ربما تكون مرت عليك تلك الحلوى المعروفة «السينابون»، تلك المعجنات اللذيذة التي تتميز باعتمادها على نكهة القرفة. ورغم أن بعض الناس لا يفضلون احتساء هذا البهار مشروبًا، فإن هذه الحلوى لها جمهورها الوفي الكبير، ما جعل متاجرها تنتشر انتشارًا واضحًا حول العالم.

ربما يكون «السينابون» هو التطبيق والاستخدام الأحدث في العالم للقرفة، لكن ما الذي نعرفه عن تاريخ هذا البهار؟ من اكتشفه؟ ومتى كانت بداية الاستخدام؟ وفيم كان القدماء يستخدمونه؟ وكيف ازدهرت القرفة وانتشرت حول العالم حتى وصلت إلينا في شكل «السينابون»؟

أحد أثمن التوابل.. القرفة في الحضارات القديمة

يستخدم البشر القرفة منذ آلاف السنين، تقريبًا منذ ألفي عام قبل الميلاد. فقد استخدمها المصريون القدماء، بالإضافة إلى التوابل ذات الصلة، بوصفها عامل تعطير أثناء عملية التحنيط. وقد ورد ذكرها في العهد القديم بوصفها عنصرًا في زيت المسحة.

هذه الدلائل وغيرها الكثير، تشير إلى أن هذا النوع من البهارات استخدم في جميع أنحاء العالم القديم، وكان يعد من التوابل الثمينة. ففي اليونان القديمة وروما، كان ذا قيمة كبيرة لدرجة أنه كان يحفظ في خزائن الأباطرة.

Embed from Getty Images

لك أن تتخيل أنه عام 301 ميلادية، كان سعر الرطل من القرفة يساوي 125 دينارًا في وقت كانت أجرة العامل الزراعي 25 دينارًا يوميًّا، كانت هذا التابل باهظ الثمن بحيث لا يمكن استخدامه بشكل شائع في المحارق الجنائزية في روما.

تقول الأسطورة إن الإمبراطور الروماني نيرون أحرق قدر ما استطاع أن يجد من التوابل الثمينة في محرقة جثة زوجته الثانية، بوبايا سابينا، عام 65 ميلادية للتكفير عن دوره في وفاتها. كذلك، فإن الإمبراطورة الرومانية ليفيا، شيدت معبدًا على تل «بالاتين» تكريمًا لزوجها، وكان المعبد يحتوي قطعة من القرفة موضوعة في إناء ذهبي. كانت أيضًا تحظى بتقدير كبير بين الدول القديمة لدرجة أنها كانت تعد هدية مناسبة للملوك فيما بينهم.

نسجوا حولها الأساطير.. التجار العرب يحتكرون القرفة!

جلب التجار العرب القرفة إلى أوروبا، حيث ثبت أنها تتمتع بشعبية كبيرة هناك. نقلها العرب عبر طرق برية صعبة، مما أدى إلى محدودية الإمدادات وارتفاع تكلفتها. هذا الأمر تسبب في جعل استخدامها رمزًا للمكانة المرتفعة في أوروبا في العصور الوسطى. عندما بدأت الطبقة الوسطى في السعي إلى الصعود في أوروبا، أرادوا أيضًا شراء السلع الفاخرة التي كانت متاحة في السابق فقط للطبقات النبيلة. كانت القرفة مرغوبة بشكل خاص؛ إذ يمكن استخدامها مادة حافظة للحوم خلال فصل الشتاء.

على الرغم من انتشارها في تلك الفترة، فإن أصولها كانت من أكبر أسرار التجار العرب. استمر هذا السر حتى أوائل القرن السادس عشر. والسبب وراء عدم تصريح العرب بأصلها وكيفية الحصول عليها ومصدرها؛ كان من أجل الحفاظ على احتكارهم لتجارة القرفة وتبرير سعرها الباهظ. لذلك نسج التجار العرب حكايات مختلفة ومبهرة لمشتريهم حول مكان البهارات الفاخرة وكيفية الحصول عليها.

واحدة من هذه القصص تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد. قال المؤرخ اليوناني هيرودوت إن الطيور الضخمة حملت أعواد القرفة إلى أعشاشها المرتفعة فوق الجبال التي لا يستطيع أي إنسان التغلب عليها. وفقًا للقصة، كان الناس يتركون قطعًا كبيرة من لحم الثور أسفل هذه الأعشاش لتجمعها الطيور. عندما تجلب الطيور اللحم إلى العش، يتسبب وزنه في سقوط الأعشاش على الأرض، مما يسمح بجمع الأعواد المخزنة داخل العش.

ذكرت حكاية طويلة أخرى أن هذا البهار الفاخر، وجد في أخاديد عميقة تحرسها ثعابين مرعبة، وقال الفيلسوف الروماني بليني الأكبر في القرن الأول أنه جاء من إثيوبيا، محمولًا على أطواف بدون مجاديف أو أشرعة، تحركها فقط «شجاعة الإنسان».

أرض البهارات الأسطورية.. الأوروبيون واكتشاف مصادر القرفة

احتكر تجار البندقية من إيطاليا تجارة التوابل في أوروبا، وكان تعطيل هذه التجارة بسبب صعود قوى البحر الأبيض المتوسط ​​الأخرى، مثل سلاطين المماليك والإمبراطورية العثمانية، أحد العوامل العديدة التي دفعت الأوروبيين إلى البحث على نطاق أوسع عن طرق أخرى إلى آسيا.

وبهدف تلبية الطلب المتزايد على القرفة، شرع المستكشفون الأوروبيون في محاولة العثور على المصدر الغامض لهذه التوابل. فكتب كريستوفر كولومبوس إلى الملكة إيزابيلا، مدعيًا أنه وجد القرفة والراوند في العالم الجديد، ولكن عندما أرسل عينات من اكتشافاته إلى الوطن، اكتشف أن التوابل لم تكن في الواقع هي البهار المرغوب.

كذلك، سعى غونزالو بيزارو، المستكشف الإسباني، للحصول على البهار الأسطوري في الأمريكتين، ومن أجل ذلك عَبَر الأمازون على أمل العثور على «باي دي لا كانيلا» أو «بلد القرفة». لكن هذه الرحلة كانت واحدة من أروع القصص المرتبطة باستكشاف بيرو، وواحدة من أكثر المغامرات تميزًا في تاريخ العالم الجديد.

Embed from Getty Images

ففي عام 1540، وبعد ثماني سنوات من غزو بيرو، عُين غونزالو من قبل شقيقه حاكم إقليم كيتو، لاستكشاف البلد المجهول الواقع إلى الشرق، حيث قيل إن شجرة القرفة تنمو هناك. فلم يضيِّع غونزالو أي وقت وسارع إلى البدء في رحلته الاستكشافية إلى أرض البهارات الأسطورية.

كانت الرحلة شاقة وواجهتهم المجاعة الشديدة والأمطار الرعدية والرياح الباردة، بل حتى الزلازل، بجانب الطرق المعقدة والشاقة وسط جبال الأنديز. وأخيرًا بعد الوصول، لم يجدوا البهار الأسطوري الذي كانوا يبحثون عنه، لكن السكان الأصليين أغروهم باستمرار الرحلة نحو أرض الذهب.

اكتشاف القرفة في جنوب آسيا

حوالي عام 1518، اكتشف التجار البرتغاليون القرفة في سيلان (سريلانكا الحالية)، حيث فتحوا مملكة جزيرة كوتو، واستعبدوا سكان الجزيرة، وسيطروا على تجارة التابل المميز لمدة قرن تقريبًا. استمرت الهيمنة للبرتغاليين حتى تحالفت مملكة كاندي السيلانية مع الهولنديين في عام 1638 لإطاحة الاحتلال البرتغالي.

هزم الهولنديون البرتغاليين لكنهم حمَّلوا المملكة السيلانية الكثير من الديون مقابل خدماتهم العسكرية، لذلك احتل التجار الأوروبيون سيلان مرة أخرى، وسلموا احتكار القرفة إلى الهولنديين لمدة 150 عامًا. ثم استولى البريطانيون على سيلان في عام 1784 بعد انتصارهم في الحرب الأنجلو هولندية الرابعة.

تراجع القرفة أمام الكاكاو

بحلول عام 1800، لم يعد البهار المميز سلعة باهظة الثمن ونادرة؛ إذ بدأ يُزرع في أجزاء أخرى من العالم. كذلك، بدأت تنتشر توابل وأطباق أخرى شهية مثل الكاكاو والشوكولاتة والكاسيا، والأخيرة لها نكهة شبيهة بالقرفة، وبدأت تنافسها في شعبيتها.

اليوم، عادة ما نواجه نوعين من القرفة التجارية: السيلانية وقرفة الكاسيا. تنتج قرفة كاسيا في المقام الأول في إندونيسيا، ولها رائحة ونكهة أقوى لكنها تتميز بأنها أرخص، وعادة فإنها ما نشتريه من متاجر البقالة لرشه على فطائر التفاح أو الخبز المحمص الفرنسي. تتميز السيلانية بأنها أغلى ثمنًا، والتي ما يزال معظمها يُنتج في سريلانكا، وتتميز بنكهة أكثر اعتدالاً وحلاوة، وهي مشهورة باستخدامها في الخبز ونكهة مضافة في المشروبات الساخنة، مثل القهوة أو الشوكولاتة الساخنة.

لكن.. ما قصة «السينابون»؟

سينابون هي شركة رائدة عالميًّا في فئة مخبوزات القرفة. تأسست في مدينة سياتل عام 1985، وافتتحت سينابون أول مخبز لها في 4 ديسمبر (كانون الأول) 1985. نمت العلامة التجارية كثيرًا منذ ذلك الحين. وابتداءً من يوليو (تموز) 2005، كان لدى الشركة أكثر من 600 مخبز في 30 دولة حول العالم.

كان سينابون فرعًا لسلسلة مطاعم مقرها في سياتل يملكها ريتش كومن، أراد كومن والمدير التنفيذي للشركة صنع لفائف القرفة المثالية، لذلك وظفا جيرلين بروسو لإنهاء الوصفة الخاصة بهما. بدأ المخبز الأول بتقديم اللفائف الخاصة به فقط مع لافتة «لفائف القرفة المشهورة عالميًّا».

بداية استخدام هذا البهار في المعجنات تعود إلى السويد في القرن الثامن عشر، حيث نشأ «كانلبول» أو كعكة القرفة. عادة ما تحتوي عجينة «الكانلبول» السويدية أيضًا على الهيل، مما يمنحها نكهة مميزة. من هنا كانت بداية اللفائف الشهيرة. يختلف حجم لفائف البهار المميز من مكان إلى آخر، لكن العديد من البائعين يقدمون حجمًا يبلغ قطره حوالي 5 – 10سم. وتشتهر منطقة جوتنبرج بالسويد، بلفائف القرفة الكبيرة جدًّا التي يصل قطرها إلى 30 سم.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
تاريخ الملح والتوابل التي لا يخلو منها منزل.. كانت أثمن من الذهب في الماضي!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد