أصبح مسلسل تفجير الكنائس في مصر يعتمد شعار «القبضة الدامية»؛ فبالرغم من أن السيناريو واحد في كل مرة، بدءًا من تفجير كنيسة القديسين وحتى الآن، إلا أن «الإرهاب» لا يسعي للتجديد، معلنًا أنه لا تراجع ولا استسلام، ففي كل مرة يقوم مجهول بزرع قنبلة داخل كنيسة، أو يقوم مجهول بتفجير نفسه مُحدثًا كارثة مروعة، سيناريو يتكرر بلا إضافات، ولا رغبة مُلحة في الإبداع والخروج من الصندوق، لأنه لا يُواجه سيناريوهات أمنية حقيقية تمنعه من تكرار نفس العملية بنفس الأداء في كل مرة مع اختلاف الأماكن.

هذا يطرح العديد من التساؤلات، أولها لماذا لا يضع الأمن خطة أمنية احترازية على كل الكنائس تجعل الإرهاب يواجه ولو «بعض» الصعوبات خلال عمليته المكررة المستهلكة؟ وما هي خطط الأمن في تأمين الكنائس من الأساس؟ وعلي أي أساس، من وجهة النظر الأمنية، يقوم الإرهاب باختيار الكنائس التي يستهدفها؟

في يوم الأحد الموافق الثامن من أبريل (نيسان)، وأثناء الاحتفالات بـ«أحد الشعانين» شهدت مصر مجموعة من التفجيرات المتتالية ببعض الكنائس، إحداهما في طنطا، والأخرى في الأسكندرية، فيما أطلقت عليه بعض المواقع الإلكترونية «أحد شعانين دموي»؛ حيث قُتل عدد من الأشخاص وأصيب آخرون، اليوم الأحد، بتفجيرين منفصلين بكنيستين للأقباط في مدينتي طنطا والإسكندرية.

وأعلنت وزارة الصحة والسكان المصرية مقتل 25 شخصًا وإصابة 71 آخرين بانفجار «جسم غريب» داخل كنيسة مارجرجس بشارع النحاس في طنطا، على بعد 120 كيلومترًا شمال القاهرة، فيما أفادت وسائل إعلام محلية بمقتل 11 شخصًا بينهم 3 ضباط، وإصابة 36 آخرين بتفجير انتحاري في محيط الكنيسة المرقسية بالإسكندرية.

https://www.youtube.com/watch?v=y2U7muywfcU&feature=youtu.be

فيديو اللحظات الأولى لانفجار الكنيسة في طنطا

https://www.youtube.com/watch?v=juu2Bfnpp0M

يعلّق الكاتب الصحافي، محمد أبو الغيط، على الانفجار الذي وقع صباح اليوم بكنيسة مارجرجس في مدينة طنطا، بالتزامن مع احتفال الأقباط بـ«أحد الشعانين» على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قائلًا: «بالفيديو: الأمن ينجح في تفكيك قنبلة داخل كنيسة مارجرجس في طنطا.. الخبر ده بتاريخ 27 مارس (أذار)، يعني من حوالي أسبوع واحد، نفس الكنيسة اللي اتفجرت النهاردة.. يعني الإرهابيين حاولوا يفجروها من أسبوع وفشلوا، حاولوا تاني وربنا وفقهم، كما تقول نكتة اللمبي المأساوية».

يضيف أبو الغيط: «الواحد مش محتاج يكون خبير أمني عشان يقول إنه لو لقيت قنبلة جوا مبنى كنيسة – مش جنبه ولا حواليه – وبعدين مقدرتش تعرف الفاعلين والقنبلة دخلت إزاي، يبقى أبسط إجراء احترازي تمنع قداس العيد في الكنيسة دي؛ لأنك متضمنش تكرار الاختراق بنفس الطريقة المجهولة».


فيديو تفكيك قنبلة كنيسة مارجرجس بطنطا:

https://www.youtube.com/watch?v=TqrMBxDa8xE

 

عمليات متكررة بنفس الطريقة

في عام 2011 وتحديدًا في احتفالات ليلة رأس السنة، استقبلت كنيسة القديسين بالإسكندرية احتفالات عيد الميلاد بوقوع تفجير كبير قُتل خلاله 23 شخصًا، وأصيب 97 بحسب مصادر رسمية، كانت تلك الحادثة هي الأبرز والأكثر تأثيرًا في الرأي العام في الأيام الأخيرة قبل سقوط نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، وقبل قيام ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.

وفي الخامس من يناير (كانون الثاني) عام 2011 ناقش مجلس الوزراء خلال اجتماعه برئاسة أحمد نظيف – رئيس الوزراء وقتئذ- التقارير المقدمة من الوزراء المختصين حول حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية، وأكد حبيب العادلى، وزير الداخلية وقت الحادث، في تقريره الذى عرضه على المجلس أن أجهزة وزارة الداخلية تعمل مع المعمل الجنائى من أجل الكشف عن مرتكبى الحادث، وهو ما لم يتم اكتشافه علي مدى السنوات التالية.

وأضاف العادلى أن المعلومات المؤكدة حول الحادث تتمثل فى أنه نتج عن عبوة بدائية الصنع، وأن المادة المتفجرة كانت محمولة فى حقيبة أو حزام ناسف، وليست داخل سيارة، وهو «التكنيك» الذي أصبح مُتبعًا فيما بعد، بغض النظر عن كون هناك أصابع اتهام موجهة لوزير الداخلية الأسبق نفسه بتورطه في حادث كنيسة القديسين.

فيديو انفجار كنيسة القديسين

قبل ما يقارب الأربعة أشهر، وتحديدًا في صباح يوم الأحد الموافق السادس عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2016 قُتل 25 شخصًا، وأصيب 31 آخرون في انفجار استهدف الكاتدرائية المرقسية في العباسية بالقاهرة، وقالت مصادر أمنية «إن عبوة ناسفة تزن 12 كيلوغرامًا استخدمت في التفجير».

فيديو تفجير الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة

الحادث الذي نشرت حسابات محسوبة على «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) الإرهابى بيانًا تبنت خلاله تفجير الكنيسة البطرسية الملحقة بالكاتدرائية المرقسية، وقالت فيه «إن التفجير تم من خلال حزام ناسف ارتداه أحد المنتمين للتنظيم، وكنيته أبو عبد الله المصري».


ما هي خطة الأمن المصري لتأمين الكنائس؟

يقول اللواء فؤاد علام، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق في مصر، ومدير الأمن الأسبق بمحافظة الإسماعيلية، لـ«ساسة بوست»، «إن خطط التأمين التي يتبعها جهاز الأمن المصري لتأمين الكنائس، هي خطط سرية جدًا، ولا يجب أن تكون مشاعًا أو معلنة لوسائل الإعلام، وأن الأمن يأخذ الكثير والكثير من الاحترازات الأمنية حتى لا تقع مثل تلك الحوادث المتكررة».

ولكن من جانب آخر يرى علام أن الأمن لا يستطيع حماية وتأمين كل مؤسسات الدولة وكياناتها، بما في ذلك كل الكنائس المصرية التي تقع عهدة تأمينها في رقبة مؤسسة الأمن المصرية.

لذلك أرتأى علام أن الحل الأمثل هو أن تكون هناك جهة أمنية خاضعة للكنيسة، بحيث تتولى كل كنيسة حماية نفسها من خلال بوابات أمنية، خاضعة للرقابة التامة من الكنيسة، بحيث يتولون مسؤولية تأمين وحماية أنفسهم، ولا يمررون أي شخص يكون مشكوكًا في أمره.

على النقيض من ذلك تمامًا يعارض هذه الفكرة جملة وتفصيلًا اللواء محمد زكي – القائد السابق للحرس الجمهوري – قائلًا لـ«ساسة بوست»: «وزارة الداخلية هي الكيان المنوط به حماية مؤسسات الدولة وتأمينها، أي أمن خاص هو حرية شخصية، فيمكن لأحدهم أن يتفق مع شركة أمن خاصة لتأمين بيته، لكن مؤسسات الدولة وكياناتها خاضعة خضوعًا تامًا لتأمين وحماية وزارة الداخلية المصرية، وجهاز الشرطة، كما هو متبع في كل الدول، وإذا كنّا نتحدث عن مؤسسات أو كيانات في الدولة تعاني من مخاطر خاصة، فإننا يمكننا بهذا أن نضعها في حماية وتأمين القوات المسلحة، فهذا هو شأن الدولة، وتأمين مؤسساتها هو عمل تنظيمي تقوم به في المقام الأول وزارة الداخلية، ولن نضع مسؤولية حماية كيانات الدولة الحساسة بعهدة فرد أمن تقتصر مهمته أن يرى البطاقة الشخصية للمترددين على المكان فقط».

أما عن طرق تأمين الأمن للكنائس المصرية فيؤكد زكي أنه لا يوجد طريقة ثابتة واحدة، وأنها تختلف باختلاف الكنيسة وموقعها الجغرافي، فتأمين كنائس القرى غير المدن غير الكنائس في المناطق الساحلية، فالاختلاف الأول متمثل في الموقع الجغرافي للكنيسة، أما الاختلاف الثاني فهو حسب القيمة الرمزية للكنيسة؛ مما يجعل الكنائس التي لها رمزية أكبر تتمتع بدرجة تأمين أعلى، الأمر الثالث المختلف في درجة التأمين هو ما يرد عن الكنيسة من معلومات تجعلها في بؤرة مخاطر محتملة، أو أنها مستهدفة أو ما شابه ذلك، فذلك يرفع من درجة تأمينها.

يؤكد زكي أيضًا أنه لا يمكننا رصد أوجه القصور أو توضيح من أين يأتي الخلل تحديدًا، دون أن يكون بين أيدينا بيانًأ رسميًا يوضح ما حدث في تفجيرات اليوم في طنطا والإسكندرية على وجه الدقة.

كيف يختار الإرهاب كنائسه المستهدفة

عامل القوة الذي يريده الإرهاب دومًا هو حدوث أكبر صدى متاحًا لعملياته المتكررة، فيختار التوقيت بعناية، دومًا يكون هناك عيد أو تجمع لكي يقوم بتفجيراته، وهذه هي النقطة التي يلفت إليها اللواء محمد زكي، في المعايير التي يختار الإرهاب أهدافه على أساسها.

ثلاثة معايير تتحكم في المشهد بحسب زكي، وهي: الرمزية، والتوقيت، والتجمع، فبناء علي العوامل الثلاثة السابقة يقوم الإرهاب باختيار مستهدفاته من الكنائس التي يحدد إحداث عملياته بها، فكلما كان للكنيسة رمزية أكبر في نفوس عموم المصريين عمومًا، والأقباط خصوصًا كان هذا أفضل، العامل الثاني هو التوقيت فهم يختارون دومًا أكثر الأوقات إيلامًا، مثل أوقات الأعياد، بالإضافة إلي ضمان وجود التجمع؛ لأن هذا ما سيضمن عددًا أكبر من الضحايا الذين يمكن قتلهم أو إصابتهم.

العوامل الثلاثة السابقة، التي لفت إليها زكي، تضمن للإرهاب إحداث الصدى الذي يريده، ليثبت قوته وقدرته، ويسجل نقطة انتصار في الحرب التي يشنها على النظام المصري.

الكنائس ونقاط الجيش.. أهداف تفجيرية محتملة

أهداف الإرهاب المتكررة في الفترة الأخيرة هي نقاط الجيش المصري ودورياته، والكنائس، الهدف الأول يثير لدى الرأي العام المصري تعاطف كبير مع النظام الذي يموت أفراد جيشه في حرب طاحنة مع التنظيمات الجهادية المسلحة، التي تتربص بجنود الجيش المصري، ويوالي ضرباته مستغلًا تلك اللحظة التي يتناولون فيها إفطارهم في رمضان مثلًا، أما الهدف الثاني فيثير حنق المدنيين على النظام الذي لا يرى قطاع منهم مع كل عملية أن جهازه الأمني يستطيع حماية مؤسسة، أو تأمين مكان تجمع من حادث إرهابي متكرر دومًا بنفس الآلية، وعدم إيجاد حلول يمكنها تأمين المدنيين من حوادث الإرهاب المتكررة بنفس الصورة.

«أنصار بيت المقدس» و«حركة العقاب الثوري» نموذجًا

منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 تعد جماعة أنصار بيت المقدس هي أكثر الجماعات الجهادية المصرية ظهورًا وتحركًا، وهي جماعة مسلحة استوطنت في سيناء، وأعلنت أنها تحارب إسرائيل، ولكن بعد سقوط نظام الإخوان المسلمين أعلنت بوضوح أنها تحارب الجيش المصري وقوات الأمن، وقد أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن العديد من التفجيرات والاغتيالات التي وقعت بعد 30 يونيو (حزيران)، وأعلنت مسؤوليتها رسميًا عن تفجير مديرية أمن الدقهلية الذي أودى بحياة 15 شخصًا وإصابة أكثر من 100 آخرين.

وهي الجماعة التي وقف «الداعشيون» يعلنون أنها ستأخذ لهم حقهم ردًا على عمليات الجيش المصري ضد التنظيم في ليبيا، إثر قتله للأقباط المصريين في ليبيا، ويأتي رد التنظيم واضحًا بلا مواربة: أنهم يعولون على إخوتهم في سيناء لأخذ ثأرهم واسترداد حقهم المزعوم.

وتعتمد «أنصار بيت المقدس» الفكر السلفي الجهادي، وتعد هي الجماعة الأكثر قربًا من فكر تنظيم القاعدة، وقد أشهرت الجماعة مبايعتها لـ«تنظيم الدولة الإسلامية»، وقبل هذه البيعة أبو بكر البغدادي بإصدار صوتي، ما يؤكد عضوية الانتماء والحركة، وقد غيرت اسمها رسميًا إلى «ولاية سيناء» منذ إعلانها مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية، ذاع صيتها في مصر عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي من الحكم من خلال عمليات تفجير ومهاجمة أهداف ومنشآت عسكرية وشرطية، وأطلق عليها فرع «داعش» المصري.

وفي الثامن من يوليو (تموز) 2014، نظمت جماعة «أنصار بيت المقدس» عرضًا عسكريًا مسلحًا، شاركت فيه أكثر من عشرة سيارات في «الشيخ زويد»، ووزعت الجماعة منشورًا على أهالي مدينتى رفح والشيخ زويد، يمهدون من خلاله لمبايعة دولة الخلافة وإعلان سيناء إمارة إسلامية، فقامت الجماعة بتنظيم عرض عسكري، وهم يستقلون سيارات دفع رباعي وملابس سوداء رافعين أعلام تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، المعروف باسم «داعش»، شاهرين أسلحتهم لأعلى، ومن بينها أسلحة ثقيلة كنوع من أنواع استعراض القوى، وطافوا الشوارع المختلفة بقرى جنوبي الشيخ زويد ورفح، وهم يرددون هتافات مناصرة لـ«داعش» وأميرها أبي بكر البغدادي.

وقد كان أول ظهور للجماعة مطلع 2011 حيث أعلنت الجماعة عن نفسها عبر تبنيها تفجير أنبوب الغاز الذي يغذي إسرائيل، والذي تم تفجيره عدة مرات، كما أن الجماعة تبنت إطلاق عدة صواريخ نحو الأراضي الإسرائيلية ومدينة إيلات.

فيديو عن الحرب بين أنصار بيت المقدس والجيش المصري

https://www.youtube.com/watch?v=vgDCNbVZEV0


أما الكيان الثاني فهو «حركة العقاب الثوري»، التي تأسست عام 2015، والتي جاء في بيانها التأسيسي الذي بثته على موقع «يوتيوب»، وقام بإذاعته شخصان يرتدون ملابس سوداء تمامًا لا يتضح منها شيء من شكلهما، يحملان سلاحًا: «بسم الثورة، نعلن نحن شباب مصر الثوار الرافضين لكافة أشكال الظلم والاستبداد واختطاف الوطن، رفضنا لما آلت إليه الثورة في مصر من تمكين لسلطة غاشمة، هي امتداد لنظام المخلوع مبارك، أسالت الدماء وأزهقت الأرواح، وشردت وأفقرت الشعب المصري».

فيديو بيان حركة العقاب الثوري

وقد أصدرت الحركة بيانًا جاء فيه «نفذنا نحو 32 عملية خلال 7 أيام في 11 محافظة، تنوعت تلك العمليات بين هجوم مسلح على نقاط وأقسام شرطية ومنشآت عسكرية واقتحام منشآت أمنية وحكومية واستهداف مدرعات ومركبات شرطية وعسكرية وكمائن للمواكب الأمنية، وكانت من أبرز عملياتنا إصابة ثمانية ضباط وجنود في كمين لموكب أمني في المطرية، واستهداف رئيس جهاز الأمن الوطني ببني سويف، وإصابته إصابة مباشرة، وتفجير مبنى المخابرات الحربية ببورسعيد، واقتحام مجلس مدينة يوسف الصديق بالفيوم، والسيطرة عليه وإضرام النيران به، وغيرها من العمليات التي أوجعت الطغاة وانتظروا منا الجديد».


عرض التعليقات
تحميل المزيد