صورة لرضيع يبدو أنه لم يُتم أسبوعه الأول، بجانبه مسدس من ناحية وقنبلة يدوية من أخرى وبطاقة هُوية تُعلن أن اسمه “جراح” من مواليد 6\7\1436 وفقًا للتقويم الهجري، صورة كشفت عن أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” لم يعد مُجرد تنظيم قد بسط سيطرته على بقع في الأراضي السورية تصل لـ35% من مساحة سوريا، وصولًا لإلغاء الحدود بينها وبين العراق، وإنما تُشير إلى أن هذا التنظيم بات يؤسس حقًا لدولة لديها مواطنون وتقوم بإحصائهم وتسجيلهم في سجلاتها وتعطيهم جنسية “دولة الخلافة– الدولة الإسلامية”.

داعش وتأسيس الدولة.. أشخاص بلا هُوية

بعد نجاح التنظيم في التمدد على رقعة لا يُستهان بها، والسيطرة على حقول نفط تُدر الملايين يوميًّا، بات التنظيم يخطو خطواته نحو تأسيس دولة فعلية ذات نظام بيروقراطي، ذات قوانين تحكمها الشريعة الإسلامية، محاكم، سجون، وحدات صحية، مدارس، دولة قائمة بذاتها في حدود سيطرتها.

بطاقات هُوية بدأ التنظيم باستخراجها لمن يعيشوا في المناطق الواقعة تحت سيطرته، وبعد نشر صورة لبطاقة ميلاد لأحد الأطفال قام بنشرها شخص معارض لداعش وعنونها بـهذا الطفل سيكون خطرًا عليكم، وليس نحن وحدنا، ووفقًا لخبير في شئون الإرهاب في الجامعة الوطنية الأسترالية قال إنه بعد إظهار وثيقة الميلاد هذه، وواقع أن هذه المجموعة تحتضن الأطفال وتلقنهم، فهذا يدل على أن داعش ستبقى متواجدة لمدة طويلة.

هذا يعني أن كل هؤلاء الأشخاص المُسجلين بهُوياتهم لدى داعش وهؤلاء الأطفال، هم في الحقيقة بلا هوية مُعترف بها دُوليًّا.

وثيقة الميلاد التي تم الكشف عنها تتضمن العديد من المعلومات التي تدل على وجود بيروقراطية ونظام شديدين داخل “الدولة الإسلامية” تضمنت الشهادة التي أصدرها “داعش” على: “شهادة ولادة لأحفاد الخلافة”، علم داعش – العلم الأسود-، والمنطقة الصحية التي يتبعها المولود، واسم المولود، واسم الأب، واسم الأم، ومكان وتاريخ الولادة، والوزن والطول، وختمت الشهادة بختم “داعش”.

داعش وجوازات السفر

على الرغم من أن خروج أخبار أكيدة وموثّقة لما يحدث في نطاق سيطرة داعش يكاد يكون مستحيلًا، إلا أنه من آن لآخر تظهر بعض التأكيدات على أمور حدثت في مناطق السيطرة –التي لا يوجد فيهم مصدر معلوماتي غير شهادات الشهود وما تُخرجه داعش عبر آلاتها الإعلامية-.

يذكر أن أكثر من شخص أجمعوا على أن داعش تُخفي جوازات سفر وبطاقات الهُوية المعتمدة لأفرادها التي يمكن من خلالها أن يسافروا ويخرجوا خارج نطاق حدود داعش وذلك لمنعهم من الهرب، وترك دولة الخلافة.

لاجئون بلا هُوية.. وتحت الحصار بهُويات لا يُعتد بها

وفقًا لمسئول الحماية الإقليمية في المفوضية العليا للأمم المتحدة لشئون اللاجئين فإن مئات الآلاف من الأطفال السوريين الذين يعيشون خارج سوريا في المناطق التي نزحوا إليها، هم في الواقع بلا جنسية، مما قد يعرضهم لمخاطر الاستغلال أو في النهاية العودة لبلادهم – التي هي الآن منطقة حرب-.

وعلى هامش المنتدى العالمي الأول عن الأشخاص بلا جنسية الذي عُقد في سبتمبر من العام المنصرم، فإن آلاف الأطفال السوريين هم بلا جنسية لأن مصدر حصولهم على الجنسية وتسجيلهم هو الأب، وكل هؤلاء الأطفال هم بلا آباء في الوقت الحالي، ذلك غير الأطفال الذين ليست لديهم وثائق تُثبت سنهم أو حالتهم؛ مما يمنعهم من الحصول على فرص تعليمية وحتى الرعاية الصحية.

77% من مواليد اللاجئين السوريين غير مسجلين ولا يمكنهم الحصول على جنسية، وذلك إما لغياب الأب أو لتجريدهم من هُوياتهم وكل ما يُثبتها، أو الزواج غير الرسمي – العرفي- بين اللاجئين الذي لا يحمل أوراقًا رسمية.

3 ونصف مليون لاجئ هو عدد اللاجئين السوريين خارج البلاد، ذلك عوضًا عن مليون نازح بداخلها، نصف اللاجئين من الأطفال فشلت أسرهم في تسجيلهم قبل الهروب إلى خارج سوريا. وحوالي 51 ألف طفل قد ولدوا في مخيمات اللجوء، ثلاثة أرباعهم – من ولدوا في لبنان- لم يتم تسجيلهم، ذلك غير 8 آلاف طفل لاجئ مهددين بعدم وجود جنسية لهم لأنهم بلا مرافق أو لانفصالهم عن أسرهم.

مقاتلون بلا جنسية

وكإجراء احترازي وبعد نجاح داعش في استقطاب أعداد لا بأس بها من الشباب الأجنبي للـ”جهاد” والانضمام لدولة الخلافة، قامت بعض الدول باتخاذ إجراءاتها من أجل إسقاط الجنسية عن المشاركين في القتال في سوريا والعراق، فألمانيا على سبيل المثال قد بدأت في سبتمبر في دراسة الإجراءات الوقائية الرادعة بخصوص مواطنيها المنضمين لداعش وطالب بعض النواب في البوندستاج بالوصول لصيغة قانونية لإسقاط الجنسية عنهم، وبحسب جهاز الاستخبارات الداخلية الألمانية فما يقرب من 420 شخصًا قد توجهوا من ألمانيا للمشاركة بالقتال في سوريا والعراق منذ 2012، عاد منهم 130 ويرى كثيرون أنهم يمثلون خطرًا على ألمانيا.

وفي سبتمبر 2014، قامت فرنسا بإسقاط الجنسية عن ما يقرب من 500 شخص يحملون الجنسية الفرنسية – من أصل تونسي- متورطين في القتال الدائر في سوريا، ومن يحمل جنسيتين من هؤلاء الذين تم إسقاط الجنسية عنهم يُرّحل إلى بلده، ويذكر أن هناك ما يقرب من 3 آلاف شخص يحمل الجنسية الفرنسية قد شارك في القتال في سوريا والعراق، معظمهم من أصول عربية.

وفي ديسمبر 2013، نشرت صحيفة الإندبندنت تحقيقًا حول منع الحكومة البريطانية مواطنيها المتورطين في القتال في سوريا بالعودة لبريطانيا، وأن ذلك سيتم بعد ذلك بشكل موسع يشمل إسقاط الجنسية.

وبلجيكا أيضًا قد اتبعت نفس النهج، حيث أعدت الحكومة خطة للتعامل مع مواطنيهم الموجودين في ساحات القتال في سوريا والعراق، فإذا كان الشخص مزدوج الجنسية تسقط عنه الجنسية البلجيكية، وإذا كان غير بلجيكي ولكنه متورط في القتال فيُمنع من دخول بلجيكا، وأنه يجب التفريق بين القُصّر والراشدين، فالقصر غير مكتملي النضج، فاستراتيجية التعامل معاهم هي محاولة إعادة تأهليهم.

البدون في الكويت.. مواطنون بلا جنسية في غير منطقة نزاع

البدون في الكويت هم مواطنون كويتيون أو غير كويتيين لكنهم عديمو الجنسية، لا يحملون جنسية الكويت ولا أي دولة أخرى، ويقدر عددهم وفقًا لهيومان رايتس واتش “على الأقل” بـ 1005702 بدون في الكويت، تقول الحكومة الكويتية إن هؤلاء “البدون” تعمدوا إتلاف أدلة جنسياتهم من أجل الحصول على الامتيازات التي تقدمها الكويت لمواطنيها، لكنهم لم يحصلوا على الجنسية الكويتية.

في الستينيات، وبعد حصول الكويت على استقلالها، كانت معاملة الدولة للبدون هي حرمانهم من الحقوق السياسية، ومن ثم حرمانهم من كافة الامتيازات التي يتمتع بها المواطن العادي، وتضييقات وقمع لتحركاتهم من أجل حقوقهم، حتى غزو العراق للكويت، حيث مثّل البدون ما يقرب من 80% من قوة الجيش الكويتي آنذاك، وصولًا للتسعينيات حيث قضى مرسوم من أمير الكويت بمنح الجنسية الكويتية لـ2000 شخص من البدون كل عام ليتم تجنسيهم، لكن لم يتم الأمر، وذلك لإيقاف القانون الذي كان قد أصدره مجلس الأمة، وفي عام 2000 تم تعديل القانون ليُصبح تحقيقه أكثر تعقيدًا وصعوبة، وذلك على حد تقييم هيومان رايتس ووتش.

وبين كل حين وآخر كان يتم منح الجنسية لعدد لا يتجاوز الألفين شخص سواء بأمر من الحكومة أو من مجلس الأمة. وفي 2009، بدأ تجنيس 2000 بدوني فعليًّا. وصولًا لـ2010 حيث قامت هيومان رايتس ووتش بانتقاد الكويت لإساءة معاملة البدون الذين يصل عددهم لـ100 ألف. وبعد قيام ثورات الربيع العربي، قام مجموعة من شباب البدون بالتظاهر لعدة أيام تدخلت على أثرها الشرطة لفضهم، وتم منح البدون بعض الحقوق مثل استخراج شهادة ميلاد وشهادة وفاة، وهو ما اختلفت فيه الحكومة والجهاز المركزي للجهات الحكومية، حيث إن إجراء كهذا سيكون له تبعاته.

استمرت المناوشات طيلة هذه الفترة وصولًا إلى 2014 حيث عرضت الحكومة الكويتية على 110 آلاف من البدون الحصول على الجنسية القمرية، وذلك مقابل الإقامة المجانية في الكويت والحصول على جواز سفر تابع لجزر القمر، وإغرائهم بمزايا عدة مثل التعليم المجاني والرعاية الصحية والالتحاق بالوظائف. في الوقت ذاته،  رفض الأمين العام للجنة البدون نواف البدر العرض، واعتبره “غير عملي”، وأكد على إصرار البدون على المطالبة بالحصول على الجنسية الكويتية، ويظل الأمر معلّقًا حتى اليوم.

لا يبدو أن الأمور المُعلقة منذ أكثر من 50 عامًا قد وجدت سبيلها للحل كقضية البدون في الخليج العربي عامةً والكويت خاصةً، وعلى الصعيد السوري الأمر المؤكد أن الأيام القادمة أكثر صعوبة على السوريين وخاصًة على اللاجئين منهم، فهم بلا مأوى وبلا جنسية ولا جواز سفر وبعض الدول لا تعتد بهم، ولا يبدو أن الصراع سينتهي قريبًا، بين مجموعة تُعلن قيام خلافة تتمدد بطول رقعة الأرض، ونظام لا ينفك يقصف المدنيين بالبراميل المتفجرة والكيماوي، توجد قلة آمنت بالثورة وقامت بها ما زالت تناضل الضدين.

المصادر

تحميل المزيد