بحلول عطلة نهاية الأسبوع في السعودية يسافر الكثير من المواطنين السعوديين إلى الدول الخليجية المجاورة لهم، بغية القيام بأنشطة ترفيهية عديدة، أكثرها إلحاحًا دخول دور العرض السينمائية التي ما زالت حتى اليوم يمنع إنشاءها في السعودية. ولكن ذلك لم يسهم في أن يحول بين السعوديين وتشجيع الفن السابع، بل صارت العلاقة بينهم وبين السينما تطبيقًا لمقولة: “الممنوع مرغوب” والدليل:

مليار ريال سنويًا للسينما البحرينية

منفذ الجوازات السعودية على جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين

تأتي البحرين في مقدمة الدول التي يذهب إليها السعوديون لدخول السينما، ينفقون هناك على تذاكر العروض السينمائية قرابة المليار ريال سعودي سنويًا، وفقًا لتصريح عبد الرحمن الصانع عضو اللجنة السياحية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض، وبلغ عدد المسافرين من السعودية إلى البحرين في الأسبوع الأول فقط من عام 2015 ربع مليون مسافر عبر جسر الملك فهد البري، حسب إحصائية حكومية بحرينية.

هذه الظاهرة نتج عنها فيلمًا وثائقيًا سعوديًا باسم “السينما 500 كم” الذي يسرد تفاصيل معاناة سفر المواطنين السعوديين إلى البحرين لمشاهدة أحدث العروض السينمائية هناك، و500 كم هي المسافة التي تُقطع من الرياض للوصول إلى أقرب دار سينما في البحرين، والواقعة تحديدًا في مجمع “السيف” التجاري بعاصمة البحرين “المنامة”. ويعرض مخرج الفيلم عبد الله آل عياف مخاطر الطريق التي تواجه المسافرين من سوء الأحوال الجوية والحوادث المتكررة، وأيضًا العبء المادي الذي يثقل كاهلهم بتكرار مرات السفر خلال السنة.

عبد الله آل عياف مخرج فيلم “السينما 500 كم”

 

استفادت سوق السينما في البحرين من تغيير وجهة آلاف الأسر السعودية، من قضاء إجازة العيد في التنزه والتسوق العائلي في المنطقة الشرقية بالسعودية، إلى التوجه إلى البحرين لمشاهدة آخر الأفلام في دور السينما مما حقق فوائد اقتصادية كبيرة لهذه الدور، ولذلك تهتم دور السينما بإرضاء رغبات المستهلك السعودي فتحرص على تجديد أفلامها مرة في الأسبوع قبل نهايته، اعتمادًا على العدد الكبير من المترددين السعوديين عليها.

وفقًا لاستطلاع صحفي قُدرت نسبة حضور السعوديين في دور السينما البحرينية بما يقارب 95 في المائة من إجمالي الحضور من الجنسيات الأخرى،

أرجع المراقبون اعتماد إدارات السينما على التوصل لعدد الحضور من خلال حجم العملة النقدية السعودية في إحصائيات أعداد حضور السعوديين.  مواطنة سعودية شاركت في الاستطلاع السابق ذكره، جاءت من الرياض خصيصًا بصحبة أبنائها لمشاهدة السينما في البحرين، التي تصفها بأنها تقدّم كل جديد، وتحرص على مواكبة الذوق السعودي، وترى فترة الأعياد مناسبة جيدة لاستغلالها في قضاء وقت ممتع في دور السينما البحرينية.

مقطع ساخر عن سفر السعوديين من أجل السينما:

السينما السعودية موجودة على الورق فقط

تتواجد السينما السعودية في الموقع الإلكتروني الخاص بوزارة العمل حيث تم إدراج نشاط السينما ضمن الأنشطة الاقتصادية التي تتيح الوزارة للأفراد والشركات العمل فيها، وبيّن الموقع أن هذه الأنشطة تتوزع ما بين السينما وخدمات التسلية الأخرى وإنتاج الأفلام السينمائية وتوزيع وعرض الأفلام السينمائية. لكن لم تتم الإشارة إلى ضوابط العمل في هذه التخصصات أو تحديد شروط وأنظمة العمل بها لمن يرغب في مزاولة هذا النشاط.

بعد انتشار الخبر في وسائل الإعلام نفى أحد المسؤولين في الوزارة أن تساهم هذه الخطوة في فتح دور السينما في السعودية لأن وزارة العمل ليست هي الجهة التشريعية التي تستطيع التصريح بذلك.  ووجود نشاط السينما هدفه الاعتراف بمهن صارت مطلوبة اليوم في جميع الوسائل الإعلامية، مثل: (المصور السينمائي)،

التصريحات الحكومية لم تقف عند ذلك الحد، فقد أعلنت هيئة الإعلام المرئي والمسموع أنها استقبلت مقترحًا من مستثمر سعودي بإنشاء دور سينما في السعودية، إلا إنها اعتبرته عاديًا، كونها تتلقى عشرات المقترحات والأفكار وترحب بها. وما زالت الهيئة تقوم بدراسة الطلب، معتبرة أن قرار إنشاء دور السينما في السعودية في مراحله الأولية.

ماذا يريد السعوديون؟!

تباينت تعليقات المغردين في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” على الأخبار الأولية لوجود السينما في السعودية، فمنهم من استنكر ذلك بحجة أن هناك أولويات تهم المواطن السعودي أكثر من السينما لابد من العمل عليها، بينما ربط بعضهم بين حجب مواقع تحميل “التورنت” في السعودية والتمهيد لفتح السينما، تحفَّظ البعض الآخر على الضوابط التي ستوضع لاختيار الأفلام المعروضة، وفي المقابل طالب آخرون بعرض الفيلم دون حذف أية مقاطع منه.

عبرت إحدى المشاركات بسخرية عن انزعاجها من زيادة التحكم في المرأة السعودية قائلة: “طبعًا ما تقدرين تشترين تذكرة إلا بموافقة ولي الأمر”، بينما اعتبر مشارك آخر أن هذه الخطوة تساعد على تدمير الأخلاق وتربية النشء، وتعجب أحد المشاركين من وجود لفظ “تسمح” في عصر أصبح فيه إطلاق الأقمار الصناعية وإنشاء معامل الطاقة النووية أمرًا روتينيًا على حد تعبيره.

دور السينما القديمة أين ذهبت؟

برغم الخلاف الدائر حول السماح بإنشاء دور السينما في السعودية، لا نجد انتشارًا للحديث عن وجود دور السينما السعودية في السبعينيات الأمر الذي يؤكده مختصون بدليل أن السفارات الأجنبية في المملكة كانت أول من فتح أبوابها لمحبي السينما من أبناء الشعب السعودي. كالسفارة النيجيرية والسفارة الإيطالية لمشاهدة الأفلام السينمائية، وأشهر السينمات البدائية في ذلك الوقت كانت سينما “باب شريف” الواقعة في أحد أقدم مناطق جدة، وسينما “أبو صفية” في حي الهنداوية.

بعد ذلك في فترة الثمانينات حدثت بعض التغيرات الدينية والاجتماعية في السعودية التي شهدت موجة عارمة من التدين، نتج عنها إقفال دور العرض السينمائية في كل مدن المملكة وأقفلت السفارات أبوابها لأبناء المجتمع وأصبحت فكرة تصوير فيلم في نظر العديد من المتدينين في المجتمع، “جريمة أخلاقية” لا يسامح عليها الإسلام.

أين تكمن العقدة؟!

سؤال تلقائي يسأله محبو السينما في السعودية ليعلموا الجهة المسئولة عن منع وجود دور السينما، والإجابة تتوزع بين أربع جهات هي: “الهيئة العليا للسياحة والآثار، الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، وزارة الداخلية، هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، لابد لمن يريد إنشاء سينما في السعودية الحصول على موافقة الجهات الحكومية السابق ذكرها، والتنسيق والتشاور فيما بينهم للحصول على تلك الموافقة. وذلك يرجع لكونها مختصة في الجانب الترفيهي والجوانب الإعلامية ومنح التراخيص، وكجهة استشارية بالجوانب الأمنية والدينية وهي هيئة الأمر بالعروف والنهي عن المنكر.

حتى الآن لم تتخذ خطوات تذكر لمناقشة الفكرة، بسبب تردد الجهات الأربعة في أخذ زمام المبادرة وطرح الموضوع على طاولة مشتركة، ويفسر البعض ذلك بوجود تحفظ لديهم خوفًا من ردود أفعال المعارضين. ومؤخرًا أبدت جهة في القطاع الخاص لهيئة الإعلام المرئي والمسموع رغبتها في الدخول للاستثمار في إنشاء دور عرض سينمائية كمرحلة “جس نبض” للاستفسار عن إمكانية إنشائها، رغم أنها لم تتخذ أية خطوات تذكر لمناقشة الموضوع مع الجهات الأربع المعنية.

المؤسسات الدينية والسينما: تناقض مستمر!

 

من النقاط الأساسية التي تبرز إلى الواجهة عند الحديث عن السماح بإنشاء دور السينما السعودية، المعارضة الدينية لهذه الخطوة، لكن مؤخرًا بدأ الأمر يتخذ منحى آخر حيث أعلن بعض علماء الدين السعوديين موافقتهم على ذلك.

يرى بعض العلماء أن السينما والدراما من أكثر الوسائل تأثيرًا في الناس خصوصًا لدى الناشئة والأطفال، وبالتالي فاستخدام هذا السلاح أصبح ضرورة ملحة، لذلك يجب التوجه نحو إنتاج احترافي لسينما راقية توضح حقيقة الدين الإسلامي وأفكار المجتمع المسلم ومسح الصورة السلبية المطبوعة في ذهن الغرب وذلك وفق ضوابط شرعية، أهمها عدم الاختلاط وعرض أفلام جيدة بعيدة عن الوقوع في المحظورات، ولابد من وجود ضمانات لهذه الضوابط من الجهات العليا، مثل وزارة الثقافة والإعلام وغيرها.

ولكن على المستوى الرسمي سنجد تعارضًا مع الرأي المؤيد لوجود دور السينما في فتوى حديثة للجنة الدائمة للإفتاء والبحوث، حملت رقم 4120، تؤكد على أن “ارتياد السينما حرام؛ لأن أغلب ما يعرض فيها من الملاهي المحرمة التي تثير الفتنة، ولما فيها من اختلاط الرجال بالنساء إلى غير ذلك من المفاسد”.

تؤكد الفتوى السابقة فتوى أخرى، كان من الموقعين عليها مفتي عام المملكة، عبد العزيز آل الشيخ، تشير إلى أن الأجرة الحاصلة من العمل بدار السينما حرام؛ لأن هذه الأعمال محرمة، والمال الذي يؤخذ مقابلها يكون حرامًا.

عدم توحد الرؤية الدينية يظهر في تقلب موقف الرئيس السابق لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشيخ إبراهيم الغيث حيث كان معارضًا في بداية الأمر لإنشاء دور السينما بوصفها “شر مطلق” وطالب بأن يتم منع فتح دور السينما في السعودية، وذلك قبل أن يتراجع عن تصريحاته قائلًا: إنه لا يمانع من عرض بعض الأفلام السينمائية إذا كانت تدعو إلى “الخير”.

الآراء الدينية المعارضة لإنشاء دور السينما أحيانًا تنتقل إلى التنفيذ على أرض الواقع حيث قام بعض المحتسبون – لم يتجاوز عددهم 15 رجلًا – في يوليو 2013 بمحاولة منع عرض الفيلم السينمائي السعودي “وجدة” للمخرجة “هيفاء المنصور” بعد قيامهم بالتجمهر أمام مكان عرض الفيلم في قاعات قصر الثقافة في حي السفارات بمدينة الرياض، مطلقين عبارات عبروا بها عن رفضهم لعرض الفيلم في المملكة، وانصرفوا بعد ساعة من وجودهم أمام القاعة.

هيفاء المنصور مخرجة فيلم “وجدة”

إعلان فيلم وجدة

السينما المنزلية والحل البديل

صالة سينما منزلية

في ظل استمرار منع إنشاء دور السينما في السعودية، وعدم وجود خطوات فعلية تشير إلى اقتراب السماح بذلك، لجأ العديد من أفراد المجتمع السعودي إلى تشييد صالات للسينما داخل المنازل تماثل في مواصفاتها دور السينما التجارية من حيث شاشات العرض والأنظمة الصوتية، بهدف تحقيق حالة سينمائية شبيهة بأجواء صالات العرض السينمائي.

يقول بعض المختصين أن تكلفة تجهيز سينما منزلية في غرفة مساحتها 6×6 م، وارتفاع 4 أمتار شاملًا الأجهزة والمعدات، تبلغ بين 80 – 90 ألف ريال سعودي، ويستغرق بناؤها أكثر من أسبوعين.

وسبب الاتجاه لذلك من وجهة نظر أحد المالكين لصالة سينمائية في منزله، ما رآه من اهتمام أبنائه الشباب عند السفر للخارج بالذهاب للسينما، وميلهم لأجوائها الخاصة كالظلام والمؤثرات وتناول “الفشار” أثناء المشاهدة، ففكر في تلبية رغبتهم وتحويل السينما إلى فكرة واقعية في منزله واستقطاب أبناء الأقارب والجيران للاستمتاع بما هو نافع ومشوق.

أدى ذلك إلى تعزيز ثقافة الفن السابع في نفوسهم، لاكتشاف ما يستجدّ من أفلام عالمية يتم شراؤها عبر الإنترنت، وعرضها بطريقة تشبع الرغبات الفنية في معرفة ثقافات الشعوب والتوغل في الدراما، مما جعل منزله مكان التجمع الشهري لعشرات الأقارب والجيران الذين أصبحوا يستمتعون بالتجربة.

ويظل السؤال قائمًا هل تستجيب الحكومة السعودية لرغبة الشعب السعودي في الاستمتاع بالسينما وتوفر عليه عناء السفر للخارج والتكلفة المادية المرتفعة لبناء السينما في المنازل، أم سيستمر الوضع الحالي إلى أجل غير مسمى؟!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد