في 21 أبريل (نيسان) 2021 وقّع مجموعة من الجنرالات المتقاعدين الفرنسيين عريضة يحذّرون فيها الحكومة الفرنسية من حرب أهلية وشيكة؛ وذلك بسبب تسامح السياسيين الفرنسيين مع «الإسلاموية» حسب قولهم. وحذّر هؤلاء الجنرالات من ظاهرة المجتمعات الإسلامية المنغلقة داخل فرنسا، وتدهور حالة الأحياء الواقعة في ضواحي المدن بسبب ذلك.

وجاءت هذه العريضة التي حملت توقيع 18 جنرال متقاعد، لتصنع جدلًا حادًا داخل فرنسا، إذ أطلق بعض السياسيين صافرة الإنذار، واعتبروها محاولة انقلابية صريحة على الجمهورية، من خلال تدخّل قادة سابقين للجيش في الشؤون السياسية، وتهديد هؤلاء الجنرالات المتقاعدين بأن الجيش «سيضطرّ للتدخّل» إذا لم تأخذ الحكومة هذا الخطر على محمل الجدّ. 

وجاء تاريخ صدور البيان ليرسل رسالة ضمنيّة شديدة الخطورة، إذ جرى إصداره في 21 أبريل الماضي، وهو نفس تاريخ الانقلاب العسكري للجنرالات الفرنسيين في الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية سنة 1961، حين قرّر الجنرالات الفرنسيون الحاكمون في الجزائر إعلان العصيان على الجنرال ديجول بسبب سياسته الميّالة إلى التفاوض مع جبهة التحرير الجزائرية من أجل الاستقلال، بينما كان الجنرالات يرفضون استقلال الجزائر بصفة مطلقة، وبسبب هذا التوقيت، ولهجة البيان اللاذعة، اعتبرته الكثير من الأطراف تدخّلًا مباشرًا للعسكريين في الشأن السياسي، ومحاولة انقلاب واضحة المعالم.

وأكدت حينها وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي بأن الحكومة ستتّخذ إجراءات رادعة ضد الجنرالات الذين وقّعوا البيان المذكور، وسيعرضون على المجلس العسكري الأعلى. وبعدها بأسبوعين برزت عريضة جديدة مؤيّدة للجنرالات المتقاعدين، لكن هذه المرّة من عسكريين في الخدمة، أيّدوا ما جاء في بيان الجنرالات، وبدأت مجلة «Valeurs Actuelles» اليمينية التي نشرت البيان بجمع التوقيعات المؤيّدة، والتي تجاوزت مليوني توقيع؛ مما يوحي بحجم التأييد لموقف العسكريين، وتحذيرهم من «الحرب الأهلية» في فرنسا.

وبرزت أصوات محسوبة على اليمين المتطرّف التي تدعو إلى أخذ هذا البيان على محمل الجدّ والتعامل معه باعتباره نابعًا من «وطنيّة» رجال الجيش الفرنسي وخوفهم على مستقبل بلادهم، واعتبروا هذا البيان نداءً واضحًا لإنقاذ الحضارة الفرنسية من «الخطر الإسلاموي» الذي يتهدّدها. 

«لا أحد يتمنى تدخّل الجيش، ولكن هنالك عددًا متزايدًا يرى بأن هذا هو الحل الوحيد من أجل إيقاف هذا النوع من حروب العصابات، خصوصًا أن الشرطة غير قادرة على التحكم في الوضع». *الكاتب اليميني إيريك زمور

أما مارين لوبان، زعيمة تيّار اليمين المتطرّف والمرشّحة الرئاسية السباقة، فقد دعت إلى مدّ اليد إلى هؤلاء الجنرالات واحتضانهم والاستماع إلى انشغالاتهم، واتهمها البعض بمحاولة استمالة هؤلاء الجنرالات، واستغلال صوتهم من أجل زيادة حظوظها في الانتخابات الرئاسية القادمة. 

ميشال أونفري الكاتب والمفكر الفرنسي كانت له أيضًا نظرة تعاطفية مع بيان الجنرالات، إذ قال إنه لا يرى أن هذا البيان يدعو إلى الحرب الأهلية أو الانقلاب، بل رأى أن البيان جاء ليحذّر السياسيين والمسؤولين في الدولة الفرنسية من أجل إصلاح الأوضاع قبل فوات الأوان؛ لأن الجيش سيكون عليه التدخّل إذا انفلتت الأوضاع، حسب كلامه. 

أما جون لوك ميلونشون، زعيم أقصى اليسار الفرنسي والمرشح السابق للرئاسيات، فقد اعتبرها محاولة صريحة للانقلاب العسكري على الحكومة المدنية، وطالب بمعاقبة هؤلاء العسكريين. أحد المحدّدات التي تغذّي مشاعر الاغتراب هذه لدى الفرنسيين ودفعهم نحو اليمين المتطرّف أكثر، هي بحسب بعض المحللين من اليمين سلوكيات وثقافة جزء من المهاجرين القادمين إلى فرنسا من شمال أفريقيا، خصوصًا من الجزائر، وتونس، والمغرب.

 فقد أصبحت مشاهد الاحتفالات التي تعم باريس ومارسيليا أثناء مباريات المنتخب الجزائري لكرة القدم، وامتلاء الشوارع الفرنسية بالأعلام الجزائرية، وما يصاحب هذه الاحتفالات أحيانًا من أعمال تخريب، ونهب، وإضرام نيران – بحسبهم، بالإضافة إلى مظاهر انتشار الجريمة، والمخدرات، وحوادث الاعتداء التي تحدث في ضواحي المدن الفقيرة حيث يعيش المهاجرون بكثافة.

أيضًا صفوف المصلّين في الشوارع خلال صلاة الجمعة والعيد، أو انتشار النقاب في بعض الأحياء – أصبحت كلّها تعطي انطباعات مخيفة بالنسبة لقطاع من المجتمع الفرنسي، وتوحي للكثيرين باختطاف البلاد من طرف هؤلاء «الغرباء» القادمين مما وراء البحر، وتقوّي الشعور بتحوّل فرنسا إلى مجتمعات معزولة تضمّ قوانين وأعراف خاصة بها.

ومن ثم يأتي حديث اليمين عن القلق الاقتصادي والاتهامات المعلّبة عن المهاجر الذي يأتي إلى فرنسا من أجل الحصول على المزايا الاجتماعية التي توفّرها الدولة، كالحق في السكن، والعلاج، والتعليم، ومنحة البطالة، بينما يعاني الفرنسي ابن البلد من المشاكل والأزمات الاقتصادية.

تيّار اليمين يتغلغل داخل الجيش الفرنسي 

وتحمل هذه العرائض دلالات شديدة الأهميّة حول تغلغل فكر اليمين المتطرّف داخل الأجهزة العسكرية والأمنية في فرنسا، خصوصًا مع الزخم الذي اكتسبت العريضة الثانية وتبنّيها من طرف عسكريين موجودين في الخدمة، وكان موقع «ميديا بارت» للتحقيقات قد نشر عن وجود خليّة نشطة من «النازيين الجدد» داخل الجيش الفرنسي، ضمت 50 عنصرًا جديدًا.

ويعلن هؤلاء العناصر عن قناعاتهم المتطرّفة داخل الثكنات بكل وضوح، وينتشر هؤلاء في العديد من فرق الجيش الفرنسي، من بينها فرقة «اللفيف الأجنبي» ومشاة البحرية والمظليّين، وأوضحت مقاطع مصورة، ينشرها هؤلاء الجنود على مواقع التواصل الاجتماعي، إذلالهم لبعض المواطنين الأفارقة، وإجبارهم على إجراء تمارين الضغط وسط تعليقات عنصرية، أثناء مهماتهم في منطقة الساحل الأفريقي، وتصوير بعض الأطفال في جويانا الفرنسية (مستعمرة فرنسية تقع في أمريكا الجنوبية) وهم يردّدون شعارات نازية بالألمانية.

يمكنك مشاهد هذه المشاهد في هذا المقطع، في الدقيقة 1:46 منه.

ويرى بعض الباحثين أن اليمين المتطرّف يجد أرضًا خصبة في الأجهزة العسكرية في العديد من البلدان الأوروبية، وذلك بعد إلغاء الخدمة العسكرية الإجبارية على المواطنين، وجعل الجيوش احترافية؛ مما يعني أن الجيش لم يعد يعكس التنوّع الموجود في المجتمع، خصوصًا أن الجيوش تمنح لمعتنقي اليمين المتطرّف العديد من العناصر الجذّابة: كالأسلحة، والمعدّات الحربية، واللهجة الحادة، والتراتبية الصارمة، والشعور بالقوّة. 

«الانفصالية الإسلامية».. عنوان الصراع بين الحكومة الفرنسية والهيئات الإسلامية

وكان موضوع مكانة الإسلام والجالية المسلمة داخل فرنسا قد اكتسى بعدًا تصعيديًا في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد عمل الحكومة الفرنسية الدؤوب على التضييق على المساجد والجمعيات الإسلامية بدعوى محاربة التطرّف و«الإسلاموية». 

هذه المشاعر العدائية ضد الإسلام في فرنسا، والتي يغذّيها اليمين المتطرّف بشدّة للترويج لسياساته ضد المهاجرين عمومًا، انتقلت إلى أروقة الحكومة الفرنسية، خصوصًا بعد أن نحت الرئيس ماكرون مصطلحًا جديدًا يُعرف بـ«الانفصالية» (séparatisme) وهو يعني انفصال المسلمين في فرنسا عن قيم الجمهورية، وعيشهم في فقاعتهم دون اندماج حقيقي مع الجمهورية العلمانية، وحسب باحثين كان نحت المصطلح مؤشرًا على تبنّي فرنسا الرسمية ممثلة في حكومتها لخطابات اليمين المتطرّف وسرديته تجاه المسلمين. 

صلاة الجمعة في مسجد باريس

مع هذا الضغط الذي يمارسه اليمين، بدأت حكومة الرئيس ماكرون إجراءات دؤوبة من أجل محاربة ما تسمّيه «الانفصالية الإسلامية»، وذلك منذ حادثة قتل أستاذ التاريخ الذي نشر صورًا مسيئة لرسول الإسلام، وقد صادق البرلمان الفرنسي في فبراير (شباط) 2021 على «قانون مكافحة الانفصالية» الذي يهدف إلى إعطاء المزيد من الصلاحيات للقضاء من أجل معاقبة من يصفهم بنشر «الفكر الإسلاموي المتطرف» ومراقبة التمويل الأجنبي لدور العبادة، بالإضافة إلى إعطاء الضوء الأخضر لإغلاق دور العبادة التي «تنشر خطابات الكراهية أو الأفكار أو النظريات أو النشاطات التي من شأنها أن تروّج للعنف والكراهية، والتمييز ضدّ مجموعات معيّنة على أساس العرق، والإثنية، والمُعتقد، والتوجه الجنسي أو الجندر».

وكان المشروع الأولي للقرار سيجبر العائلات على إرسال أبنائها للمدرسة منذ سن الثالثة من أجل قطع الطريق على المسلمين في إرسال أبنائهم إلى المدارس القرآنية، ولكن فيما بعد جرى تعديل القانون بحيث يسمح للعائلات بإرسال أبنائهم للمدارس الدينية، ولكن بعد أخذ موافقة السلطات المحليّة. 

كما فرضت الحكومة الفرنسية على مجلس الديانة الإسلامية في فرنسا التوقيع على ميثاق مثير للجدل، يُرغم الهيئات الإسلامية، كالمساجد وغيرها، على احترام القيم الفرنسية، مثل العلمانية، والمساواة بين الرجل والمرأة، ورفض توظيف الإسلام في أغراض سياسية، وهو ما قوبل باعتراض الكثير من الجهات الإسلامية داخل فرنسا، واتهموه بتحريف الدين ومحاولة خلق «إسلام فرنسي». 

ويطرح قانون الانفصالية التي أقرّته الحكومة الفرنسية، النقاش المتجدّد حول مدى اندماج الجاليات الإسلامية في المجتمعات الغربية، أو حتى على الصعيد النظري، من خلال مدى توائم الإسلام مع العيش في المجتمع العلماني الغربي، كما عاد إلى السطح النقاش حول النموذج العلماني الفرنسي ودرجة تسامحه مع التنوّع الديني داخل المجتمع، كما يرى مراقبون بأن الحكومة الفرنسية تستهدف بمثل هذه القوانين، الجالية المسلمة أكثر من غيرها، وبذلك تمارس تمييزًا اتجاه المسلمين.

ويعتبر البعض هذا التضييق الذي تمارسه الحكومة الفرنسية تجاه الجالية الإسلامية في فرنسا، انتصارًا لمفهوم المفكّر الأمريكي صامويل هنتجتون عن «صدام الحضارات»، والذي رأى فيه أن الصراعات بعد الحرب الباردة لن تعد ذات أبعاد قومية وأيديولوجية، بل ذات أبعاد حضارية وثقافية. ورأى أن الإسلام بطبيعته غير قابل للذوبان داخل الماكينة الليبرالية واقتصاد السوق، عكس ما روّج المفكّر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه « نهاية التاريخ والإنسان الأخير»؛ إذ اعتبر أن اقتصاد السوق من شأنه صهر جميع الانتماءات والمكوّنات ضمن مجتمع ليبرالي مفتوح.

ردّ هانتجتون كان التأكيد على أن الحضارتيْن الإسلامية والمسيحيّة الأوروبية تتضمّنان حمولة حضارية، وتطرحان نموذجًا في السياسة والاقتصاد والأخلاق ونمط العيش، وليسا مجرّد دين روحاني يمكن حصره في الحيّز الشخصي. وربما تفكر الآن أطراف فاعلة في فرنسا من خلال نفس المعادلة وهو ما يدفع الحكومة الفرنسية، إلى النظر إلى للنشاط الإسلامي باعتباره مصدر تهديد، وبالتالي ضرورة العمل على تقييده واحتوائه، وسنّ القوانين والتشريعات التي من شأنها ضمان تحكّم الدولة في الساحة الدينية، دون إعطاء الأولوية بالضرورة لمبادئ حرية الدين والكفر وحياد الدولة اتجاه جميع المعتقدات.

وبعد قتل أستاذ التاريخ صاوميل باتي، بسبب نشره رسومات مسيئة لنبي الإسلام في أكتوبر 2020؛ قرّرت الحكومة تصعيد هجومها على المساجد والجمعيات الإسلامية، إذ قامت بإغلاق كل من منظمة «التجمع ضد الإسلاموفوبيا بفرنسا» وجمعية «الشيخ أحمد ياسين» الفلسطينية، بالإضافة إلى أكثر من 70 مسجدًا ومدرسة قرآنية بدعوى نشر التطرّف.

وكانت حوالي 20 جمعية لمسلمي أوروبا قد وجّهت رسالة مفتوحة للرئيس ماكرون، تشير فيها إلى أن هذه الجمعيات تعمل على نشر السلام والتعايش بين جميع أصحاب الديانات والمعتقدات، وتطالبه بالتوقّف عن حملته ضد الإسلام والجمعيات الإسلامية لأنه من وجهة نظرها يوجه سهامه في المكان الخاطئ؛ لأن الجمعيات التي تغلقها هي تلك التي تحاول خلق التعايش ومحاربة الانفصالية. 

وتضيّق الحكومة الفرنسية على الجميعات الإسلامية وتتحكّم بها من خلال ورقة التمويل؛ إذ ترى بأن هذه الجمعيات تساهم في تكريس «الانفصالية الإسلامية»، بل إن هنالك أصواتًا من اليمين المتطرّف تزعم وجود «تحالف» بين المسجد ومناطق الضواحي من أجل نشر الجريمة والفوضى في البلاد، في حين تؤكد أصوات أخرى دور الجمعيات الإسلامية والمساجد في إدماج المهاجرين في المجتمع الجديد، وإبعادهم عن التطرّف والجريمة. 

وأشار تقرير لـ«دويتشه فيله» إلى أن المساجد ساعدت الجالية السورية التي غادرت بلادها جرّاء الحرب، على الاندماج في المجتمع الألماني على سبيل المثال، هذا بالإضافة إلى دورها الإنساني والمجتمعي، ولا شكّ أن هنالك مساجد تطلق خطابًا متطرّفًا أو تصادميًا تجاه المجتمعات الغربية المحلية التي يعيش بها المسلمون؛ ولكن ربما التضييق على الجمعيات الإسلامية التي تنشط في العلن والمعروفة بخطابها المعتدل، من شأنه أن يدفع الأصوات المتطرّفة إلى الظلّ والعمل السريّ، وهو ما سيصعّب اكتشافها والتصدي لها.

هل تفسّر الديمغرافيا القلق الفرنسي تجاه الإسلام؟

ويرى البعض أن حرب الحكومة الفرنسية المعلنة على «الانعزالية الإسلامية» وانتفاض اليمين المتطرّف وأذرعه داخل الجيش الفرنسي ضد تنامي مظاهر الإسلام في البلاد، ليس منبعه التهديد الأمني التي تشكّله الجماعات الإسلامية العنيفة، بل إن لب الموضوع يكمن في الديموغرافيا.

مسجد باريس 

فمع تنامي أعداد المسلمين داخل المجتمع الفرنسي وزيادة أعداد معتنقي الإسلام من الفرنسيين، وبطبيعة الحال وصول هؤلاء المسلمين إلى مراكز عليا داخل الدولة والمجتمع، في مقابل الزيادة الديموغرافية المحتشمة للمجتمعات الأوروبية؛ فإن طبيعة النسيج المجتمعي لهذه الدول الأوروبية، وقيمها التأسيسية أصبحت على المحك. وبالتالي فإن الأزمة ليست ذات طبيعة أمنية، أو انفلات قانوني أو خوف من أعمال عنيفة محتملة، بل يتعلّق بمستقبل هذه البلدان وتوجّهها الحضاري ومدى تقبّل نموذجها السياسي والمجتمعي العلماني للتنوّع الديني، الذي يشكّل المسلمون الجزء الأبرز فيه. 

وفي تقرير لمركز «بيو» للاستطلاعات سنة 2017، أشار إلى أن فرنسا فيها أكبر نسبة مسلمين بأوروبا؛ إذ بلغ عددهم 5.6 مليون نسمة بنسبة 8.8، كما أشار إلى أن نسبة نمو السكان المسلمين أكثر من الأوروبيين، أيضًا فإن المسلمين في أوروربا أكثر شبابًا، ويتميزون بنسبة إنجاب أكثر من الأوروبيين. 

وفي ظلّ هذا التحدّي الديموغرافي الذي فرضه المسلمون في فرنسا، ناهيك على الطبيعة المحايدة للقيم العلمانية التي تفرض مسافة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات، أصبح التأكيد على النموذج العلماني الحاد لوحده غير كافٍ للحفاظ على نمط العيش الفرنسي، وبذلك بدأ الخطاب السياسي اليميني يتّجه أكثر فأكثر نحو ضرورة استرجاع الهوية «المسيحية اليهودية» للحضارة الأوروبية، والتأكيد على خصوصيّتها وتاريخها، حسب خطاب الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي.

اللائكية الفرنسية.. حماية الدولة من سلطة الدين

تبنى ماكرون طرحًا أكثر تصالحًا مع الكنيسة الكاثوليكية، وكان قد التقى البابا الفاتيكان ووعده بـ«محاربة التطرّف»، وهو ما عتبره البعض مغازلة للتيارات الكاثوليكية في فرنسا، وتجد المشاعر العدائية تجاه المسلمين تيارات فكرية وسياسية تغذيّها، وتستثمر فيها لأغراض انتخابية، بالإضافة إلى وسائل الإعلام التي كثيرًا ما تبني انحيازًا واضحًا تجاه المسلمين.

في هذا السياق تطرح إشكالية النموذج العلماني الفرنسي (اللائكي) الصارم تجاه مكانة الدين في الحيّز العام، إذ تمنع فرنسا بشكل قاطع المظاهر الدينية في المؤسسات العمومية كالمدارس والمستشفيات، من أجل التأكيد على ضمان حياد الدولة اتجاه جميع الأديان، وهذا ينطبق على الشعارات الإسلامية تمامًا كما ينطبق على المسيحية مثل الصليب أو صورة العذراء؛ لكن الإجراءات الأخيرة التي دخلت تحت ستار محاربة «الانعزالية الإسلامية» جعلت الجاليات المسلمة تحسّ بأن اللائكية الفرنسية تستهدفهم وتمارس التمييز ضدّهم حصرًا.

وتعدّ هذه المقاربة الصارمة في النموذج العلماني الفرنسي نتيجة لتطوّرات تاريخية متعلقة بالثورة الفرنسية التي قامت على الحكم الملكي المتحالف مع الكنيسة الكاثوليكية، وهو عكس النموذج العلماني الأمريكي أو البريطاني الذي يُبدي تسامحًا أكبر مع الرموز الدينية وتواجدها في الفضاء العام، إذ يربطها بالحرية الشخصية للأفراد على اختلاف انتماءاتهم الدينية؛ مما يتيح للمسلمين في هذه البلدان الاندماج بشكل أسهل دون الشعور بالانفصال عن دينهم.

وفي الوقت الذي تهدف العلمانية الأمريكية إلى حماية الدين من تدخّل الدولة أو اضطهادها للجماعات الدينية المختلفة والحدّ من حريّتها في ممارسة شعائرها، فإن العلمانية الفرنسية جاءت لحماية الدولة من تدخّل الدين، وتعود جذورها إلى نادي اليعاقبة، الذي حكم فرنسا عقب الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، ويشير مصطلح «الدولة اليعقوبية» اليوم إلى تيّار المؤمن بمركزية الدولة الجمهورية، ودورها في صياغة شكل المجتمع، وتحييد التيارات الدينية عن سلطة الدولة. 

في المقابل فإن العلمانية الأمريكية تتعامل مع الدين في الفضاء العام من منظور مختلف؛ إذ تملك الجماعات المسيحية في أمريكا سلطة سياسيّة متجذّرة، لعلّ أبرزها طائفة الإنجيليين (evangelicals) التي يسعى المترشّحون المحافظون من الحزب الجمهوري لكسب تأييد أعضائها في انتخابات الرئاسة أو الكونجرس، وقد ساهمت هذه الطائفة بشكل كبير في وصول الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

وفي حين تحاول التيارات اليمينية حصر المهاجرين المسلمين في دور المتطرّفين أو اللصوص أو الشباب الطائش الذي لا يملك أوراقًا ثبوتيّة، إلا أن الواقع يشير إلى تواجد المسلمين في مناصب ومهن راقية في المجتمع؛ إذ يتواجد 15 ألف طبيب جزائري في المستشفيات الفرنسية، بالإضافة إلى 14 ألف مهندس في الشركات الفرنسية. ويوجد أيضًا 95 ألف جزائري صاحب شهادة جامعية في سوق العمل.

لكن هل من الممكن أن يؤدي هذا الاحتقان الذي تعيشه فرنسا إلى حالة من الحرب الأهلية؟ يطرح مراقبون احتماليّة اندلاع أعمال عنف كبيرة في المجتمع الفرنسي، من بينهم تيبو دو منتبريال، المحامي وعضو «مركز التفكير حول الأمن الاجتماعي»، إذ يرى أن الساحة السياسية والاجتماعية شديدة احتقان، لدرجة لم يسبق لها مثيل منذ الحرب في الجزائر، وأن العنف قد أضحى هو السبيل الاعتيادي لمعالجة المشاكل في الداخل الفرنسي، من خلال التعامل العنيف مع الاحتجاجات والمظاهرات؛ ويرى أن سيناريو العنف الشامل قد ينطلق من مجرد إطلاق النار من طرف شرطي ضد مجموعة من المتظاهرين؛ مما قد يكون له «أثر الدومينو»، ويدخل البلاد في دوامة واسعة من الفوضى. 

تاريخ

منذ سنة واحدة
بين التحالف والحروب.. مختصر تاريخ فرنسا والإسلام

المصادر

تحميل المزيد