احتكرت الدولة في العقود السابقة ما يزيد على 80% من المحتوى المعلوماتي (ما يتعلق بأداء الوزارات وأنشطة الحكومة وسائر مؤسسات الدولة) في مصر، وفقا لـدراسة لمؤسسة حرية الفكر والتعبير. واعتبرت مؤسسات الدولة أن مسألة التعامل مع البيانات والمعلومات ملك للدولة وأنها أسرار لا يحتاج المواطن لمعرفتها.

بجانب هذه الإجراءات السابقة، فالدولة في مصر جعلت من مؤسسات تابعة لها هي المصدر الأوحد للمعلومات لأي باحث عن الحقيقة، بجانب عدد من التشريعات القانونية  التي تضمنت مسألة حجب المعلومات بل وتجريم تداولها وإتاحتها في بعض الأحيان.

هناك جهازان رئيسيان يتحكمان في تدفق المعلومات حول أنشطة الدولة في مصر، أولهما هو الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والذي تم إنشاؤه بقرار رقم (743) لسنة 1963. والثاني هو مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء وتم إنشاؤه بموجب بقرار رقم (1) لسنة 1992.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” التعرف على الصعوبات والعوائق القانونية التي جعلتها الحكومة أمام المواطن المصري للحيلولة بينه وبين الوصول إلى المعلومات.

 

عدم استقلالية أجهزة المعلومات

 

تُعتبر مصادر المعلومات الرئيسية في مصر غير مستقلة، للتبعية المباشرة لها لسلطات الدولة، بما يعني أن الغالبية العظمى لأنشطة إنتاج وإتاحة المعلومات تحت سيطرة المؤسسات الحكومية .

تستخدم الأجهزة الحكومية في مصر ممارسات استثنائية لامتناع عن الإفصاح الوجوبي عن المعلومات، أو الإتلاف العمدي للوثائق، وكذلك التلاعب في هذه الوثائق أو التعديل عليها. تُظهر ذلك واقعة إتلاف وثائق ومستندات مباحث أمن الدولة بعد ثورة 25 يناير، والتي أحيل على خلفيتها 41 من القيادات الشرطية السابقة والحالية يتقدمهم اللواء حسن عبد الرحمن رئيس جهاز مباحث أمن الدولة السابق إلى محكمة الجنايات باتهامهم بحرق وإتلاف مستندات جهاز أمن الدولة المنحل في أعقاب ثورة 25 يناير.

تشريعات مناهضة لحرية المعلومات

 

(1) تصطدم حرية تداول المعلومات في مصر بعشرات التشريعات التي تتضمن ما يبيح حجب المعلومات، بل وتجريم تداولها وإتاحتها. فالمادة 4 معدلة بقانون رقم 28 لسنة 1982 تشمل معاقبة بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن 6 أشهر، وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه، ولا تزيد عن خمسمائة جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين كل من أخل بسرية المعلومات والبيانات الإحصائية، أو أفشى بيانًا من البيانات الفردية أو سرًا من أسرار الصناعة والتجارة.

(2) أما القانون رقم 12 لسنة 1999 نص في مادته رقم 35 أنه يعاقب على إفشاء البيانات والمعلومات الخاصة بالتعبئة بالحبس وبغرامة لاتقل عن ألفين وخمسمائة جنيه، ولاتزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.

(3) وفي قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978 فتنص مادته 77 على أن يحظر على العامل “أن يفضي بأي تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طريق الصحف أو غير ذلك من طرق النشر”.

(4) وفي القرار الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء برقم 22 لسنة 1968 الذي نص على الحظر المفروض على أي وزارة أو هيئة أو جهة أو فرد في نشر البيانات والمعلومات الإحصائية، ثم أضاف بعد ذلك سريان الحظر على ما يُنشر في الإعلام والصحف والمجلات على اختلاف أنواع المعلومات من بيانات ونتائج واستفتاءات.

 

الأمن القومي.. مُبرر جاهز من الحكومة لحجب المعلومات

 

تحت مُبرر” الأمن القومي” و”السياسة العليا للدولة”، حرمت الدولة في مصر الجمهور من الاطلاع على الوثائق التاريخية لفترات تصل إلى 40 عامًا أو ما يزيد عن ذلك.

من وجهة نظر الباحثيين، فالدولة تحاول التحايل على الكشف عن هذه الوثائق تحت مبررات توصف بأنها “واهية”. معتبرين أن السياسة العليا في كل دولة تكون معلنة، وهي ليست بالأمر السري، لأنها تمثل الخطوط العريضة لسياسة الدولة، إلا أن الأمن القومي هو الذي يكون أمرًا سريًا وغير معلن. بجانب ذلك فإن  السياسة العليا للدولة يضعها رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع مجلس الوزراء والأجهزة السياسية المختصة ومن ثم فهي ليست بالأمر السري بل هي أمر معلن.

الوثائق الرسمية عن حرب أكتوبر، خير مثال، على ذلك، فعلى الرغم من مرور أكثر من 40 عامًا عليها، لم تفرج عنها الدولة التي من شأنها تفكيك الجدل بشأن الروايات السائدة عن الحرب.

تعتمد مُعظم  المجتمعات الناضجة، مثل الهند وجنوب أفريقيا وتركيا، قاعدة الثلاثين سنة كفترة زمنية تفرج بعدها الدولة عن وثائقها المتعلقة بالأمن القومى، بل إن بعض الدول قررت تخفيض هذه المدة لعشرين عاما (بريطانيا مثلا).

من وجهة نظر، خالد فهمي، رئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية فالمسألة ترجع إلى “المنطق الأمني القاصر المهيمن على وثائقنا، وبالتالى المتحكم في رؤيتنا لتاريخنا وفهمنا له. وأقول «القاصر» لأن لدى يقينا بأن هذا المنطق الأمني الذي يبغي حماية الأمن القومي يضر، في الحقيقة، بالأمن القومي. فكان من نتيجة حجب الوثائق العسكرية عن حروب خضناها منذ أربعين سنة أو يزيد أن انعدمت الدراسات التاريخية الموثقة، وتشبعت السوق بكتب ودراسات أكاديمية مبنية على وثائق إسرائيلية”.

المعلومات في مصر سلعة لها أسعار

 

الحصول على المعلومات في مصر له أسعار، بل وأسعار باهظة التكاليف، بجانب الإجراءات البيروقراطية المتمثلة في إدخال اسم المرور وكلمة سر للوصول لمعلومات أكثر تفصيلًا، كما هي الإجراءات المُتبعة في حالة دخول الموقع الإلكتروني للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، المركز المعلوماتي الأول في مصر.

تصل تكاليف الحصول على المعلومات في مصر إلى أسعار باهظة، من خلال إتاحة عملية الاشتراك ودفع التكاليف السنوية، مقابل عدد محدود فقط من الإحصائيات، ولو أردت المزيد يصل إجمالي التكلفة إلى آلاف الجنيهات من أجل الحصول على بيانات أكثر، أو لشراء الإصدارات الإحصائية في مصر.

 

غياب الحماية لمصادر المعلومات

 

يقع الأفراد التي يُتاح لهم مواقعهم الوظيفية الوصول للمعلومات، حال رغبتهم في كشفها لوسائل الإعلام تحت طائلة الاغتيال المعنوي، والذي يصل إلى الاغتيال المادي بداية من العقوبات القانونية أو الإدارية أو التأديبية لكونهم أفشوا معلومات حول مخالفات، وتصل في بعض الحالات إلى تهديده بالقتل.
وتُظهر الواقعة التي شهدتها مدينة الخانكة منذ عدة أيام وهي واقعة اغتيال لمحاسب في إحدى شركات توريد القمح بعد كشفه عن مافيا تهريب القمح المستورد إلى شون وزارة التموين لتحقيق مكاسب طائلة في بلاغات رسمية تقدم بها للرقابة الإداريه والنائب العام نشرتها جريدة الجمهورية، حيث تتبعه ملثمان وأطلقا عليه ثلاث طلقات من رشاش استقرت في عنقه ونقل على إثرها إلى العناية المركزه بمستشفى عين شمس التخصصي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد