الحكايات الأسطورية التي سمعناها مرارًا، عن الحضارات التي اندثرت عبر الزمن لأسباب مجهولة، تعيد صياغة نفسها مرّة أخرى، لكن هذه المرّة، ربما يسّر لنا العلم الوعي بالعوامل التي قد تؤدي لاختفاء مدن من على وجه الأرض.

عزيزي القارئ، قبل كل شيء، ننصحك في سفرك وزيارتك لأي مدينة حول العالم، الاهتمام بجمع الصور لها، ففي وقت من الأوقات قد تعد هذه الصور ثروة طائلة، بالنسبة للأجيال اللاحقة، بخاصة إذا حدث وزرت مدينة من المدن السبع الآتي ذكرها.

أمريكا تتحضر لتوديع اثنتين من أكبر مدنها

لسوء حظّها ستضطر الولايات المتحدة الأمريكية، أن تودّع اثنتين من أكبر مدنها السكّانية والتجارية، شمالًا وغربًا.

  • سان فرانسيسكو.. عاصمة ثورة الهيبيز ستنهار


سان فرانسيسكو الواقعة غربي الولايات المتحدة الأمريكية، تعتبر ثاني المدن الأمريكية من حيث الكثافة السكانية، إذ يقطنها نحو 800 ألف نسمة. المدينة التي كانت مركزًا لانطلاق ثورة الهيبيز في منتصف القرن الماضي، ومحط رحال الباحثين عن الحريات، تمتلك معلمين من أهم المعالم العمرانية الأمريكية، الأوّل جسر البوابة الذهبية المعلّق، والثاني المبنى المعروف باسم “هرم أمريكا”.

جسر البوابة الذهبية المعلّق


تقع المدينة بالقرب من صدع أرضي يبلغ طوله نحو 1300 كيلومتر، الأمر الذي تسبب في تعرضها للعديد من الزلازل على مرّ تاريخها، من أعنفها زلزال 1906، بقوّة تقدر بنحو 8.25 درجة بمقياس ريختر. ويقدر عدد ضحايا هذا الزلزال بنحو 3 آلاف شخص، فضلًا عن الدمار الهائل الذي خلفه.

الهرم الأمريكي


زلازل المدينة استمرت بعد هذا الزلزال، بدرجات متفاوتة، حتّى توصل العلماء أخيرًا، إلى أن المدينة ستختفي بفعل زلزال مدمّر، سيسببه موقعها الجغرافي القريب من الصدع الأرضي، بالإضافة إلى أن إطلالها على المحيط، يعزز من احتمالية فقدانها قبل نهاية القرن الحالي.

  • ديترويت.. من عاصمة للصناعة إلى مدينة أشباح


منذ نشأتها على أيدي تجار فرنسيين عام 1701، وديترويت من أهم المراكز التجارية والصناعية في القارة الأمريكية الشمالية، وإلى وقت قريب كانت تسمى بمدينة السيارات، أو عاصمة صناعة السيارات، لضمها مقار عمالقة صناعة السيارة الأمريكية، كفورد وجنرال موتورز، وغيرهما.

لكن عاصمة صناعة السيارات مرّت في السنوات الأخيرة، بعدة عثرات اقتصادية، في ضوء الأزمة المالية العالمية، ضربت الصناعة في المدينة، ما أوصل معدل البطالة إلى 23.1%، بخاصة بعد تعرضها لأكبر حالة إفلاس على مستوى الولايات المتحدة في عام 2013. والآن يعيش نحو ثلث سكان المدينة تحت خط الفقر، كذلك ازدادت معدلات الجريمة بصورة مطردة، لتبلغ حالات القتل في ديترويت عشرة أضعافها في مدينة كنيويورك، حتى أنّ مجلّة فوربس اعتبرتها أخطر مدينة في أمريكا لأربع مرات متتالية.


كلّ ذلك دفع بالعديد من سكان المدينة، إلى البحث عن الفرصة في غيرها، فضلًا عن نزوح الكثير إلى ضواحي المدينة هربًا من خطر الجريمة المحدق في أي وقت، بالإضافة إلى هذا، تعزم البلدية هدم ربع المدينة، وتركيز السكان الباقيين في مناطق معينة، بُغية تحسين الخدمات المقدمة، وفقًا للإماكنيات المالية المتوفرة؛ كل هذا يهدد بأن تتحوّل ديترويت إلى مدينة أشباح خلال العقود القادمة، بعد أن تتبدّل معالمها تمامًا.

عاصمة المكسيك تتلاشى بالتدريج

أوقات عصيبة تلك التي تمر الآن على المكسيك وسكانها، مع تلاشي عاصمتهم بالتدريج أمام أعينهم.

  • ميكسيكو سيتي.. أكبر مدن العالم تغرق في الطين!


إلى الجنوب من الولايات المتحدة الأمريكية، تقع عاصمة المكسيك وأهم وأكبر مدنها، إذ تُعد المركز الثقافي والاقتصادي والصناعي للبلاد، ومع تعداد سكان يبلغ حوالي 20 مليون نسمة، تعتبر ميكسيكو سيتي ثالث أكبر تجمّع سكاني في العالم.

تكمن مشكلة هذه المدينة المليونية الضخمة، والعريقة، في أنها بُنيت على جزيرة في بحيرة مطمورة. الأرض الرخوة تحت المدينة، تهددها بالغرق حرفيًّا، إن لم تكن في طريقها إلى ذلك بالفعل، فبحسب تقديرات العلماء، انغمست المدينة خلال السنوات الستين الماضية، بنحو 10 أمتار، والآن تغرق المدينة بالتدريج، بمقدار 4 بوصات في العام، ما يؤهلها لدخول قائمة المدن التي ستفقدها الأرض خلال العقود القادمة.


اثنتان من عواصم القارة السمراء سيخفت ضجيجهما إلى الأبد

لم تفلت القارة السمراء من مصير فقد المراكز الحضارية حول العالم، من الشمال الغربي في أمريكا، مرورًا بها، حيث عاصمتين من عواصمها قد تختفي إلى الأبد.

  • المحيط يسطو على عاصمة جامبيا


بمساحة تتخطى 11 ألف كيلومتر مربع بقليل، تعتبر جامبيا واحدة من أصغر دول إفريقيا، والأصغر بالفعل من بين دول الساخل الغربي للقارة السمراء. بالجملة، الدولة التي يبلغ نسبة المسلمين فيها 90%، واحدة من أفقر وأضعف الدول في إفريقيا، إن لم يكن في العالم، وهي كذلك من أكثر الدول انتشارًا للأمراض، بخاصة الملاريا، مع نسبة وفيات مرتفعة للغاية.

أخيرًا، يضاف إليها خطر آخر، يهدد نحو 300 ألف من سكانها، متمثل في غرق عاصمتها بانجول، المطلة على المحيط الأطلنطي، إذ تنخفض عن مستوى البحر بمقدار متر واحد. وقد يُساهم في مزيد من الانخفاض، عوامل التعرية التي تؤدي إلى تآكل التربة. ومع الجفاف والفيضانات والتغيرات المناخية المتمثلة في الاحتباس الحراري وارتفاع منسوب مياه البحار عمومًا، يزداد التهديد خطورة، ليس على العاصمة فقط، بل على البلاد جميعها، فمناطق العاصمة تمثّل العصب الاقتصادي للبلاد الفقيرة أساسًا.

  • مالي.. رمال الصحراء تلتهم جوهرتها!


تمبكتو، عاصمة مالي الواقعة غرب إفريقيا، أو المدينة المعروفة بـ”جوهرة الصحراء”. يعود تاريخ إنشائها إلى أكثر من ألف عام مضت، كانت خلالها واحدة من أبرز عواصم القارة السمراء، كما كانت مركزًا لتعليم الدين الإسلامي في إفريقيا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

بالإضافة إلى ذلك، فتمكبتو أيضًا من المحطات السياحية الهامة في إفريقيا لما تتمتع به من طراز معماري فريد وأصيل. لكن وللأسف، فجوهرة الصحراء باتت عرضة للاندثار تحت الرمال التي تحيط بها وتدخل إلى قلبها، بل إن بعض أجزاء منها بالفعل، تعرضت للدفن تحت الرمال.


الطليان على موعد مع الكارثة من الشمال إلى الجنوب

إيطاليا ليست أوفر حظًّا من سابقاتها، مع الخطر الذي يحيق باثنتين من أكبر مدنها، وأجمل مدن العالم.

  • نابولي تحت رحمة الحمم البركانية!


المدينة المليونية الواقعة على الساحل الجنوبي للبلاد. ثالث أكبر مدن إيطاليا، وأعرقها بجذور ضاربة في التاريخ، وعمارة جعلتها في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي.

تتمتع المدينة بتاريخ ثري، ثقافيًّا وسياسيًّا، إذ كانت مركزًا حضاريًّا هامًا في عصر النهضة الأوروبية. فضلًا عن أنها الآن من أكبر المدن على حوض البحر المتوسط، بالإضافة إلى أنّ تعدد المواقع الأثرية بها، بخاصة قرية بومبي التي تعود لآلاف السنين، وقلعة نابولي، جعلها وجهة سياحية من الدرجة الأولى.

قرية مومبي


لكن ثمّة مشكلة تؤرق هذه المدينة، وهو جبل فيزوف البركاني، الواقع شرقها، والذي يعد البركان الثائر الوحيد في القارة الأوروبية، إذا لم نحتسب براكين الجزر في البحر المتوسط. الجدير بالذكر أن مدينة نابولي التي نعلمها الآن، تختلف جملةً وتفصيلًا عمّا كانت عليه قبل أكثر من 2000 عام، حيث الفورة الأولى لبركان نابولي، والتي بسببها دفنت الحمم المدينة بسكانها. كذلك تسبب البركان آنذاك، في طمر مدينتين كاملتين، تحت طبقة من رماد الحمم تجاوزت ستة أمتار. تلك المدينتان بقيتا مختفيتين لمدة تزيد عن 1700 عام، قبل إعادة اكتشافهما.

قلعة نابولي


في كل الأحوال، فيزوف هو شبح الدمار الذي يخيم على مدينة نابولي، ويهدد بطمرها تمامًا، والتاريخ دائمًا ما يُرعب أهالي المدينة، التي تعرضت عدة مرات لفورات البركان، وفي كل مرة، كان الضحايا بالآلاف، لكن هذه المرة، ربما سيكونون بالملايين!

  • البندقية.. مدينة الرومانسية تلقى حتفها!


أجمل مدن إيطاليا على الإطلاق، وواحدة من أكثر المدن جمالًا وسحرًا في العالم.. البندقية، أو فنيسيا، التي تتكون من عدة جزر متصلة بقنوات مائية، تمر فوقها جسور للمشاة. بالإضافة إلى الجغرافيا التي جعلت منها مدينة ساحرة؛ تتمتع البندقية بمعمارها التراثي عامة، والعائد أغلبه إلى عصر النهضة. كذلك في البندقية العديد من المتحاف الفنية، والكنائس، والقصور، مع طبيعة حياة تجعلها مقصدًا للسياح عامة، والعشّاق منهم بخاصة.


هذه المدينة الجميلة، وللأسف، مهددة بالاختفاء من على وجه الأرض، بل بالفعل هي في طريقها لذلك، إذ تهدد التربة الضعيفة، المدينة بالغرق، خصوصًا والمياه تحيطها من كل جانب، بالإضافة إلى ذلك فإن المياه الجوفية الكامنة في بطن ترتبها، تزيد من الطين بلّة.


من جانبها، حاولت السلطات الإيطالية تدارك الموقف، خاصة وأن نحو 24 سنتيمتر من تربة المدينة، قد غرقت في المياه بالفعل. لكن حتى الآن لم تُجدِ محاولات السلطات أي نفع، بل بعضها كان بابًا نحو سرقة المسؤولين في بلدية المدينة. الآن ومع هذا الخطر، تذهب بعض الاقتراحات، إلى نقل المدينة كاملةً إلى منطقة مرتفعة، كمحاولة للحفاظ على سكانها، وبعض من تراثها الحضاري.


عرض التعليقات
تحميل المزيد