مع بداية العام الجديد أفرجت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) عن 12 مليون وثيقة، متاحة للعموم، ومنشورة على موقع «CIA» الرسمي، بعد خروجها من سدة الملفات السرية، التي جمعتها الوكالة من قبل سفارائها وعملائها الاستخباريين.

وتعود هذه الملفات إلى عقود من الزمن، من مسيرة عمل الجهاز الاستخباراتي، الذي كان يجمع معلومات وبيانات غزيرة في بقاع مختلفة من العالم، وتتناول هذه الوثائق بشكل أساسي الأزمات السياسية بالشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، ومسائل الإرهاب، والحرب الباردة خلال النصف الأخير من القرن العشرين.

وكان الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، قد أصدر مرسومًا رئاسيًا سنة 1995، يُلزم وكالة لاستخبارات الأمريكية بسحب طابع السرية عن الوثائق التاريخية، المقضي عليها ربع قرن فما فوق، وإتاحتها للعموم بغرض الشفافية.

لكن «سي آي إيه» كانت تحصر فتح هذه الملفات التاريخية فقط من خلال أربعة حواسيب، يصعب الولوج إليها حتى بالنسبة للصحافيين الأمريكيين، بيد أن الضغوط المتزايدة لتوسيع نطاق الحرية والشفافية من قبل الناشطين الأمريكيين، أرغمت الوكالة أخيرًا على إتاحة هذه الوثائق التاريخية للرأي العام العالمي؛ ليكون بمقدور كل شخص تصفح هذه البيانات الغزيرة بسهولة.

ونال المغرب قسطه من تغطية هذه الوثائق التاريخية، حيث تظهر مكتبة «سي آي إيه» حوالي 6597 وثيقة مرتبطة بالمملكة المغربية، تتطرق لموضوعات مختلفة متعلقة بالبلد.

الصحراء وجبهة البوليساريو

لم تغفل وثائق الاستخبارات الأمريكية التطرق لأزمة الصحراء، الأزمة التي لا يزال المغرب يعاني منها لحد اليوم. وتورد إحدى الوثائق التي تقرأ صراع الصحراء في حقبة 1978، حيث بدأت قبلها بعامين حرب الحدود بين الجيش المغربي وميليشيات «البوليساريو» المسلحة، أن مفتاحي هذه الأزمة هما المغرب والجزائر، وقد اجتمع سفيرا البلدين في باريس؛ لبحث إنهاء الحرب، لكن دون جدوى.

وثيقة لسي أي أيه تتحدث عن الصحراء

تذكر الوثيقة أيضًا، وهي تسرد معلومات عن جبهة البوليساريو آنذاك، أنها تملك ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف مقاتل، وتحظى بدعم 15 دولة، ويصر قادتها على الاستقلال التام للصحراء عن المغرب، واستعدادهم في سبيل ذلك على مواصلة القتال، إذ لا يقبلون التفاوض، إلا أنه من المستبعد أن تحافظ البوليساريو على مواقفها ومقاومتها الحربية بدون دعم الجزائر، بحسب الوثيقة.

وترصد الوثيقة سيناريوهات الوضع، فتُشير إلى استعداد المغرب لخيار «الفيدرالية»، إلا أن تشابك الأزمة مع الجزائر من جهة، وموريتانيا من أخرى، يعقد حل الأزمة، ومن المحتمل أن الحرب ستطول في هذه البقعة من شمال إفريقيا.

وبالفعل استمرت الحرب بعدها حتى 1991، عندما تدخلت الأمم المتحدة لفك النزاع، وعقدت اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو، تحت مراقبة هيئة أممية، وهو الاتفاق الذي لا يزال ساريًا حتى الآن، دون أن تحل جذور الأزمة، بالرغم من توقف الحرب.

وتذكر وثيقة من الملفات المفرج عنها من قبل جهاز الاستخبارات الأمريكي، تعود إلى سنة 1983، إبان ذروة الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو، أن الأخيرة تهاجم منطقة السمارة وتحاول شق الحدود منذ أن أنهى المغرب بناء الجدار، إلا أن عرباتهم سرعان ما تتراجع تحت نيران العسكر المغربي.

وتورد كذلك أن الجيش المغربي يعتمد على الطيران، كاستراتجية ناجعة لمواجهة الميليشيات المسلحة، التي تسعى إلى التوغل في الصحراء.

أوضاع اقتصادية وسياسية

كما تناولت الملفات المنشورة الأوضاع السياسية والاقتصادية في المغرب خلال القرن الماضي، وذكرت في هذا السياق إحدى الوثائق المؤرخة بسنة 1958، والعائدة لمقال نشرته صحيفة واشنطون بوست الأمريكية، أن الملك الحسن الثاني عزز سلطاته الأمنية والسياسية بشكل كبير، حيث أصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة المغربية بعد محاولة الانقلاب التي قام بها، العسكري «أحمد الدليمي»؛ ليصبح الجيش والأمن في يد الملك دستوريا.

وذكر تقرير الصحيفة أن سلطة الدين التي يستأثر بها الملك، باعتباره «أمير المؤمنين»، تمنحه صلاحيات سياسية غير محدودة، عارجًا على تأثير الدين في المجتمع المغربي، كبلد إسلامي تستمد فيه السلطة السياسية شرعيتها من الدين.

كما تطرقت إلى انتفاضة عام 1981 في الدار البيضاء، الملقبة بـ«انتفاضة الخبز»، والتي اندلعت بعد غلاء سعر هذه المادة الأساسية في غذاء المغاربة؛ بسبب استنزاف موارد البلاد لتمويل الحرب مع البوليساريو آنذاك، إلا أن هذه الانتفاضة الشعبية ووجهت بوحشية، نجم عنها مقتل 200 شخص متظاهر في مدينة الدار البيضاء.

وفي وثيقة أخرى، معنونة بـ«دور المغرب والصحراء في سوق الفوسفات العالمية»، وهي مؤرخة بسنة 1974، تقول إن المملكة توفر حوالي 17% من الإنتاج العالمي للفوسفات، وأنها ستصبح سنة 1980 قادرة على إنتاج 27% من فوسفات العالم، وأنها ستربح ملياري دولار سنويًا من خلال تصدير 44 مليون طن من هذه المادة.

وثيقة لـ«سي آي إيه» تتحدث عن الفوسفات في المغرب سنة 1974

وأشارت الوثيقة إلى امتلاك المغرب احتياطيًا خياليًا من ثروة الفوسفات، يقدر بحوالي 50 مليار طن، بحيث يستطيع وحده سد حاجات العالم من هذه المادة طوال 400 عام. وبالرغم من أن العائد المالي من ثروة الفوسفات كان بهذه الضخامة منذ تلك الحقبة، إلا أن المغرب كان يشهد نسب عالية من الفقر والأمية والغبن، بالإضافة إلى انعدام الخدمات الأساسية في كثير من المناطق خلال حقبة السبعينات والثمانينات، خاصة في الأرياف والقرى، التي كان يسكنها أغلبية الشعب المغربي في تلك الفترة من القرن الماضي.

علاقات خارجية

تطرقت الوثائق أيضًا إلى العلاقات الخارجية للمغرب، خاصة مع الولايات المتحدة وأوروبا؛ إذ تورد إحداها أن ملك المغرب الراحل «الحسن الثاني»، كان قد طلب من فرنسا وأمريكا سنة 1988، مزيدًا من الدعم الاقتصادي للمغرب، الذي كان يعيش آنذاك أزمة اقتصادية طاحنة بفعل تفشي الفساد واستنزاف الموارد من الحرب.

وعلل الملك طلبه بأن البلاد تعيش ورطة اقتصادية، وأنه لا يمكن تحقيق السلام في المنطقة بدون مساعدات اقتصادية، بخاصة مع الزيادة السريعة في نسب السكان، حيث اجتاحت البطالة التامة حينها ربع الشعب المغربي.

قالت الوثيقة أيضًا: إن «المغرب والجزائر يعيشان عداوةً حادة»، مُرجعةً ذلك إلى اختلاف النظامين السياسيين للبلدين، واتخاذ كل منهما أيديولوجية مختلفة عن الأخرى، وهو ما يزيد من جهة أُخرى من تأجيج أزمة الصحراء.

وتضع وثيقة أخرى، مؤرخة في سنة 1984، تقييمًا لحصيلة العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب، حيث تصف العلاقات بين البلدين بالجيدة.

وثيقة لـ«س آي إيه» تتحدث عن العلاقات المغربية الأمريكية سنة 1984

وتقول الوثيقة «إن المغرب عرف منذ 1970علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وشملت استراتيجية التعاون بينهما المجال العسكري بشكل أخص، ثم الاقتصادي والسياسي، حيث استفاد المغرب من الأسلحة الأمريكية، خاصة الطائرات، التي ساعدته على دحر البوليساريو من الصحراء، كما استفاد المغرب من دعم أمريكي سخي لمواجهة الأزمة الاقتصادية الحادة، التي عرفها خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد