خلال الأيام المُقبلة تُعاود الحُكومة المصرية، طرح قانون الخدمة المدنية، رهان الرئيس عبد الفتاح السيسي لإصلاح الهيكل الحكومي، على مجلس النواب، الذي سبق ورفض تمرير القانون، وهي المسألة التي واجهها السيسي بامتعاض في إحدى خطبه، حين قال: «ليه مش عايزين تساعدوني؟».

في السطور التالية، نُحاول تحليل جدوى القانون في إصلاح الجهاز الحكومي المصري، مع تسليط الضوء على الهيئات الحكومية المستثناة منه، وعلاقة ذلك بقدرة النظام على إحكام السيطرة على مُؤسساته.

الشرطة والجيش والقضاء.. استثناء من قانون الخدمة المدنية

إلى جانب المؤسسات المذكورة سلفًا، التي تضمنها قانون الخدمة المدنية، كهيئات استثنائية، من تطبيق القانون على موظفيها، أضاف قرار صادر عن رئيس الجمهورية، برقم 188 لسنة 2015، المنشور في الجريدة الرسمية، العدد 19 في السابع من مايو (آيار) 2015، والذي استخدم فيه رئيس الجمهورية الحق الذي أعطي له في المادة 21 من القانون؛ باستثناء بعض الجهات ذات الطبيعة الخاصة، التي لا تسري عليها أحكام المادتين 19 و20. وجاء في المادة الأولى من القانون 188: «تعتبر رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء، من الجهات ذات الطبيعة الخاصة، ولا تسري على وظائف الإدارة العليا والتنفيذية بهما أحكام المادتين (19 و20) من قانون الخدمة المدنية المشار إليه».

ماسبيرو كذلك من بين المؤسسات المستثناة من قانون الخدمة المدنية بحسب تصريح سابق لوزير التخطيط، بالإضافة إلى المؤسسات المذكورة سلفًا، والمندرجة تحت «الجهات ذات الطبيعة الخاصة».

المؤسسات المُستثناة من تطبيق القانون، يُشابه وضعها المؤسسات التي جرى استثناؤها من تطبيق الحد اﻷقصى للأجور، والتي شملت موظفي السلك القضائي، وبعض البنوك. وقد أدى ذلك إلى تفاقم حالة رفض القانون على أساس التمييز الحاصل.

 

وتُظهر الأرقام المنشورة على المواقع الحكومية بعد ثورة 25 يناير، لرواتب رؤساء البنوك، أن راتب رئيس بنك حكومي، وصل إلى 33 مليون جنيهٍ سنويًّا، كحد أقصى للرواتب وقتها، فيما كان الحد الأدنى آنذاك، نحو ثلاثة ملايين جنيه، لبعض العاملين في بنوك أصغر، هذا بخلاف ما يتقاضونه من أوعية أُخرى، كنسبة من الأرباح أو بدلات مجالس الإدارات، أو بدلات اللجان، سواء سياسية أو داخلية، وكذا المكافآت.

تندرج تحت تلك المؤسسات المستثناة، الشرطة المصرية. وكان رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، المعزول بقرار جمهوري، هشام جنينة، ذكر في إحدى تصريحاته سابقًا، أن جهازه رصد شيكًا بـ75 مليون جنيه، صادر باسم أحد وزراء الداخلية السابقين عام 2012، مشيرًا إلى أن سبع قيادات فقط في وزارة الداخلية، يتقاضون بدلات مليون جنيه شهريًّا، عن حضور لجنة واحدة.

رواتب الهيئات المُستثناة من قانون الخدمة المدنية، تتجاوز الأجور المالية الطبيعية للهيئات الحكومية داخل مصر، وصدور قرار باستثنائها من تطبيق هذا القانون يجعل استقلالية هذه المؤسسات عن الدولة أمرًا واقعًا، بجانب الصعوبة في وضع شروط لإصلاحها من الخلل الوظيفي، بجانب شعور فئات من موظفي الدولة بالتهميش جراء هذه القرارات الاستثنائية.

اقرأ أيضًا: القصة الكاملة لـ«أسطورة» استقلال القضاء في مصر

حزب «موظفي الدولة» على حافة المعاش المُبكر

تُظهر آخر بيانات متاحة على موقع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، في ٢٠١٠ بلوغ حجم عمالة القطاع العام 5.6 مليون موظف حكومي، مع توقع بأن العدد قد زاد على الأقل 800 ألف موظف بعد ثورة 25 يناير.

موظفو الدولة، الذين يصفهم البعض بـ«حزب الكنبة المُحافظ»، وهو مدلول سياسي على سلوكهم المحافظ تجاه السلطة، يسعى النظام الحالي، عبر تمرير قانون الخدمة المدنية، إلى إحالة أغلبهم للمعاش المبكر، إذ تنص المادة 67 من القانون على أنه «إذا جاوز الموظف سن 50 عامًا يحق له الخروج على المعاش، ومن هو أقل من 55 عامًا يرقى إلى الدرجة الوظيفية التالية، وتسوى حقوقه حسب اشتراكه في نظام التأمين الاجتماعي + 5 سنوات. أما من هم أكثر من 55 عامًا، فتسوى حقوقه حسب اشتراكه في التأمينات الاجتماعية + 5 سنوات، أو المدة الباقية له في العمل».

ورغم ما ميز هذه الفئة من سلوك سياسي مُحافظ، مُرتبط بوضعها الاقتصادي والمهني، إلا أنها خلعت هذا الثوب عنها، في انتفاضة أمام مسعى الحكومة لتمرير القانون، للمرة الأولى في 10 مايو (آيار) 2015، في وقفةٍ أمام نقابة الصحافيين، شارك فيها مئات من موظفي الضرائب العامة والضرائب على المبيعات والجمارك، مع تضامن عدد من المعلمين وعمال هيئة النقل العام، وموظفي الآثار والتنظيم الإداري، مع رفع شعارات تصف «الخدمة المدنية» بقانون السُخرة.

هل المشكلة في حجم الجهاز الحكومي؟

في أكثر من محفل، يُحد السيسي أولوياته في إصلاح الجهاز الحكومي، من خلال خفض أعداد العاملين به، دون مواربة في ذلك. يُعرب السيسي عادةً عن عدم رضاه عن فاتورة الأجور وحجم العمالة الحكومية، والتي أرجع زيادتها «غير الطبيعية»، إلى ما أسماها بـ«ظاهرة المطالب الفئوية».

 

ويبدو أن طرح السيسي فيه مُخالفة للواقع العملي، فحسب الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة، فإن الأجور لم تزد كنسبة من إجمالي الإنفاق العام، زيادةً كبيرةً خلال الأعوام الخمسة الماضية (حوالي ٢٪ فقط)، الأمر الذي يلحظه المراقبون للتطور الضئيل المرتبط بحساب قيمة الأجور الحكومية، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، والتي تطورت من 7% في 2009/2010 إلى 8.9% في 2013/2014.

وبالنسبة إلى عدد الموظفين داخل الجهاز الحكومي، فإن الدراسات الصادرة عن المؤسسات الدولية، تُظهر أن نسبة العمالة الحكومية، إلى العدد الإجمالي للسكان، هي 7.11% في عام 2010، وأن متوسط النسبة المناظرة في البلدان متوسطة الدخل، هي 5.3%، ورغم أن النسبة تبدو مُرتفعةً قليلًا بالقياس إلى الدول متوسطة الدخل، إلا أنها أقل من متوسط العمالة، بالنسبة إلى السكان، في دول الاتحاد الأوروبي، التي تصل فيها النسبة إلى 7.9%، أو في بلد مُتطرف في سياساته الاقتصادية الرأسمالية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث النسبة أعلى من مصر.

هذه الأرقام الواقعية لا تنفي حجم الخلل الذي يعيشه هيكل الدولة، بحسب الخبراء الذين يعتبرون أن آليات الإصلاح، ينبغي أن تنطلق من وضع انخفاض كفاءته، وتشوه هيكل العمالة فيه في الاعتبار، وليس ارتفاع حجمه أو تكلفته. فعلى سبيل المثال، مُعدل الأطباء بالنسبة لكل ألف مواطن، أو معدل المعلم لكل ألف طالب، أقل بكثير من المعدل العالمي التقليدي.

يُلخص أشرف حسين، مدير وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الأمر في مقال له، نُشر على موقع مدى مصر، قال فيه، إن «إصلاح هيكل العمالة الحكومية، ورفع كفاءتها، هو مهمة ضرورية. لكن لا يجب أن ينظر إليها كمشكلة مالية عامة أساسًا (كيف نخفض من فاتورة الأجور لتقليل حجم العجز في الموازنة)، ولكن كمشكلة رقابة ديمقراطية على حجم العمالة الحكومية، وتحديد الاحتياجات على المستوى المحلي، وخلق بيئة تسمح بالمحاسبة والمسؤولية».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد