يجلسون في الظلام وأمامهم على شاشة من قماش أبيض تضيئه الشموع تتحرك شخوص التمثيلية بلون أسود يصنعه الظل، تكون تمثيليات خيال الظل اجتماعية أحيانًا أو سياسية، هي في كل الأحوال بمثابة مسرح شعبي يثير القضايا التي تمس الشعب وتعبر عن الظلم الواقع عليه، تمنعه الدولة أحيانًا وتسمح به وتشجعه أحيانًا أخرى، وكان من المرونة بحيث يمكن أن يُقدم في فناء دار أو داخل فسطاط، ومع الوقت صار أحد وسائل إحياء المواسم وحفلات الزواج والختان، وبالطبع في أمسيات المقاهي، وكان الموعد دائمًا هو أول الليل.

يكون اللاعبون خمسة في الغالب؛ غلام يقلد النساء، وآخر حسن الصوت للغناء، وغيرهم يحركون الأعواد الخشبية التي تحمل العرائس الجلدية المصبوغة التي تبدو صورًا زاهية أمام الشاشة حين تضيؤها الشموع ويبدأ العرض. في البداية يظهر المقدم، فيستفتح الألعاب (التمثيليات) برجل ينشد المديح النبوي ويحيي الحاضرين، وغالبًا ما يقول الجملة الشهيرة «قبل ما نبدي…»، لتبدأ الحكاية.

رحلة فن خيال الظل.. من الهند إلى إعدام طومان باي

بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر الميلاديين، تطورت الدمى المتحركة وبلغت ذروة تطورها وانتشرت في سائر البلدان العربية لعبة خيال الظل التي تعتمد على تحريك دمى مصنوعة من الجلد خلف ستار مشدود من القماش يضيؤه مصباح؛ وكان يسمى ظل الخيال أو طيف الخيال أو مسرح الدمى.

كانت الدمى تصنع من جلود ذات ألوان متباينة، وتتراوح أطوالها بين 30 و50 سنتيمترًا، ويحركها المخايلون من خلال سيقان خشبية، بينما يقوم آخرون بعزف الموسيقى، تؤدى تمثيليات أو بابات في موضوعات متفرقة.

مصدر الصورة: موقع أخبار اليوم.

يقول المؤرخون: إن اللعبة نشأت في الهند، ويقول البعض إنها نشأت في الصين وتقول الأسطورة: إن الإمبراطور الصيني حزن على زوجته حزنًا شديدًا، فاعتلت صحته، واضطربت شؤون الدولة، ففكر أحد رجال حاشيته في التخفيف عنه، فصنع خيالًا للزوجة الراحلة ليظهر أمام الإمبراطور في ردهات القصر.

انتقل خيال الظل عبر بلاد فارس إلى سوريا ثم مصر وبلاد المغرب العربي، انتقل إلى العرب في العصر العباسي وإلى مصر في العصر الفاطمي، وشاهده صلاح الدين الأيوبي والقاضي الفاضل وحين سأل صلاح الدين عن مدى شرعيته قال القاضي الفاضل «رأيت موعظة عظيمة، رأيت دولًا تمضي ودولًا تأتي»، وهكذا تطورت اللعبة عبر العصور لتصبح أهم الفنون الشعبية والتسلية المفضلة لجميع طبقات المجتمع.

يقول المؤرخ ابن إياس: إن السلطان العثماني سليم الأول حين قدِم إلى مصر شاهد خيال الظل في جزيرة الروضة ونفذ له المخايلون مشهد إعدام طومان باي على باب زويلة، فأُعجب بها وخلع على المخايل 80 دينارًا وقال له: «إذا سافرنا إلى إسطنبول، فامض معنا حتى يتفرج ابني على ذلك» واصطحبه معه عند عودته إلى القسطنطينية لينتقل خيال الظل إلى تركيا.

لتسلية الناس بعد قضاء بيبرس على «مظاهر الخلاعة»

اشتهرت اللعبة في عصر المماليك وولع بها السلاطين وإن اختلفت مواقفهم حولها، وكان أشهر من قدمها في عصر السلطان الظاهر بيبرس هو شمس الدين محمد بن دانيال الموصلي الذي ولد في الموصل، ودرس بها القرآن الكريم، ولم يكد يبلغ الرابعة عشرة من عمره حتى زحف التتار على المدينة فقصد القاهرة مع عدد من الأدباء والمفكرين عام 1267م، فعمل كحالًا يداوي العيون.

واجتذب خيال الظل ابن دانيال فأحياه من جديد وراح يصور حال المجتمع المصري في باباته (تمثيليات خيال الظل) فكان يتولى الكتابة وينظم الأصوات ويلحنها ويختار لها الأزياء المناسبة، وتمتع بظرف وخفة روح، فذاع صيته بين الناس ووصلت شهرته إلى كبار رجال الدولة فصار نديمًا لهم، وأصبح له راتب من الديوان.

كان لاعبو خيال الظل أقرب إلى معاناة الطبقة السفلى من الشعب وأكثر تعبيرًا عنهم – مصدر الصورة: الجزيرة

وكان يكتب بالفصحى وإن استخدم أحيانًا تعبيرات عامية، وكان يميل إلى السجع ويتضمن غالبًا الشعر والزجل، وقد وصلنا منه «طيف الخيال» التي تعبر عن حالة مصر السياسية والاجتماعية في عهد الظاهر بيبرس، و«عجيب وغريب» وتمثل السوق فتدخل الشخصيات لتحكي عما تبيعه من بضائع، و«المتيم والضائع اليتيم» التي تحكي قصة حب يحاول فيها البطل أن يظهر شجاعته لحبيبته، ويقول فيها «واحباه واقلباه.. المتيم مسكين.. جرح من غير سكين.. من أرسل ناظره.. أتعب خاطره.. والعاشق كل شيء يذكره.. لمعان البرق يؤرقه وإذا دنا الليل منه .. يهرب النوم عنه». وكانت تتميز كتابات ابن دانيال بسعة الخيال والقدرة على الفكاهة، ويقول عنها ابن دانيال إنها كانت لملء الفراغ الذي حدث بعد أن قضى الظاهر بيبرس على مظاهر ما كان يسمى بالخلاعة والمجون.

تسلية للحكام أحيانًا وسبب في بطشهم أحيانًا أخرى

كانت مواقف الحكام تختلف بين من كان يبيح خيال الظل ومن يحاربه ويحرمه ويأمر بإحراق العرائس؛ فقد منعه الظاهر قجمق عام 855 هـ/ 1451م وأخذ العهود على اللاعبين بألا يعودوا له، إذ طالت السخرية السلطان وحاشيته وتجاوزت الحدود التي أقرها، بينما كان السلطان حسن يتسلى بمشاهدته كل ليلة في عام 762هـ حين اغتمت القاهرة بأخبار الموت إثر انتشار الطاعون، وحرص السلطان الأشرف شعبان على حمل المخايلين معه في رحلة الحج بين من اصطحبهم معه وأنكر الناس عليه ذلك.

تاريخ

منذ 5 شهور
قصة «هرم العمارة الإسلامية» الذي بُني في زمن الطاعون

كانت القصص تدور حول نقد المظالم وكراهية الأعداء وتضمنت أحيانًا نقدًا للعادات والأوضاع العامة وتلميحات وتوريات سياسية لاذعة في إطار فكاهي مرح، ما جعل اللاعبين عرضة لمطاردة المحتسب، وكانت طبيعة المخايلين واحتكاكهم الشديد بالمجتمع ومشكلاته وخاصة الطبقات الفقيرة تجعل أعمالهم معبرة بشدة عن جمهور الشعب فقدمت في الأفراح والمقاهي الشعبية. وكان علية القوم يستدعون المخايلين أحيانًا في المناسبات للترفيه عنهم وهكذا صار المخايلون يدخلون قصور الحكام ومنازل الأعيان في القرى والمدن خاصة في ليالي رمضان.

البداية بذكر النبي

بعد تقديم البابة بالمديح النبوي وتحية الحاضرين يبدأ الحوار، وتبدأ الشخصيات كلامها وتختمه بالصلاة والتسليم، وتنتهي بالتوبة والاستغفار وطلب الرحلة للحَجِّ الذي يعيد الإنسان كيوم ولدته أمه، طاهرًا من كل ذنوبه. عبر العصور اختلفت أشكال المسارح التي تقدم عليها تمثيليات خيال الظل، واختلفت أشكال التماثيل فصارت ملونة وصار بعضها يتحرك على قضبان، وليس من خلال الأعواد الخشبية.

تطور خيال الظل عبر العصور واختلفت تقنياته – مصدر الصورة: الجزيرة

وبين أشهر الأسماء التي حفظها التاريخ جعفر الراقص في القرن الخامس الهجري، وابن دانيال في القرن السابع الهجري، والذهبي وابنه محمد في القرن الثامن الهجري، وابن سودون في القرن التاسع الهجري، وداود العطار المناوي وعلي نخله والشيخ سعود في القرن الحادي عشر الهجري، وحسن القشاش ودرويش القشاش في بداية القرن الرابع عشر الهجري، ومحمد أبو الروس ومصطفي الروبي في أواخر القرن الرابع عشر الهجري، وأحمد الكومي في بداية القرن الخامس عشر الهجري، وأخيرًا حسن خنوفة الذي توُفِّي عام 2004، وفي السنوات الأخيرة كاد فن خيال الظل يختفي وأدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي.

في متاحف العالم

اختفت تمثيليات خيال الظل بموت اللاعبين الذين حفظوها شفهيا وتبادولها، وبسبب احتواء كثير منها على نقد سياسي فلم تتسن كتابتها خشية بطش الحكام، وطالت يد البلى أغلب كتابات بن دانيال وغيره من كتاب التمثيليات التي أمكن كتابتها فلم تصلنا سوى ثلاثة بابات لابن دانيال؛ أشهر من قدم هذا الفن.

وتشير بعض المراجع إلى أن هذه البابات وجدت في مخطوط قديم عُثر عليه مصادفة وحفظ في مكتبة أحمد تيمور باشا ثم نُقلت إلى دار الكتب المصرية، وتوجد نسختان للمخطوط إحداهما في مكتبة الإسكوريال بمدريد ومكتبة إسطنبول في تركيا، وقيل إن تدوينها جاء بعد بن دانيال بزمن طويل.

كما تشير بعض المراجع إلى وجود بعض الرسوم التي كانت تستخدم في تمثيليات خيال الظل بينها واحدة مصنوعة من الجلد محفوظة في القسم الإسلامي في متاحف الدولة في برلين، وتعود للعصر المملوكي. ويقول أحمد تيمور في كتابه خيال الظل واللعب والتماثيل المصورة عند العرب «آخر من أدركناه قديمًا بالفن على الطريقة القديمة من الإجادة في تحرير الأزجال، وإتقان صور الشخوص، الحاج حسن القشاش، ثم قام من بعده ولده الأسطى درويش»، ولا تزال في متحف الجمعية الجغرافية في القاهرة مجموعة من دُمَى خيال الظل يرجح أنها كانت ملكًا لحسن القشاش إذ كُتب اسمه على واحدة منها.

وفي مدينة حلب السورية أيضًا عُثر على صندوق يحوي 150 شخصية كانت تستخدم في مسرح الظل وهي جميعًا تراث ثري لهذا الفن الذي لم يُقدر له على ثرائه أن يعيش طويلًا في الذاكرة العربية فاختفت كثير من نصوصه وباباته وبقي القليل لينم عما فُقد منه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد