ملايين الأسلحة في أيدي المدنيين حول العالم، بموازاة حوادث إطلاق نار عشوائي يروح ضحيتها آلاف الأبرياء؛ تثير نقاشات جماهيرية شائكة وأحيانًا انقسامات مجتمعية مريرة، لا تكاد تهدأ حتى تطل برأسها من جديد، حول فوائد وأضرار امتلاك المدنيين للسلاح، وما إذا كان ينبغي توسيعها أم تقييدها.

الحجة الرئيسية التي يتشبث بها المؤيدون للقوانين التي تكفل امتلاك المدنيين للأسلحة، هي: «الدفاع عن النفس»، في عالمٍ يمتلك فيه المدنيون نحو 84% من الأسلحة الصغيرة الموجودة في العالم، والتي تقدر بـ857 مليون سلاح بحسب مسح الأسلحة الصغيرة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
من قصص الجاسوسية.. كيف دربت بريطانيا عملاءها خلال الحرب العالمية الثانية؟

المفارقة أن هذه الحجة نفسها، يستند إليها المعارضون الذين يرفعون أصواتهم بالتحذير من خطورة انتشار آلات القتل في أيدي المدنيين، ملوِّحين بإحصائيات مرعبة عن آلاف القتلى والجرائم، وتردِّى مستوى الأمن؛ إذ يُقتَل في كل عام حوالي نصف مليون شخص بسبب جرائم العنف، بحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

ومع كل مذبحة جديدة ترتكب بالأسلحة النارية، يصعد على السطح هذا الجدل القديم المتجدد حول جدوى السماح للمدنيين بامتلاك الأسلحة، وهل انتشار السلاح وسيلة فعالة للدفاع عن النفس، قبل أن تكون وسيلة للدفاع الجماعي في حال حدوث تهديد للأمن القومي، أم أنها تصب النيران على البنزين، وتزيد من احتمالية وقوع جرائم مروعة؟

لتتضح الصورة أكثر؛ سنبدأ باستعراض واقع السلاح في الولايات المتحدة صاحبة العلاقة الفريدة بهذه الظاهرة، وتحوُّل ألمانيا اللافت من الشعور الراسخ بالأمن الراسخ إلى تفشي الخوف في نفوس المواطنين، ونُعرِّج بعدهما على تجربتي نيوزيلندا وأستراليا في مواجهة حوادث إطلاق النار، ثم نستكشف تجربة كندا مع الأسلحة الهجومية.

التجربة الأمريكية.. حين يصبح السلاح جزءًا من نسيج المجتمع

علاقة الولايات المتحدة بالسلاح «معقدة، وعميقة، ومزمنة» – على حد وصف مركز بيو للأبحاث – لأنها تتداخل مع نسيج المجتمع الأمريكي منذ الأيام الأولى لتأسيس البلاد، حتى إن امتلاك سلاح يُعدُّ مصدرًا للفخر لدى العديد من الأمريكيين، الذين يمتلكون أسلحة أكثر من أي شعب آخر في العالم، حسبما تظهر البيانات المستمدة من مشروع مسح الأسلحة الصغيرة.

وليس سهلًا أن تقنع بغير ذلك كثيرين ممن شبُّوا في بيوتٍ تمتلك أسلحة، وهؤلاء لا يقل عددهم عن ثلثي الشعب، أي حوالي 4 من كل 10 أمريكيين. ناهيك عمن لا يكتفون بامتلاك سلاحٍ واحد، وهم أغلبية حائزي الأسلحة: 37% يمتلكون 2 – 4 أسلحة، و29% يمتلكون أكثر من 5 أسلحة.

لكن في الوقت ذاته، يتفق نصف البالغين الأمريكيين على أن العنف المسلح يمثل مشكلة كبرى في بلادهم، ويرن أن السبب الرئيس في ذلك هو: السهولة التي يتيح بها القانون امتلاك أسلحة نارية.

وسواء كان الهدف هو الصيد أو الرياضة أو الحماية الشخصية، يعد معظم الأمريكيين الحق في حمل السلاح مكونًا أساسيًّا من حريتهم الشخصية، لكن في الوقت ذاته ترى أغلبية الشعب – سواء كانوا يمتلكون أسلحة (77% أو لا يمتلكونها (87%)- ضرورة فرض قيود على امتلاك الأسلحة، لمنع وصولها إلى أيدي الأشخاص الذين يعانون من أمراض عقلية، والمدرجين على قوائم حظر الطيران أو المراقبة الفيدرالية.

ألمانيا.. «واحة الأمن» التي لم يعد يشعر شعبها بالأمان

في ألمانيا، ليس من السهل اقتناء سلاح من دون سبب وجيه، إلا إذا كانت مهنة الشخص هي الصيد أو أي عمل آخر ترى فيه الحكومة أنه يتطلب حيازة السلاح. ورغم ذلك يتجاوز نسبة من يمتلكون أسلحة في ألمانيا 30%، فيما تشكل جرائم القتل بالأسلحة النارية حوالي 26% من إجمالي الجرائم التي ترتكب في هذا البلد.

كان الهجوم المسلح الذي أودى بحياة تسعة أشخاص في مدينة ميونيخ بولاية بافاريا عام 2016، مُحَفِّزًا لمراجعة قوانين امتلاك الأسلحة في البلاد، وفرض قيود أكبر على بيعها، وتعهَّد زيجمار جابرييل، نائب المستشارة الألمانية، بـ«بذل كل ما في وسعنا لفرض رقابة صارمة على إمكانية الحصول على أسلحة قاتلة».

والنتيجة أن هذا البلد الذي «لطالما كان واحة آمنة خضراء في أوروبا»، شهد إقبالًا محمومًا على ترخيص حيازة الأسلحة الشخصية، بنسبة 63% في ذلك العام؛ وهو ما «يكشف عن أنَّ الأمن بات قضية كبرى، والناس ما عادوا يشعرون بالأمن»، على حد قول وزير داخلية ولاية سار لاند، كلاوس بويلون.

Embed from Getty Images
حادث إطلاق النار في بلدة روت إم سي الألمانية.

«على أوروبا أن تقيد حق ترخيص الأسلحة»

في بداية العام الحالي، احتل جدل امتلاك المدنيين للأسلحة صدارة الصحف واللقاءات التلفزيونية في ألمانيا مجددًا، وكانت الدفة تميل في اتجاه فرض قيود على حيازة الأسلحة بعد حادث إطلاق النار في بلدة روت إم سي.

وقالت صحيفة بيلد الألمانية إن «وجود سلاح في أيدي المدنيين يمثل خطرًا أكبر من أي منفعة منتظرة». وبينما اعترفت الصحيفة الخاصة بأن «حمل السلاح ثقافة متجذرة في عدة دول أوروبية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية»، فإنها اعتبرت هذه الظاهرة «تشكل خطرًا كبيرًا، ولم تعد ذات جدوى، خصوصًا في ظل غياب التهديدات الجماعية التي يمكن أن يشارك المدنيون في دحرها، ووجود جيوش محترفة قادرة على أداء مهامها».

ومضت قائلة: «الساسة في الدول الأوروبية مطالبون بفرض قيود على حمل السلاح، حتى لو وصل الأمر إلى إدخال تعديلات دستورية لتقييد حق ترخيص الأسلحة، لأن حوادث العنف الدموية ذات الصلة في تزايد مستمر، وآخرها الجريمة البشعة في روت إم سي».

كيف واجهت نيوزيلندا وأستراليا حوادث إطلاق النار؟

بعد مقتل 50 شخصًا في مذبحة كرايستشيرش عام 2019، سارعت نيوزيلندا إلى تقييد حيازة المدنيين للأسلحة. وكان التصويت في البرلمان باكتساح لصالح حظر الأسلحة نصف الآلية ذات الطابع العسكري.

إلا أن تقديرات مجلس مالكي الأسلحة المرخصة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2019، تشير إلى أن هناك 170 ألف سلاح شبه آلي غير قانوني ما زال متداولًا في البلاد. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أبرزها: ضآلة التعويضات الممنوحة لمن يسلمون أسلحتهم للسلطات.

وفي أستراليا، انتصرت قيمة الأمن الجماعي على مخاوف الدفاع عن النفس، بعد أربع حوادث إطلاق نار عشوائي بين عامي 1987 و1996، أعقبها البرلمان بإصدار قوانين أكثر صرامة بشأن حيازة الأسلحة النارية. ومنذ ذلك الحين، لم تتعرض البلاد لأي عملية قتل جماعية، حسبما تظهر بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي لعام 2016، فيما انخفضت فرص ارتكاب جريمة قتل بسلاح ناري بنسبة 72% لتصبح 0.15 من بين كل 100 ألف شخص عام 2014، بعد أن كانت 0.54 عام 1996.

Embed from Getty Images
جلسة محاكمة المتهم في هجوم كرايستشيرش في نيوزيلندا.

تجربة كندا مع الأسلحة الهجومية.. الانقسام لا يمنع اتخاذ موقف

بعد أقل من أسبوعين من هجوم مسلح في مقاطعة نوفا سكوتيا شرقي كندا، أسفر عن مقتل 22 شخصًا في أكثر جرائم القتل الجماعي دموية في تاريخ البلاد الحديث، أصدر رئيس الوزراء جاستن ترودو إعلانًا، طال انتظاره، بحظر استخدام 1500 نوع من الأسلحة الهجومية.

وتحظر القوانين الجديدة التي أقرها ترودو في 2 مايو (أيار) الماضي، بيع ونقل واستيراد واستعمال 1500 نوع من هذه الأسلحة. وتعد هذه القوانين سارية المفعول على الفور، على أن يستفيد مالكو الأسلحة من عفو لمدة عامين.

ولا يشرِّع الدستور الكندي اقتناء الأسلحة، لكن اقتناءها شائع، خاصَّة في المناطق الريفية، وإن كانت منظمات المجتمع المدني والنشطاء وجماعات الضغط تدفع منذ عقد لحظر استخدام الأسلحة الهجومية على وجه التحديد.

تُعَدُّ الخطوة الكندية درسًا لكيفية اتخاذ تدابير صارمة للسيطرة على انتشار الأسلحة بين المدنيين، يمكن أن يلهم كثيرًا من دول العالم.

لا غروَ أن تثير قرارات ترودو انقسامًا مجتمعيًّا كبيرًا، فكندا لم تكن دولة مناهضة لامتلاك الأسلحة، إذ كان المدنيون يملكون 12.7 ملايين سلاح ناري في عام 2017، بما يشمل الأسلحة القانونية وغير القانونية، وهو ما يعادل 34.7 أسلحة لكل 100 نسمة، مما يضع كندا في المركز الخامس بين دول العالم في هذا الإطار.

وفي 2018 فقط، حصل ما يقرب من 2.2 ملايين شخص على ترخيص لامتلاك أسلحة نارية في كندا. وتصدرت أونتاريو وكيبيك قائمة المقاطعات والأقاليم التي تتنشر فيها الأسلحة.

على أحد الجانبين، انتقدت جماعات حقوق السلاح ما وصفته بالقرار «المعيب والخطير»، واتهمت الحكومة بمحاولة «الاستيلاء على الأسلحة المملوكة للسكان».

على الجانب الآخر، رحب المناهضون لانتشار الأسلحة، بهذا القرار، لكنهم طالبوا بالمزيد من الإجراءات التي تشمل فرض قيود على المسدسات، وتشديد إجراءات التفتيش على الحدود لمنع تهريب الأسلحة من الولايات المتحدة.

لكن بعيدًا عن هذا الانقسام، تُعَدُّ الخطوة الكندية درسًا لكيفية اتخاذ تدابير صارمة للسيطرة على انتشار الأسلحة بين المدنيين، يمكن أن يلهم كثيرًا من دول العالم، على حد قول الصحافية جيليان كيستلر دامور، أو على الأقل تُحرج أمثال ترامب في بلدٍ يعاني من مستوى كارثي من العنف المسلح.

اقتناء المدنيين للسلاح.. ما بين صعود اليمين المتطرف وخطر الحرب الأهلية

في تصريحات خاصة أدلى بها خبير الأسلحة الألماني، أود فلويرنت، عبر الهاتف، قال: إن ظهور النصوص القانونية التي تسمح للمدنيين باقتناء الأسلحة، كان مرتبطًا تاريخيًّا بفترات التهديدات الكبيرة للأمن القومي للدول الغربية، مثل فترة الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، والحرب الباردة (1945-1991).

وتابع: «كان هناك شعور جماعي بتراجع الأمن، ورغبة سياسية وشعبية في الدفاع عن الأمن القومي، لكن هذا الأمر تغيَّر، ولم تعُد التهديدات كما كانت إبَّان هذه الفترات، وبات وجود الأسلحة في أيدي المواطنين يشكل تهديدًا للأمن الداخلي، وليس تعزيزًا لمنظومة الأمن الجماعي».

وأضاف: «الاتجاه الشعبي الآن يدفع باتجاه فرض مزيد من القيود على امتلاك المدنيين للسلاح، خاصة في ظل صعود اليمين المتطرف في أوروبا، والخوف من وقوع الأسلحة في أيدي عناصره، ما يمثل خطرًا كبيرًا».

دولي

منذ 8 شهور
«واشنطن بوست»: هل تشتعل حرب أهلية جديدة في أمريكا؟

إلى جانب أمريكا التي يكفل دستورها للمواطنين اقتناء الأسلحة، ينتشر السلاح بكثافة بحوزة المدنيين في دول أخرى كثيرة، أبرزها الهند وألمانيا وسويسرا. لكن الأخطر هو انتشار السلاح في دول الشرق الأوسط، المبتلى بتهديد ذي رأسين: القمع الحكومي، والتمرُّد المسلح.

حول امتلاك المدنيين للسلاح في دول الشرق الأوسط، ضرب خبير الأسلحة الألماني مثالًا باليمن، فقال: إن «امتلاك نسبة كبيرة من المواطنين للأسلحة في بلد تتهاوى فيه القبضة الأمنية منذ سنوات، سهَّل اندلاع حرب أهلية قتلت الآلاف».

وأضاف أن «وجود السلاح بكثافة في أيدي المدنيين في دول الشرق الأوسط، يصنع تحديًا كبيرًا للدول المركزية التي تحتكر استخدام القوة، فإما أن يكون هذا الأمر لصالحها؛ عن طريق مشاركة حاملي السلاح من المدنيين في عمليات قمع المعارضة (على غرار تجربة الشبيحة في سوريا)، وإما أن تعمل هذه الظاهرة ضدها؛ إذا سهَّل انتشار السلاح عمليات التمرُّد المسلح».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد