منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013 على الرئيس المنتخب محمد مرسي، والعديد من التحليلات تحذر من دخول مصر في موجة عنف، قد تفضي إلى “حرب أهلية”. كذلك العديد من السياسيين أو الصحافيين والمثقفين، أعربوا عن تخوفهم من “الانجرار إلى حرب أهلية”. واستمرت تلك التخوفات على مرّ الأحداث اللاحقة لتحرك الجيش في 3 يوليو، فيما ازدادت حدتها مع تصريحات عبد الفتاح السيسي، الذي اعتبر كثيرون أنها تحريض على العنف الأهلي.

على الجانب الآخر، لفت السيسي وغيره سواء كانوا إعلاميين أو كتّاب أو شخصيات عامة تقف في صف النظام الحالي؛ إلى أن تحرّك الجيش في 3 يوليو كان نابعًا من حرصه على عدم انجرار البلاد إلى هوّة “الحرب الأهلية”. وفي كل الأحوال، لا تزال نبرة التخوف من ذلك المصير المجهول سائدة، تخفت قليلًا، ثمّ ما تلبث أن تبرز مع تواتر الأحداث وسرعة تطورها إلى نهاية غير محددة الملامح.

بالنسبة لنا قررنا أن نطرح تساؤلًا مغايرًا: هل حقًا الحرب الأهلية مصير “مجهول” بالنسبة إلى مصر؟ ولماذا لا يكون ما تشهده مصر الآن حربًا أهلية دون أن ندري؟

ماذا تعني الحرب الأهلية؟

صحيح أن مصطلح الحرب الأهلية ربما يكون فضفاضًا، ويتسم بالعمومية، لكن كافة التعريفات للمصطلح اتفقت على الجزء الأوّل من تعريفه، وهو الصراع “العنيف” أو “المسلح” بين فريقين داخل البلد الواحد. ثمّ تتعدد الأسباب الموضوعة لبدء هذا الصراع، وغالبًا ما تكون سياسيةً، رغم أنّها قد تتخذ أشكالًا أخرى في خضمّ الحرب، مثل أن تحمل خطابًا دينيًّا أو عرقيًّا، أو غير ذلك.

كلا الطرفين المتنازعين يرى في الآخر، وما يمثله، أو حتى من يقف على الحياد، تجسيدًا للشيطان، إن جاز لنا التعبير، ومن هذا فإن الجوانب التدميرية للحروب الأهلية تكون جثيمة على مستويات عدة، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحقوقي الذي يشهد انتهاكات بالجملة.

وفيما يخص الصراع “العنيف” أو “المسلح”، فإن بعض التعريفات الأكاديمية، تشير إلى أنّ 1000 قتيل، رقم كاف لاعتبار الصراع الدائر حربًا أهلية، على أن يكون هناك مئة قتيل على الأقل بين كلا الطرفين. أمّا فيما يخص قوة كلا الطرفين، فلا يشترط التكافؤ بينهما، بل إن البعض يذهب إلى أنّ الحرب الأهلية لا تخضع إلى قواعد الاشتباك المسلح التقليدية، لاعتمادها غالبًا على أساليب مختلفة كالتفجيرات، أو استهداف رموز معينة بشخصها، والعمليات النوعية، وغير ذلك.

يُشار إلى أنه بعد الغزو الأمريكي للعراق، عرج البعض إلى اعتبار الأحداث الدائرة هناك، واقتتال عدة أطراف وجماعات عراقية؛ حربًا أهلية، الأمر الذي رفضته أمريكا في وقت إدارة جورش بوش، على اعتبار أن الحرب الأهلية لا بد أن تكون صراعًا على السلطة، متفقين في ذلك مع الكاتب البريطاني المتخصص في تاريخ الحروب، جون كيغان، الذي يرى أن معايير الصراع الموصوف بالحرب الأهلية، لا بد أن تتمثل في:

  1. ضرورة سعي المجموعات المتصارعة إلى السلطة الوطنية.
  2. أن يكون لهذه المجموعات زعماء يعلنون ما يقاتلون من أجله.

وفيما أن البعض نفى أن تكون الثورات حروبًا أهلية، أو الثورات التي يغلب عليها العنف المتبادل، فإن آخرين يرون أنه لا غضاضة في وصف الثورات بالحروب الأهلية، كتوصيف إجرائي، أو أن تمر الثورات بانعطافة الحرب الأهلية، من بين هؤلاء ماركس ولينين، إذ اعتبر الأوّل أن الثورة التي أدت إلى نشوء كومونة باريس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حربًا أهليّة، أما لينين فذهب إلى أبعد من ذلك، عندما قال:

“ما من ثورة عظيمة واحدة حدثت في التاريخ، بدون حرب أهلية”.

من أحداث الثورة البلشيفية في روسيا

الشاهد في الأمر إذًا، أن الحرب الأهلية، هو مصطلح إجرائي، يصف حالة قائمة، دون النزوع إلى أي حكمٍ قيمي يخص هذه الحالة، وبناءً عليه: هل ما يحدث في مصر حرب أهلية؟

7 منطلقات لفرضية الحرب الأهلية المصرية

(1) في الفترة السابقة لـ30 يونيو 2013، شهد الشارع المصري العديد من حالات الاشتباك بين مواطنين في عدد من المحافظات. الاشتباكات المسجلة التي اعتدى فيها مؤيدو الرئيس محمد مرسي، نحو 5 حالات، كلّها أفضت إلى فض الاشتباك مباشرة دون وقوع إصابات. الحالات الأخرى كانت اعتداءات من قِبل مجموعات لا يمكن وصفها بدقة، إلا أنها غالبًا ما كانت تنسب نفسها إلى دعوات التظاهر في 30 يونيو، أو ما سمي آنذاك بالموجة الثورية الثانية. من ذلك، الاعتداءات على مقار جماعة الإخوان المسلمين، ومقار حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي للجماعة، كذلك الاعتداءات على تجمعات تظاهرية داعمة لمرسي، من أبرز تلك الأحداث، محاصرة مسجد الجمعية الشرعية في المنصورة في 26 يونيو 2013، بمجموعات مدنية مسلحة، على رأسها شخص يدعى السيد العيسوي، الذي تنتشر له صورة شهيرة خلال تلك الأحداث، يظهر فيها حاملًا سلاحين ناريين في كلتا يديه. أحداث الجمعية الشرعية أودت بحياة 3 مواطنين من جانب أنصار جماعة الإخوان المسلمين، وإصابة العشرات، فيما اعتبرت أول اشتباك يفضي إلى قتل كإرهاص لتظاهرات 30 يونيو ثمّ بيان 3 يوليو.

السيد العيسوي في أحداث مسجد الجمعية الشرعية بالمنصورة (المصري اليوم)

(2) في الأول من يوليو 2013، أصدر عبد الفتاح السيسي (وزير الدفاع آنذاك) بيانه الأول الذي أمهل فيه القوى السياسية 48 ساعة للوصول إلى اتفاق يفضي إلى “تحقيق مطالب الشعب”، وإلا سيعلن هو عن خارطة طريق يشرف على تنفيذها، بحسب البيان. في نفس اليوم الذي صدر فيه البيان، واليوم اللاحق له، شهدت البلاد عدة اشتباكات أفضت إلى القتل، في عدد من المحافظات، بين أنصار الرئيس محمد مرسي ومجموعات تتحرك تحت مظلة التظاهرات المناهضة لمرسي.

(3) في 24 يوليو 2013، وخلال احتفالات بتخريج دفعات من الكلية الحربية، خرج عبد الفتاح السيسي في خطاب له، مطالبًا “الشعب المصري” بتفويضه لمواجهة “العنف المحتمل” عبر النزول في تظاهرات الجمعة التالية للخطاب. قبل خطاب السيسي وعلى مدار الأيام اللاحقة لبيان 3 يوليو حدثت اشتباكات بالجملة بين رافضي الانقلاب العسكري من جهة، ومجموعات من المدنين اشتهروا باسم “المواطنين الشرفاء” وقوات الأمن من جهة أخرى، من أبرز تلك الاشتباكات والتي لم تشهد تدخلًا من القوات الأمنية، ما عرف بـ”مجزرة حرائر المنصورة”، التي راح ضحيتها إجمالًا 5 سيدات، منهن 3 أثناء الاشتباكات و2 لاحقًا متأثرات بالإصابة، على خلفية اعتداء مجموعة مدنية مسلحة على مسيرة نسائية في مدينة المنصورة، في 19 يوليو.


(4) هذا، وسجلت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مقتل أكثر من 165 مواطنًا، فضلًا عن إصابة المئات، في أحداث وصفتها بالاقتتال الأهلي، وقعت في 16 محافظة، خلال الفترة من 27 يونيو وحتى نهايات يوليو 2013. المبادرة أكّدت في إحصائها أن الرقم المتقدم ذكره، لأحداث بين مواطنين مدنيين، وأن حصرها لم يشتمل على الأحداث التي كانت الشرطة أو الجيش طرفًا فيها، بل إنّ أيًّا من القوات الأمنية لم تتدخل لإيقاف الاشتباكات وفقًا لما هو متعارف عليه.

“رغم السجل الدموي لقوات الأمن في الاستخدام المفرط للقوة في مواجهة التظاهرات السلمية، أو بدعوى حماية المنشآت، فإنها في المقابل تقاعست عن الحد الأدنى من التدخل لحماية أرواح المواطنين والمتظاهرين، عندما يكون هذا التدخل قانونيًّا، بل ضروريًّا لإنقاذ الحياة، ومنع الجرائم”. – كريم عنارة، باحث في المبادرة المصرية

(5) بالتزامن مع الانقلاب العسكري، بدأت حدة العمليات المسلحة ضد القوات الأمنية في سيناء، حتى وصلت ذروتها في الشهور الأخيرة. الطرف المنضوي تحت مظلة النظام الحالي، بما فيه النظام الحالي يُصر على أنّ جماعة الإخوان المسلمين تقف خلف تلك العمليات. أحيانًا يذهب إلى أنّ الجماعة ربما تقف خلف العمليات فكريًّا، على اعتبار أن تلك التنظيمات المسلحة انبثقت من الأفكار المؤسسة للجماعة، حسب قوله، في المقابل تنفي الجماعة أي علاقة لها بالتنظيمات التي تنفي بدورها أي علاقة لها بالجماعة، بل تهاجمها في بياناتها المختلفة.

تلك العمليات المسلحة، أو التفجيرات، توسعت دائرتها وصولًا إلى مناطق الدلتا والقاهرة، وأحيانًا في بعض محافظات الصعيد، أو الحدود الغربية المصرية كعملية الفرافرة، وتعددت الجهات المتبنية لتلك العمليات، لكن أشهر التنظيمات المتقاتلة مع القوات الأمنية في سيناء، تنظيم ولاية سيناء (أنصار بيت المقدس سابقًا)، وهو التنظيم الذي أعلن مبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وفي كل الأحوال، العامل المشترك بين التنظيمات أو التجمعات المنفذة لأعمال العنف، سواء بالاقتتال المباشرة كما يحدث في سيناء، أو عمليات نوعية كما يحدث في الدلتا والقاهرة؛ هو وقوفها – بحكم الضرورة الواقعية- في صف المناهضين للنظام الحالي، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين.

(6) في فبراير الماضي (2015)، وخلال كلمة ألقاها عبد الفتاح السيسي حول الهجمات المسلحة في سيناء، والتي أدت إلى مقتل عشرات الجنود، دعا السيسي “الشعب المصري” للثأر من ضحايا ما أسماه بـ”الإرهاب”.

“لن أكبّل أياديكم للثأر لشهداء مصر، الذين راحوا في الأعمال الإرهابية الجبانة، وأنتم ستأخذون بثأر مصر، وأنتم من سيحميها ويدافع عنها”. – عبد الفتاح السيسي


(7) سياسيون وإعلاميون وكتاب ومثقفون مصريون، بل السيسي نفسه، صرحوا بوضوح، أن تحرك الجيش في 3 يوليو 2013، كان بغرض منع مصر من الوقوع في دوامة الحرب الأهلية!

لكن من جهة أخرى، في الوقت الذي حاول البرادعي فيه – قبل أن يستقيل من منصبه كنائب للرئيس المعين عدلي منصور- تهدئة الرأي العام العالمي، بقوله، إن السيسي كان يتمنى النجاح لمرسي، ولكنه اضطر إلى عزله لمنع مصر من الوقوع في حرب أهلية؛ نفى السيسي هذا الحديث، حينما أكّد أن الخلاف بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين “خلاف عقائدي قديم وعميق”، رغم أن كليهما (البرادعي والسيسي) اتفقا على أنّ الجيش تدخّل لعزل مرسي، منعًا للحرب الأهلية!

“الجيش بادر بعزل مرسي لإنقاذ البلاد من حرب أهلية كانت مقبلة في غضون شهرين وفقًا للتقديرات العسكرية”! -عبد الفتاح السيسي

كيف يمكن اعتبار ما يحدث في مصر حربًا أهلية؟

النقاط السبعة السابقة، هي محاولة لوضع أيدينا على بعض الأحداث التي قد تكون تجلٍّ لما نعتبره نحن حربًا أهلية دائرة رحاها في مصر الآن، وفيما يبدو فقد اتفقت معنا العديد من التقارير في هذا التوصيف، وإن كانت استخدمت تعبيرات أخرى كـ”الاقتتال الأهلي” أو “العنف الأهلي”، ولكن ومع الوضع في الاعتبار التعريف المتقدم ذكره لمصطلح الحرب الأهلية، ثمّ مع النقاط السبعة السابقة، نجد تقاربًا كبيرًا بين الأحداث في مصر ومفهوم الحرب الأهلية كاقتتال ونزاع عنيف أو مسلح، بين مجاميع منظمة داخل البلد الواحد.

وفي كل الأحوال دعونا نطبّق التعريف المتقدم ذكره للحرب الأهلية، والمعايير الواردة، على الحالة المصرية، لنكتشف حقيقة ما إذا كنّا في حرب أهلية دون أن ندري أم لا، اعتمادًا على الأحداث الواردة في النقاط السبعة السابقة:

أولًا: الحرب الأهلية تشترط وجود مجاميع منظمة متصارعة (فريقين منظمين متصارعين).

تشهد البلاد انقسامًا بين فريقين أساسيين، أحدهما معارض للنظام الحالي الناتج عن الانقلاب على الرئيس المنتخب، والثاني مؤّيد للنظام الحالي، ولتحرك الجيش في 3 يوليو ومعارض للرئيس السابق محمد مرسي. ولكل فريق تنظيم أساسي يمثل حالة الصراع: تنظيم جماعة الإخوان المسلمين من جهة، وتنظيم المؤسسة العسكرية من جهة أخرى. ورغم تنوع التجمعات المنضوية تحت كل فريق في هذا الصراع، وقد تختلف مع التنظيم الأساسي الممثل لفريقها، أو حتى لا تعتبره ممثلًا لها، يبقى بفرض الواقع أن الممثلين الأساسيين لفريقي الصراع الدائر في مصر هما التنظيمان سابقا الذكر. ونشير إلى أننا نقصد بـ”التنظيم” توافر الحالة النظامية ومحدداتها في إدارة الصراع الحالي.

كما يبدو فتنظيم المؤسسة العسكرية واسع النفوذ داخل الفريق الممثل له، والمشتمل على مؤسسات الدولة المسلحة وغير المسلحة، وبعض التجمعات الممثلة لما يُعرف بالمعارضة المصرية كأحزاب أو حركات أو تجمعات سياسية ومدنية، بالإضافة إلى مجموعات مدنية مسلّحة، خاضت اشتباكات عديدة وأوقعت قتلى في الطرف الآخر، كما يتضح من الأحداث سابقة الذكر.

جبهة الإنقاذ كانت من الحليف المدني الأوّل لتحرك الجيش ضد مرسي ((euronews

لكن الإشكال يقع فيما يمثله تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، الذي ينضوي تحت فريقه تنظيمات أخرى أكثر عنفًا، غالبًا ما تستنكر قيادة الجماعة ممارساتها، وتنفي أي صلة بينها، في مقابل إصرار الفريق الآخر الربط بينها وبين الجماعة على عدة مستويات، في ذروتها تبلغ الإشارة إلى العلاقة المباشرة بين الجماعة وبين تلك التنظيمات وأعمالها المسلحة بالقيادة والتمويل والتخطيط، وفي أدنى حالاتها تكون الإشارة بالعلاقة العقيدية والفكرية، لكن في كل الأحوال تقف تلك التنظيمات في نفس الصف الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين، مع تركيز تلك التنظيمات على عملياتها ضد القوة المسلحة للفريق الآخر، ما يعزز من افتراضنا أن تلك التنظيمات تقف في نفس الصف مع جماعة الإخوان بحكم الواقع، وإن كانت هي أو الإخوان ينفيان صلتهما ببعضهما، بل يصل الأمر إلى حد الهجوم على بعضهما البعض.

ثانيًا: الحرب الأهلية تشترط وجود الصراع “العنيف” أو “المسلح” بين الفريقين، لأسباب غالبًا ما تكون سياسية، مثل الصراع على السلطة الوطنية.

بدأ الصراع في مصر بتحالفات سياسية في الأساس:

  1. من جهة جماعة الإخوان المسلمين ومعها جماعات وأحزاب وحركات إسلامية، ثمّ انضمت بعد ذلك تجمعات غير الإسلامية لكن رافضة للانقلاب العسكري.
  2. ومن جهة أخرى المؤسسة العسكرية معها مؤسسات الدولة السيادية متمثلة بشكل أساسي في الداخلية والقضاء، بالإضافة إلى أحزاب وشخصيات سياسية وإعلامية.

التحالف الأوّل تشكّل لمواجهة تحركات التحالف الثاني الهادفة إلى إزاحة جماعة الإخوان المسلمين من سدة الحكم. بدأت تحركات التحالف الثاني باستدعاء المطالب “الثورية”، مع إلقاء الضوء على مثالب إدارة مرسي، والمتضمنة بشكل أساسي التطاول الأمني، والذي تمثله وزارة الداخلية بقيادة وزيرها السابق محمد إبراهيم، الذي تحوّل، وتحولت وزارته معه، إلى طرف أساسي في التحالف الثاني!

في الفترة قبل 30 يونيو، وقبل أن تكشف المؤسسة العسكرية عن الطرف الذي تقف في صفه (أو يقف في صفها) وقعت اشتباكات أهلية، أغلبها كما تفيد التقارير، بدأت من قبل مجموعات مدنية منضوية تحت مظلة التحالف الثاني، تمثلت في الهجوم أولًا على مقار جماعة الإخوان المسلمين ومقار حزب الحرية والعدالة، تلك الهجمات اتسمت بالعنف، الذي أدّى إما لإحراق المقرات دون إصابات أو إحراقها مع وقوع إصابات بالغة، بعضها أفضى للموت بين أفراد من جماعة الإخوان، وفي معظم تلك الحوادث لم تقدم الشرطة على فض الاشتباك باعتبار دورها المنوطة به.

لاحقًا، وقبل بيان 3 يوليو بأيّام، تعددت الاشتباكات حيث تُبرز التقارير اعتداء مجموعات مدنية (مسلحة غالبًا) على تجمعات تظاهرية لأنصار الرئيس محمد مرسي، منها ما سبق وذكرناه في النقطة (1). وبعد البيان الذي عُزل بموجبه محمد مرسي، والذي كشف فيه الجيش عن التحالف الذي انحاز له، شهدت البلاد أيضًا اشتباكات أهلية، كالمذكروة في النقطتين (3) و(4)، بالإضافة لها، بدأت القوة المسلحة النظامية للتحالف الثاني، متمثلة في قوات الشرطة والجيش بالتورط في القتل المباشر، عبر أحداث عديدة على مدار أيام اعتصام رابعة، كأحداث الحرس الجمهوري والمنصة، ثمّ أحداث فض الاعتصامات، وأحداث رمسيس الأولى والثانية، وغيرها مما لحقها، حيث اعتداءات الشرطة على التظاهرات. وعلى جانب آخر من البلاد، كانت وما تزال المعركة دائرة بين قوات الجيش والشرطة من جهة، والجماعات والتنظيمات المسلحة من جهة أخرى، وبعض تلك المعارك وصلت إلى مناطق في الدلتا والقاهرة، كما يتضح من النقطة (5).

وفيما أنّ التحالف الأوّل متمسّك بعودة الرئيس محمد مرسي لسدة الحكم، يُصر التحالف الثاني إقصاءَ الأوّل من الساحة السياسية تمامًا، وربما أكثر من ذلك. هذا يُوضّح طبيعة أن الصراع بالأساس على السلطة، رغم أنه قد يأخذ أشكالًا أخرى مع تطوره المستمر.

ثالثًا: تشترط الحرب الأهلية، وقوع ضحايا لها، لا يقلون عن ألف قتيل، على أن يكون من كلا الطرفين 100 قتيل على الأقل.

عدد الضحايا في مصر يفوق العدد المطلوب بكثير. العدد الأكبر بنسبة تفوق 90% من الفريق الرافض للنظام الحالي، والباقي من أفراد الشرطة والجيش أو حتى قضاة كالحادث الأخير في العريش، والذي راح ضحيته 3 قضاة.

آليات الجيش المصري في فض اعتصام رابعة العدوية (AFP)

بعض التقارير تشير إلى أرقام قد تتجاوز خمسة آلاف قتيل من طرف الرافضين للانقلاب منذ 3 يوليو وحتى الآن، فيما تفيد التقديرات الخاصة بقتلى الطرف الآخر، متمثلين بشكل أساسي في عناصر من الشرطة والجيش، بنحو 400 قتيل، في أحداث متفرقة، فردية أو اشتباكات، وأغلبها تتركز في مناطق سيناء، ثمّ في عمليات التفجير، أو كعملية الفرافرة على الحدود الغربية، في سبتمبر 2014.

(لمزيد من التفاصيل حول أعداد القتلى، يمكن مراجعة مشروع “ويكي ثورة” وأيضًا حصاد وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم في 26 شهرًا).

إذًا، ما رأيك الآن؟ هل تشهد مصر حربًا أهلية دون أن ندري؟


عرض التعليقات
تحميل المزيد