791

«كان المهم هو أن نجد أربعة جدران وسقفًا نحيا بينها، لم يكن يهمنا كثيرًا مكانها، المهم أن نجدها» هكذا بدأت «الحاجة حسنية» – إحدى ساكنات المقابر بمنطقة الإمام الشافعي – كلامها، لم تملك ترف التفكير كثيرًا بعدما أصبح منزلها الكائن بمنطقة الدويقة آيلًا للسقوط، وهي تعيش وحدها مع أربعة أحفاد، تركهم لها ابنها الذي توفِّيَ هو وزوجته في إحدى حوادث الطرق، لتعيش هى بمسؤولية الأحفاد الأربعة، الذين تقع مهمة رعايتهم والعناية بهم على عاتق سنوات عمرها التي تتجاوز الستين عامًا.

ليس لدينا أزمة في جيرة الموتى!

في مقابر باب النصر والدويقة وصلاح سلام، وغيرها من المقابر والجبَّانات المختلفة في مختلف أنحاء مصر، تجد الأحياء ينازعون الأموات في أماكن مستقرِّهم الأخير، حيث نجد في المدافن العامة الكثير من الأحياء الذين يسكنون جنبًا إلى جنب مع الأموات لأسبابٍ متعددة، فمنهم من يعيش بلا مأوى تمامًا، ومنهم من لا يملك من المال ما يكفِي ليتمكَّن من توفير وحدةٍ سكنية، ومنهم من لديه أسبابه الأخرى، الأهمُّ هو أنّ الجميع في النهاية يزاحم بأحداث حياته سكون مقابر الموتى، ويضعون جنوبهم كل ليلة وهم يدركون أنَّ من حولهم من الأموات يفوق عدد الأحياء المحيطين بهم.

«ليست لدينا أزمة في جيرة الموتى، بالعكس فالموتى خيرٌ من الأحياء.. مشكلتنا الكبرى هنا مع الأحياء»، هكذا تبدأ «سناء» – اسم مستعار – كلامها. وهي أحد سكان المقابر بالقاهرة. سناء زوجة شابة منتقبة في الثلاثينات من عمرها، اضطرت وأسرتها إلى اللجوء للمقابر، واتخاذها مأوى وملجأ لهم بعد أن طُرد زوجها من المنزل الذي كان يؤجره بعد فشلهِ في توفير الإيجار، حيث كانت سناء تقطن وزوجها وأطفالها الثلاث في إحدى الوحدات السكنية التي أجروها من مالك وفقًا لنظام الإيجار الجديد.

كان الإيجار يتجاوز 500 جنيه، فشل زوجها في تدبيرها حيث إنه عامل بـ«اليومية»، يخضع عمله كليَّة لمقاييس رواج السوق أو ركوده، وليس له مصدر دخل ثابت، وفي الفترة الأخيرة كان متوقفًا عن العمل كليًة، وهو ما جعله بالكاد – وبالاستدانة – يوفر ثمن الطعام لصغاره، وعجز عن توفير إيجار شقته لشهورٍ متتالية حتى عجز المالك عن الاحتمال بدوره.

استطاعت سناء أن تؤقلم نفسها وأطفالها على الحياة وسط الأموات، ولكنّ ما تخشاهُ حقًا هو عدم أمان الحياة في المدافن بسبب الأحياء لا بسبب الأموات؛ فهي تشكو من كون كثيرين يتعاطون المخدرات والخمور بالمدافن ليلًا، وهي تخشى على نفسها وأولادها، وتشعر بالرعب الشديد إذا كانت في زيارة، أو تحاول الحصول على القليل من المال من خلال الخدمة في أحد البيوت القريبة، وعادت إلى بيتها ليلًا. تظلّ سناء تردد الكثير والكثير من الآيات القرآنية طلبًا للحماية حتى تصل إلى باب بيتها، ليس خوفًا من «الأموات والعفاريت»، ولكن طلبًا فقط ألا تقع عليها عينا معاقر خمر أو متعاطي مخدّرات.

في عام 2010 نشرت جريدة الوفد المصرية أن هناك أكثر من 1.5 مليون مواطن يعيشون في مقابر القاهرة بمناطق الجبّانات، شركاء الأموات في مقابر باب النصر والدويقة وصلاح سالم والدراسة والإمام الليثي ومنطقة التونسي بالإمام الشافعي.

وفي عام 2014 نشرت صحيفة الرأي اليوم العربية أن أكثر من 9 حكومات مرَّت على مصر، خلال الثلاث سنوات الأخيرة، ودائمًا ما يُغمضُ المسؤولون أعينهم عن العديد من الأرقام حتى لا يصطدموا بالكارثة، ومن أخطر هذه الإحصاءات الموجودة والمخفية، إحصائية سكان المقابر، الذين وصل عددهم إلى 5 ملايين مواطن حي، يعيشون مع أسرهم، بين الأموات.

سكّان المقابر.. يعيشون وسط الموتى كالموتى

بحسب الصحيفة فإنّ من صرَّح بالرقم الأخير هو مصدر مسؤول في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، رفض ذكر اسمه، لافتًا إلى أنّ هذا الرقم حقيقي ودقيق بحسب إحصاءات أجريت في بدايات عام 2014، لافتًا إلى أن هؤلاء المواطنين يعيشون في مقابر داخل 25 محافظة مصرية، وأن عدد سكان المقابر في إقليم القاهرة الكبرى وحده، الذي يتضمن محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية 1.6 مليون مواطن.

ويرصد المصدر نفسه الخلفية التاريخية لبداية سكن المصريين في المقابر عام 1898، حيث كان عددهم وقتها 10 آلاف، وذلك في منطقة المقابر الموجودة في القاهرة الفاطمية، وتكاثر هذا العدد إلى 25 ألفًا في عام 1910، ثم 50 ألف مواطن في عام 1944، ومع ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 وصل العدد إلى 80 ألف مواطن في مجموعة من المقابر والجبانات بالقاهرة والمحافظات، موضحًا أن التوقعات الإحصائية تشير إلى وصول سكان المقابر إلى 10 ملايين مواطن في عام 2030.

هربت الحاجة حسنية بالأحفاد الأربعة من المنزل الذي تشقَّقَت جدرانه بالدويقة منذرًا بكارثةٍ حقيقية، صادف الإنذار هاجسًا في نفس الحاجة حسنية منذ أن حدثت كارثة الدويقة عام 2008؛ حيث استيقظت وجيرانها في أحد أيام شهر رمضان؛ ليجدوا المنازل حولهم قد وقعت على رؤوس أصحابها؛ بسبب سقوط صخرة عليها، في تلك المنطقة الجبلية، وأن هناك الكثير من الضحايا الذين تركوا هذه الحياة وهم نائمون وصائمون بعدما سقطت أسقف بيوتهم عليهم.

بعد هذا الحادث لم تعد الحاجة حسنية تشعر بالأمان، كان الأمر هينًا عندما كانت بمفردها، لكن بعدما أصبح أحفادها الأربع في رقبتها، لم تعد تريد المخاطرة بأعمارهم في منزل يمكنك من خارجه رؤية ما بداخله، فقط من خلال تشققات جدرانه.

سقوط صخرة على منازل الدويقة

 

أهالي الدويقة ينتظرون كارثة جديدة

وجدت الحاجة حسنية نفسها تأخذ أحفادها من خطرٍ إلى خطرٍ آخر، حاولت المحافظة على أعمارهم، فهددت حياتهم بخطرٍ حقيقيّ، فهم وسط أطفال شوارع طوال النهار، فهذه هي البيئة التي انتقلوا إليها، وبعد السابعة مساءًا تغلق عليهم باب الشقة الصغيرة التي استأجروها بـ 250 جنيه، والمكونة من حجرة وصالة وحمام، وكل أملها أن يصمد معها الصغار حتى ينهوا تعليمهم دون أن يتأثروا بالبيئة المحيطة بهم، وتدعو الله كل ليلة، أن يأتي عليهم النهار دون أن يتعرض لبابهم أحد المدمنين أو اللصوص، فليس لديها ما تخشى عليه سوي الصغار.

في محافظة أسوان، لا تجد في مدافنها أحياء يعيشون بها، ولكن تجد هناك منازل بالكامل تقع وسط المدافن، ففي منطقة الشيخ هارون يعاني أهالي المنطقة من وجود المقابر وسط الأحياء السكنية، وقدم سكان المنطقة العديد من الشكاوى التي طالبوا فيها بإزالة المقابر ونقلها خارج المنطقة السكنية، ولكن دون أن يلتفت أحد من المسئولين إلي تلك الشكاوي.

الأزمة الكبرى لدى سكَّان منطقة الشيخ هارون لا تتمثل في الخوف الطبيعي من الأموات، بمقدار ما هي تتمثَّل في الخوف من الأحياء كذلك. يروي أحدهم لحظة الرعب التي ذاقتها ابنته عندما أطلَّت من شباك بيتهم لتجد من يحاول حفر قبر أحد الموتى وإخراج الميت، وعندما صرخت البنت مناديةً والدها خاف نابش القبر وهرب، ولا أحد يعلم ماذا كان يريد من إخراج الميت تحديدًا، وهو الموقف الذي يتكرر بين حين وآخر. كما يخافون من متعاطي المخدرات الذين يلجأون إلى الجبانات مأوىً لهم في الليل، والذين تركوا وراءهم ذات ليلة قتيلًا في جبانة إدفو توفي من أثر جرعة مخدرات زائدة، ليفاجأ الأهالي بالجثة خلال زيارتهم الأسبوعية لأمواتهم.

يقول «مغربي عربي»، عضو مجلس محلي بأسوان، ورئيس جمعية المناعية في منطقة الشيخ هارون: إن مجلس المدينة والمحافظة قد أصدر قرارًا بوقف الدفن في المقابر، لكنه قرار غير مفعَّل ولم ينفَّذ حتى الآن، ومازال الناس يدفنون في المقبرة، ونحن ننتظر تفعيل القرار، وقد جهزت المحافظة أماكن جديدة في شرق الخزان، مقسمة للجمعيات جزء بمساحة 500 متر وجزء آخر للأهالي بمساحه 250 متر ومجهزة، لكن الأهالي تستسهل وتدفن في مقبرة حي الشيخ هارون، والقليل من الناس تدفن في المقبرة الجديدة. ووعد بأن قرار الإزالة سيتم تفعيله وسيتم استصلاح مكان المقابر في مشروعات اقتصادية.

ولد سعيد ليجد نفسه من سكان المدافن، الشاب الثلاثيني، الذي يعمل الآن حانوتيًا خاصًّا لبعض العائلات، حيث كان أبوه وعمه يعملان حراسًا لمدافن عائلات، يتولون مسؤولية الحفر ودفن الموتى، ويعيشون مع أسرهم بين القبور، عاش سعيد عمره بأكمله في مدافن باب النصر، تعلَّم، ذاهبًا للمدرسة والجامعة يوميًا، إلى أن استطاع أن يوفر شقة جيدة له ولأمه.

يقول سعيد: «كانت أيام غير الأيام، لم يكن هناك كل هذا الخوف من الحياةِ في المقابر. الحقيقة الموتى لا يفعلون أيّ شيء، ما يُخيفنا هي تصوراتنا وخيالاتنا فقط. إذا فهمنا هذا فلن يكون هناك ما يخيف من الحياة وسط الموتى، وهذا ما علمنا إياه والدي، أما الآن فأصبح الخوف من الأحياء الذين يفقدون وعيهم بفعل الخمور والمخدرات، وقد يسببون كوارث للأحياء القاطنين بالمقابر، الذين أنهكتهم الحياة، ولم تجعل لهم ملاذًا، إلا جوار الموت وجهًا لوجه معه».

تعليقات الفيسبوك