يبدو أنه لا حل يلوح في الأفق القريب للأزمات المتوالية في المشهد الليبي؛ فبعد التردد الذي ما يزال يسيطر على المجموعات المسلحة التي دخلت في حوار مع الحكومة المركزية لرفع سيطرتها على الموانئ النفطية، وبعد شبه الفراغ الذي تشهده السلطة منذ أزيد من شهر بعد إقالة رئيس الوزراء علي زيدان على خلفية أزمة ناقلة النفط الكورية وتعويضه بآخر مؤقت، ها هي البلاد تعرف انطلاق عصيان مدني انطلق من مدينة بنغازي، مهد الثورة الليبية، وامتدت أصداؤه بسرعة لتصل إلى شوارع طرابلس.

يأتي هذا التطور الشعبي الجديد، في المشهد الليبي، في وقت لم يستتب فيه الأمن بعد، وما تزال ميليشيات وجماعات تصول وتجول بأسلحتها، ومنها من يقوم بأعمال إجرامية من قبيل اختطاف أشخاص، واغتيال آخرين، في حين هناك من بين هذه الميليشيات من رفعت مطلب “الاستقلال” عن الإدارة المركزية بطرابلس وإقامة حكم ذاتي، خاصة بعدما “احتلت” أماكن وإدارات عمومية إستراتيجية.

عصيان وتسليح!

رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني

العصيان المدني الذي توسع في كل من بنغازي وطرابلس ليشمل فئات واسعة من المواطنين، عمد فيه متظاهرون إلى إغلاق طرق رئيسية، والسيطرة على أماكن عمومية، احتجاجًا على انعدام الأمن وللمطالبة بتعليق عمل المؤتمر الوطني العام، كما يقول دعاة هذا العصيان المدني.

وبالرغم من أن مسئولين في المؤتمر الوطني العام، أول جهاز تشريعي وتنفيذي حاليًّا بليبيا، أدلوا بتصريحات تقلل من أهمية هذا العصيان المدني، الذي اعتبروه سلميًّا وأن السلطات في حوار مع منظمات المجتمع المدني التي دعت إليه لأجل النظر في مطالبها وتلبيتها عند الضرورة، إلا أن هناك ممن يبدي خوفه من أن يصبح “العصيان المدني” هذا بداية لانفلات أمني أكبر من الذي هو موجود حاليًا في البلاد، لا سيما بعدما ذكرت تقارير أن عناصر ملثمة ومسلحة سيطرت على بعض المرافق العمومية بكل من بنغازي وطرابلس أثناء تنفيذ هذا العصيان.

وتأتي هذه التطورات في وقت رفض فيه المؤتمر الوطني العام (بمثابة برلمان) مطالب رسمية بتوسيع صلاحيات الحكومة وجعلها ذات سلطات تمكنها من العمل بأكثر نجاعة وفاعلية، في حين طالب المؤتمر من رئيس الوزراء، عبد الله الثني، الاستمرار في مهامه لولاية جديدة وتشكيل حكومة مؤقتة خلال أسبوع تملأ الفراغ السياسي حتى الانتخابات المقرر إجراؤها لاحقًا.

الغرب يراقب

هذه المعطيات الجديدة تبرز إلى أي حد يصعب تجاوز هذه المرحلة الحرجة في المشهد الليبي؛ بحيث إنه في الوقت الذي يخرج الشارع للاحتجاج ضد الصلاحيات الواسعة للمؤتمر الوطني العام بل والمطالبة بإنهاء ولايته والدعوة إلى انتخابات لتشكيل نسخة أخرى من المؤتمر، دون انتظار آخر شهر ديسمبر من السنة الجارية كما هو مقرر، يرفض هذا المؤتمر الذي تسيطر عليه غالبية “إسلامية” أبرزها حزب “العدالة والبناء” (إخوان ليبيا) منح الحكومة سلطات تنفيذية تمكنها من أداء مهامها على أكمل وجه.

ويبدو أن استمرار هذا الوضع “غير المستقر” في ليبيا ما يزال يقلق دول الجوار كما يقلق الغرب بالخصوص؛ حيث إنه ما إن بدأ سريان الاتفاق ما بين الحكومة المركزية بطرابلس وبعض المجموعات المسلحة، القاضي برفع سيطرة الأخيرة على بعض الموانئ النفطية، حتى سارعت دول غربية إلى “الترحيب” بهذا الاتفاق، وإبداء ارتياحها منه؛ حيث أعلنت حكومات فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة عن “ترحيبها” باتفاق على رفع الحصار عن موانئ النفط في شرق ليبيا.

وجاء في بيان مشترك لهذه الدول أن حكوماتها “تهنئ رئيس الوزراء (بالوكالة) عبد الله الثني والحكومة المؤقتة في ليبيا على التزامها بالعمل مع المؤتمر الوطني العام للتوصل إلى حل سلمي لهذه القضية التي ألحقت الكثير من الضرر بالاقتصاد الليبي على مدى الأشهر التسعة الماضية”، داعية “جميع الأطراف المعنية، إلى تنفيذ الاتفاق بشكل كامل وبأسرع وقت ممكن”.

وحضت هذه الدول “جميع الفئات في جميع أنحاء ليبيا، على وقف أعمال تعطيل منشآت الطاقة لتمكين عمليات الإنتاج والتصدير من العودة إلى مستوياتها الطبيعية، وذلك لتسهيل استئناف عجلة التنمية الاقتصادية التي تصب في مصلحة جميع الليبيين”.

عناصر ليبية مسلحة

بؤرة..

لكن وبعيدًا عن دبلوماسية الحديث في إطار العلاقات ما بين الدول، فإن هذه الدول الغربية نفسها لا تخفي خوفها من تصاعد أعمال العنف المسلح في بعض مناطق ليبيا؛ بل إن  تخوفها يتخذ نبرة أكثر تحذيرًا وقرعًا لناقوس الخطر عندما تُسمّى الأمور بمسمياتها، فتطلق وصف “وكر أفاعٍ” كما قال وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لودريان، في نعته لجنوب ليبيا الذي تحول برأيه إلى “وكر أفاعٍِ للمسلحين، وأن الطريقة الوحيدة للتعامل معه هي من خلال تحرك جماعي قوي من الدول المجاورة، على حد تعبيره.

ومعلوم أن الجنوب الليبي تنشط فيه جماعات مسلحة متطرفة منها تنظيم القاعدة، والتي تعرف تحركًا كبيرًا في المنطقة الممتدة عبر الصحراء الكبرى، وكانت هدفًا للتدخل الفرنسي في شمال مالي.

ولعل دعوة المسئول الفرنسي لـ”دول الجوار” إلى “التحرك الجماعي” يحيل إلى ما تناقلته بعض التقارير من أن مسئولين ليبيين طالبوا بمساعدة عسكرية من بعض الدول العربية كالمغرب لخوض حرب ضد تلك الجماعات المتشددة والتي لبعضها ارتباط بتنظيم القاعدة، في وقت تبدي بعض دول الجوار “قلقها” إزاء مثل هذه الدعوات..

في ظل هذا الوضع الضبابي والمحتقن في المشهد الليبي لا يتردد البعض في القول بأن ملامح “انتفاضة” أخرى جديدة بليبيا باتت تكتمل صورتُها شيئًا فشيئًا، فقط لازال هناك من ينتظر ويأمل خيرًا من ساسة طرابلس الجدد الذين جاؤوا عبر ثورة 17 فبراير المجيدة.    

عرض التعليقات
تحميل المزيد