في مصر حيث لا يستطيع أن يخطو مواطن خطوةً واحدةً بدون الكثير من أوراق الثبوتية الرسمية، يظل أي تحول يجريه أحدهم في حياته مرهونًا بأن يحصل على إمضاء من موظف محدد، أو وضع دمغات بعينها، فكيف يعيش من لا يملكون أي أوراق، ولا يحملون حتى شهادة ميلاد تحمل أسماءهم؟ أو كيف تحيا تلك التي تعيش في قبيلة بدوية حيث الزواج لديهم بلا توثيق بعقود رسمية؟

وجوه تائهة في زحام حياة لا تعترف إلا بالأوراق، لا يعرفهم أحد، بعضهم يُعافر لكي يُعترف به، وبعضهم لم تعد تلك القوانين أو الوثائق تهمه بأي حال، وطوّع حياته للعيش بلا أوراق رسمية.

العزازمة.. «بدون» بلا جنسية

محمد س. هو شاب عشريني، ولد ليجد نفسه بلا أوراق؛ إذ لم يتمكن والداه من عمل أي أوراق له، بالإضافة إلى كونه لا يعرف جنسية له يقنع الحكومة بها، هو مصري لكن الحكومة المصرية لا تعترف بذلك، فهو واحد من أولئك الذين تنبذهم الدفاتر الرسمية، ولا يعترف بهم القانون، إنهم «البدون» أو من لا يملكون جنسية تثبت انتماءهم إلى دولة معينة، ويعيش عدد كبير من هؤلاء البدون في بعض الدول العربية، مثل الكويت وفلسطين، إلى جانب عدد يقطن في بعض المناطق بمصر، خاصة المناطق الحدودية والجبلية.

أوراق رسمية

قبيلة العزازمة في سيناء- المصدر مدونة على الحدود

يقطن محمد وأسرته في محافظة سيناء، وهو فرد من قبيلة العزازمة التي تمثل البدون في مصر، ويقطنون في محافظة شمال سيناء، ولا يحمل أفرادها جنسية أو أية أوراق رسمية أو شهادات ميلاد أو وفاة باستثناء تصريح يحمل أسماءهم، وأمام خانة الجنسية تدون كلمة «بدون»، ويؤكد أبناء العزازمة في سيناء أنهم مصريون أبًا عن جد، وأن قبيلتهم منتشرة في الأراضي الممتدة من مدينة بئر السبع حتى وادي عربة شرقًا، وصحراء سيناء غربًا، ويطالبون بالنظر إلى قبيلتهم التي تعاني من التجاهل في الخدمات كافة من قبل الحكومة.

تنقسم قبيلة العزازمة إلى 10 عشائر موزعة بين مصر والأردن وفلسطين. وفي شهر مارس (آذار) من عام 1999، انتشر خبر مفاده أن إسرائيل أغلقت المنطقة الحدودية مع مصر إثر ما قالت إنه لجوء 400 بدوي من سيناء إليها هربًا من الثأر، وهو ما نفته مصر. وأفادت الإذاعة العبرية بأن الجيش الإسرائيلي أعلن منطقة واسعة تقع على الحدود مع مصر في النقب منطقةً عسكريةً مغلقةً، زاعمًا دخول نحو 400 بدوي إلى إسرائيل بطريقة غير قانونية من جزيرة سيناء المصرية، وقيل إن هؤلاء البدو ينتمون إلى قبيلة العزازمة التي تعيش على جانبي الحدود.

ربما تلك الحادثة هي ما دعت الرئيس السابق حسني مبارك للقول بأن العزازمة قد هددوا باللجوء إلى إسرائيل، لكنهم يؤكدون انتماءهم إلى مصر رغم تهميشهم، ولم يفكروا في تلبية نداء إسرائيل التي فتحت لهم الأسلاك الشائكة عقب تفجيرات طابا وشرم الشيخ عام 2005.

ما هي أقوى جنسية في العالم 2018؟ فرنسا تتصدر وأمريكا في المركز 27!

وبحسب تصريحات الشيخ سالم سويلم شيخ قبيلة العزازمة لجريدة الوطن المصرية، فإن الحكاية تعود لتاريخ نكبة فلسطين عام 1948، عندما أعلنت إسرائيل قيام دولتها، وطاردت الفلسطينيين حتى خارج الحدود، فلجأ عدد منهم إلى الشريط الحدودي لمصر، حيث تسكن قبيلة العزازمة في منطقة الجايفة على الحدود.

وهناك كانت منظمات الإغاثة الدولية تطرق أبواب اللاجئين كل صباح لتوزع عليهم معونات ومواد تموينية، ورغبةً في الحصول على حصة من تلك المواد التموينية كانت نساء العزازمة يدعين أنهن مهاجرات، وبعد أن استقرت الأوضاع، وغادر اللاجئون الشريط الحدودي إلى داخل مصر، ظن العزازمة أن الموضوع انتهى، غير أنهم فوجئوا، عندما أرادوا أن يسجلوا أنفسهم في ما بعد في أوراق الحكومة، أن دعواهم قد التصقت بهم، وإذا بالحكومة المصرية ترفض الاعتراف بكونهم مواطنين مصريين، وتمنحهم لقب «غير معيّن الجنسية» ليلازمهم منذ ذلك التاريخ.

النسوان أخدوا شوال الدقيق عجنوه وكلوه، واحنا شلنا الطين بعدهم. *الشيخ سالم لخص مأساة قبيلته

أما الطين الذي حملوه فهو أن أبناء العزازمة يعيشون دون جنسية مصرية، وهو ما يحرمهم من كثير من الخدمات، فيعيشون دون مياه، أو كهرباء، أو تعليم، وكذلك دون رعاية صحية، وعلى من يمرض أو تصيبه وعكة أن يعالج نفسه بالطب الشعبي، أو يستقل سيارة إلى مدينة العريش حيث يتلقى الخدمة الطبية هناك، وهناك الكثيرون من أبناء القبيلة الذي يقضون أعمارهم ويرحلون عن الحياة بلا ورقة رسمية واحدة تثبت أنهم قد مرّوا من هنا.

 

حياة امرأة مطلقة في صحراء بلا أوراق

تنتمي كريمة سليمان (33 عامًا) إلى بدو محافظة مطروح، وتتحدث من وراء نقابها بعين ملؤها الأمل؛ لأنها وجدت فرصة متاحة للتحدث أخيرًا، ومع كل جملة تُذكرها بحالها تمتلئ عيناها بالأسى والألم مرة أخرى: «حياتنا في الصحراء بأكملها، فتياتنا لا يحظين بأي قدر من التعليم، ولا يستطعن التعرف إلى أي أمر يدور خارج حدود بيوتهن، ولا يخرجن من بيوتهن بالأساس غير للضرورة القصوى، بخلاف هذا فالطبيعي أن الفتيات لا يرين الباب ولا الشباك، ولا تملأ عيونهن سوى رمال الصحراء، وكثير من بيوتنا ليس بها أجهزة تليفزيون لرؤية العالم، فليس لدى الكثيرين إمكانات مادية تُمكنهم من هذا».

أوراق رسمية

بدويات في مصر، المصدر: دوت مصر

ليس هذا فقط، فبحسب تصريحات كريمة لـ«ساسة بوست»، فإن الكثير من الفتيات اللاتي لا يعرفن القراءة والكتابة، يحصلن على كل معلوماتهن من التنصت على أحاديث الرجال الذين يقرؤون الجرائد ويتحدثون عن الأحوال والأخبار العامة، يُلقين آذانهن باتجاه «المربوعة»، تلك الغرفة خارج البيت حيث يجلس الرجال يقرؤون الجرائد ويتحدثون بعيدًا عن النساء، ولا أحد يهتم بهن وبإشراكهن في ما يحدث.

وصلت معاناة كريمة مع مجتمعها البدوي إلى أنها لا تملك وثيقة زواج رسمية، إذ يسيطر الزواج العرفي على المجتمع البدوي، فلا أوراق ولا قسيمة زواج تعترف بها الدولة، كذلك فلا يوجد بطاقات رقم قومي، وأحيانًا يصل الأمر إلى عدم وجود شهادات ميلاد.

ذاك الوضع لا يرضي كريمة وكثيرات من قريناتها، فتستنكر الوضع قائلة: «كانوا يقنعوننا أن الزواج هو الأمان التام، وأن كل بنت مصيرها النهائي هو بيت زوجها، فكل ما يجب عليها تعلمه هو كيف تصبح زوجة وأمًّا، بخلاف هذا فلا شيء يهم، وهذا ما ثبت مع الأيام أنه غير صحيح، فقد وجدنا أنفسنا نلد أطفالًا بلا شهادات ميلاد؛ لأن والديهم ليست لديهما وثيقة رسمية تثبت زواجهما، فخرجنا نبحث عن حقوق أبنائنا الضائعة، ونحاول أن نثبتهم في الأوراق الحكومية، ونصلح ما أفسده آباؤنا».

وتضيف كريمة: «كنّا نسير على عادات وتقاليد مجتمعنا بحذافيرها، ولم أكن أعلم أن ذلك الالتزام سيُعرضني إلى أكثر موقف مهين يمكن أن تخوضه إحداهن في حياتها، فأنا الآن بين قاعات المحاكم لا لشيء سوى لأثبت أنني قد تزوجت وانفصلت عن زوجي بالطلاق، فلا شيء يثبت لي هذا، هذا جعلني أبدأ الكرّة من بدايتها، فلكي ألجأ للقضاء لا بد أن يكون لديّ بطاقة رقم قومي، ولكي أستخرج البطاقة لا بد أن يكون معي قسيمة طلاق حتى أكتب مطلقة في الحالة الاجتماعية بالبطاقة، ولا يصبح الأمر تزويرًا في أوراق رسمية».

وتضيف: «كثير من الفتيات المطلقات يُسجلن في بطاقاتهن أنهن لم يسبق لهن الزواج، ربما يمر هذا بسلام لو لم يكن لديها أولاد، لكن في حالتي لا يصلح هذا لأنني أريد إثبات طفلي أيضًا، وعمل شهادة ميلاد له، وعندما يكون هناك مشاكل مع الأب كما في حالتي، فإن كل تلك الأشياء لا يمكن إنجازها».

لا تشعر كريمة بالأمان في ظل مجتمع جعل إثبات وجودها في الحياة بأمر رجل، إذا اختلفت معه أو أرادت الانفصال عنه لن تتمكن من الحصول على أي حق من حقوقها أو حقوق أبنائها -بما في ذلك شهادات ميلادهم وحقهم في التعليم-، تعلق كريمة: «كنت أسأل نفسي كيف يأمن أبي الرجل الغريب أكثر ما يأمن ابنته؟ وعدّت لأقول هو يأمن نفسه، ففي مجتمعاتنا أنا بالنسبة لأبي الغريبة لا ابن جنسه».

البدون ليسوا في الكويت فقط.. ماذا تعرف عن البدون في بقية الدول العربية؟

أطفال الشوارع.. بلا هوية وبلا أمل في المستقبل

بعيون هادئة ووجه جامد لا يظهر عليه أثر لأي شعور، لا فرح ولا حزن ولا رضا ولا ضجر، يتحدث ياسين، الفتى الذي لم يتجاوز عمره التاسعة عشر، وهو أحد أطفال الشوارع الذين ليس لديهم أي أوراق ثبوتية تثبت لهم أي حق.

يقول ياسين لـ«ساسة بوست»: «ليس لديّ أي حق في بلدي، لأنه ليس لديّ بطاقة إثبات شخصية ولا شهادة ميلاد، نحن فقراء جدًا ولا نعرف في الحياة أبعد من أن علينا أن نوفر كل يوم مطعمنا، وتوفير المطعم يحتاج إلى المال، وهكذا نصبح كل يوم في عجلة تدهسنا بلا رحمة».

بدأ ياسين حياته في الشارع منذ أكثر من سبعة أعوام، عندما ضغطت عليه والدته لكي يترك المنزل ويعمل أي عمل يجلب منه مالًا ينفق به على البيت، يقول ياسين: «لديّ تسعة إخوة، منهم ثلاث بنات وستة أولاد، أكبرهم لديه 25 عامًا، ويعمل عاملًا بمقهى، وكل المال الذي يحصل عليه ينفقه على المواد المخدرة، لأنه مثلي، ليس لديه أوراق تثبت حقه، ولم يتعلم، ولا يطمح في شيء للغد، فقرر أن يوقف عقله للأبد، حتى لا يحزن على حاله، ولم يجد لذلك سبيلًا سوى طريق المواد المخدرة».

يضيف ياسين: «أمي أيضًا تعمل خادمةً في المنازل، وتضغط عليّ كي أساعدها في كل هذه النفقات، إلى أن كرهتها وكرهت العودة إلى البيت، وتركت المنزل لها ورحلت، كان عمري 12 عامًا حينما بدأت حياة الشارع بشكل كامل، كنت أمسح زجاج السيارات نهارًا، وأنام في المساجد ليلًا، وحينما يعطف عليّ أحدهم ويعطيني مبلغًا كبيرًا من المال أجري به على إخوتي، لأنني رغم كل شيء أخشى عليهم من الجوع».

«مصر والدنيا».. أين تقع في أبرز المؤشرات العالمية لعام 2017؟

كل ما يأمل فيه ياسين هو أن يعبر يومه بسلام، ولا يفكر في الغد القريب أو البعيد، المهم أن يسير به يومه دون أن يتعرض له بلطجي بسلاح أبيض، أو تُلقي الشرطة القبض عليه، أو يسرق أحدهم أعضاءه البشرية، وهو ما يخشاه كثيرًا، إذ تعرض بالفعل بعض أقرانه في الشارع لعصابات التجارة بالأعضاء البشرية، ومع كل ذلك فقد شارك ياسين في الثورة عام 2011، وقتها كان يبدأ حياته في الشارع، من المفترض أن يكون في هذا السن يدرس بالمرحلة الابتدائية، فوجد نفسه يهتف في المظاهرات بكل طاقته، وكل ما يراه هو أنه في الشارع وغيره ممن هم في مثل عمره في مدارسهم وبيوتهم، انتهت المظاهرات ولا جديد يحدث في حياة ياسين، وكل ما يعرفه أنه لا أمل لديه في أي شيء سوى أن يسير اليوم وهو على قيد الحياة دون أن ينال منه أذى جسدي.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!