرض بعينه.

يخطئ البعض في تشخيصها بحالة «مريض الوهم»، لكنها حالة شديدة الانتشار، ومرض حقيقي، ولهذه الحالة تأثير شديد ليس فقط على صحة الفرد، ولكن على المجتمع ككل. ذلك لأنها طويلة الأمد، والمصابون بها ذوو إنتاجية ضعيفة، وهذه الحالة غير مفهومة السبب بالكامل، ومتداخلة الأعراض، فهي مثل مرض غير مرئي، يبدو المريض عاديًا رغم إصابته بها، فكيف يمكن التعامل معها؟

هل تشعر دائمًا بفقدان الهِمة؟

تنتشر الإصابة بهذه المتلازمة بين الأشخاص في السن بين الأربعين إلى الستين، ولكنها قد تصيب الأشخاص في أي عمر. وهناك 2.5 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية مصابون بها. ويعاني شخص من كل أربعة أشخاص من حِدة الأعراض، كما تميل النساء للإصابة بها أكثر من الرجال بحوالي أربع مرات، ويتعرض لها الجنس الأبيض أكثر من الأجناس الأخرى.

كيف بدأ هذا التعب المزمن؟

متلازمة التعب المزمن ليست مجرد شعور مؤقت بالتعب، لكنها تسبب معاناة لمدة طويلة، تصل لستة أشهر. وقد شُخصت هذه الحالة لأول مرة في منتصف الثمانينات، ولم يكن معلوم سببها العضوي آنذاك، ذلك لأن كل التحاليل الطبية للشحص المَعني لم تكن تبيّن وجود شيء خاطئ. لكن الأبحاث التي أُجريت لاحقًا منذ بداية التسعينات، والمقارنات التي تمت بين الأشخاص المصابين بالإرهاق المزمن، والأشخاص السليمة، بناءًا على الجنس، والعمر، بينت وجود اختلافات في الجهاز العصبي المركزي، واللإرادي، وبيّنت الاختبارات مستويات منخفضة من الناتج الأيضي.

بالإضافة إلى وجود ضعف في توليد طاقة الخلية، من كل المصادر؛ سواء الطاقة الناتجة من السُكر، أو الأكسجين، أو الدهون، أو الأحماض الأمينية. لكن هناك عدة مشاكل مختلفة قد تسبب هذه الأعراض.

لست مكتئبًا ولكنك مريض.. 6 أمراض نفسية سببها المرض العضوي

مشاكل مخية ومناعية.. الأمر لا يتعلق بالإرهاق فقط

تعاني بعض الحالات من اضطرابات في الجهاز المناعي، وبيّنت نتائج التصوير بالرنين المغناطيسي، والتصوير بالأشعة المقطعية اضطرابات في المخ، خاصةً في نِسب هرمونات المخ، وموجات المخ، وهذه الاضطرابات تظهر وتختفي. بالإضافة إلى وجود مشاكل جينية، متعلقة بأشكال بعض الجينات. بعض الدراسات على التوائم المتطابقة وغير المتطابقة بيّنت أن بعض الناس يرثون استعدادًا جينيًا للإصابة بالمرض.

Embed from Getty Images

كذلك قد تنتج الحالة من بعض أنواع العدوى، مثل «فيروس إبشتاين- بار»، فيما بينت دراسات أخرى دورًا هامًا للسيروتونين في الإصابة بهذه الحالة، كما يعاني الأشخاص المصابون بمتلازمة االتعب بمستويات منخفضة من الكورتيزول، وهو الهرمون الذي يُطلق عند الشعور بالقلق.

متلازمة التعب المزمن.. هل أنا مصاب بها؟

حدث جدال تشخيصي حول متلازمة التعب المستمر، فهي حالة مُلتبسة صعبة التشخيص، ولا يوجد اختبار معملي واحد بسيط يمكن من خلاله معرفة احتمالية وجود هذه المتلازمة من عدمه، ولا يوجد علامة مميزة لها. لكن ينبغي التأكيد على أنها ليست حالة نفسية، وإنما مرض حقيقي، ويعتمد تشخيصها على التشخيص بالاستبعاد وصعوبة التشخيص أيضًا لأنها تتشابه مع بعض الحالات الأخرى التي يكون فيها التعب الشديد عاملًا مشتركًا مثل الفيبروماليجيا، أو (الألم العضلي التليفي)، والحساسية تجاه الكثير من المواد الكيماوية، وبعض الأمراض العصبية.

وقد قاد هذا الجدال حول المتلازمة إلى وضع معايير واضحة للإصابة بها في عام 1994، وتشمل الإحساس بالتعب المُنهِك الذي لا يزول بالراحة أو النوم لمدة تصل إلى ستة أشهر، وتزامن وجود أربعة أعراض للمتلازمة، من ضعف في الذاكرة القصيرة، وصعوبة التركيز، وأعراض تشبه الزكام، وألم غير مبرر في العضلات، وأنواع مختلفة من الصداع، بالإضافة إلى المعاناة من مشاكل في النوم، والإحساس بالإجهاد بعد ممارسة أي نشاط بدني، بالإضافة إلى صعوبة في التركيز، والإحساس بألم، والدوران. كما أن هناك حالات قليلة تشعر بوخز وتنميل في القدمين، ومشاكل بالرؤية، والتهاب بالقولون، وإحساس بالقلق والاكتئاب، وليس بالضرورة أن يُصاب المريض بكل الأعراض مجتمعة.

لكن الفحوصات كاشفة أيضًا للمتلازمة؛ فضربات القلب عادةً ما تكون أعلى من الطبيعي، وتكون درجة الحرارة أقل من الطبيعي، ويميل ضغط الدم إلى الانخفاض، ومن اللازم إجراء تحليل صورة دم كاملة، وتحليل فحوص وظائف غدة درقية، وعامل مضاد النواة أو الـ(ANA)، وعامل الروماتويد، وكيناز الكرياتين أو الـ(CK)، وتصوير بالرنين المغناطيسي، وفيروس الالتهاب الكبدي(ج).

هل هناك حل لهذا التعب الطويل؟

لأننا لا نعرف بالتحديد سبب المتلازمة، لا يوجد علاج واحد بعينه معتمد لمتلازمة التعب المزمن من منظمة الغذاء والدواء، لذا فإن علاج المشكلة المُعقدة يكمن في تقسيمها إلى أجزاء صغيرة. فيمكن علاج كل عَرضٍ على حدة، ولاختلاف الأعراض من شخصٍ لآخر يتباين العلاج أيضًا من شخصٍ لآخر.

يجب اللجوء في البداية إلى طبيب العائلة، والذي يعرف التاريخ المرضي لعائلتك، ليقوم بوضع خطة العلاج، ثم معالجة أكبر مشكلة، فمثلًا إذا كنت تعاني من اضطرابات في النوم، يجب معالجتها أولًا عن طريق تغيير عادات النوم، أو اللجوء لمنومات، وبعض الحالات الأخرى تحتاج لمكملات غذائية، ومنشطات، تُساعد في تقليل التعب، وتساعد على التركيز.

أما من يعانون من ألم في المفاصل فيقوم الطبيب بوصف مسكنات لهم. ولأن نحو نصف المصابين بالمتلازمة يعانون من اكتئاب، فمن الضروري تناولهم مضاد اكتئاب لا تزيد أعراضه الجانبية من الأعراض، ويُصرف تحت إشراف طبيب نفسي بالطبع، وقد يحتاج البعض إلى جلسات علاج كلامي أو سايكوثيرابي.

قلة النوم تهدد صحتك.. أسباب اضطراب النوم وأضراره وطرق التخلص منه

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد