يشيع اعتقاد بأن جائحة فيروس كورونا، قد سَاوَتْ بين الأغنياء والفقراء في المغرب، لكن الواقع يقول خلاف ذلك. فقد زادت أزمة كورونا من اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية؛ إذ بقي الأغنياء بعيدين نسبيًّا عن تأثيرات الجائحة، وازدادت ثراوت بعضهم، فيما ألحقت الأزمة الضرر الأكبر بالفقراء، الذين خسروا أعمالهم المتواضعة، وأصبح الكثير منهم عاطلًا عن العمل؛ مما زاد من معاناتهم وعائلاتهم.

ويمكن القول بأن المغرب كان يعاني سلفًا من الفوارق الطبقية الفجة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون أي شيء، إلا أن كوفيد-19 عمَّق عدم المساواة في الموارد أكثر، وهو تفاوت يمس الحقوق الجوهرية للإنسان؛ على مستوى الدَّخل والصحة والتعليم.

على مستوى الدخل.. الأغنياء يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقرًا

أزال وباء الفيروس التاجي الستار عن عدد من التفاوتات بين الطبقات الاجتماعية في المغرب، من بينها عدم المساواة الاقتصادية، بين قلة تكتنز الأموال، وطبقة شعبية واسعة تعيش الفقر المدقع، خاصة في القرى.

ويواجه الاقتصاد المغربي، حسب البنك الدولي، أعمق ركود اقتصادي متوقع منذ عام 1995م على إثر هذه الجائحة، ومن المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي ويسوء سوق العمل أكثر؛ إذ ستتأثر أجور العمال، ولا سيما العاملون في القطاع غير الحكومي. ومن المرتقب أن يخسر حوالي 712 ألف شخص وظائفهم في المغرب هذا العام حسب المسؤولين، لترتفع البطالة إلى 14.8% من النسبة الإجمالية للسكان.

وفَقَدَ آلاف العمال عملهم في قطاع النقل والنسيج والسياحة، فيما تعرضت الأجور الضعيفة للبعض الآخر للخصم، وبدأت عقود العمل القصيرة في الانتشار؛ إذ لا يتطلب من أرباب الشركات الالتزام بالحقوق الاقتصادية الكاملة للعمال، أما الذين يجلبون قوت يومهم من الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة، مثل الباعة المتجولين والمياومين (العمال اليوميين) والفرَّاشة؛ فقد جرى تحييدهم من الفضاءات العامَّة إجراءً وقائيًّا من انتشار الفيروس، فخسروا مورد قوتهم.

أضافت هذه الندرة بخصوص فرص العمل المتوفرة في السوق، مع البطالة المتفشية وتقلص الأجور؛ المزيد من الأعباء الثقيلة على كاهل أفراد الطبقات الشعبية الكادحة والمتوسطة أيضًا، الذين تتعرض مدخراتهم للاستنزاف وتتراجع إيراداتهم الشهرية، ومع غلاء المعيشة ربما يسقط الكثير منهم في مستنقع الفقر المدقع؛ إذ يشير تقرير رسمي إلى أن أكثر من مليون مغربي مهددون بالفقر، بسبب التداعيات الناتجة من وباء فيروس كورونا المستجد.

ومع أن الحكومة المغربية قد قدَّمت إعانات مالية لقسم من الفقراء والعاطلين عن العمل من جرَّاء الوباء، إلا أن هذه المساعدات تظل متواضعة وغير كافية، لا سيما وأن الجائحة ما زالت مستمرة، وتداعياتها الاقتصادية ستلقي بظلالها على سنين مقبلة.

بينما نمت أموال العديد من الأثرياء خلال هذه الأزمة، وفي هذا الصدد تقول منظمة «أوكسفام»، إن «ثروة أصحاب المليارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها المغرب، تزايدت منذ بداية انتشار الوباء بما يقارب 10 مليارات دولار». وحتى الأغنياء الذين تضررت مشروعاتهم، فإن مدخراتهم المتخمة في البنوك داخل البلاد وخارجها تُحصن أمنهم المالي، وبالتالي لن يتضرروا كثيرًا في عيشهم كما يحصل للفقراء.

وكان النائب من فيدرالية اليسار الديمقراطي، عمر بلافريج، قد دعا إلى سن «ضريبة استثنائية على ثروات الأغنياء»، من أجل دعم الصالح العام في هذه الظرفية الحساسة، إلا أن أثرياء المغرب رفضوا ذلك ولم يمر مقترحه في البرلمان.

كما أن أجور المسؤولين الكبار والبرلمانيين والوزراء، والتي تفوق أقرانهم في دول أوروبية غنية؛ لم يجر تخفيضها للمساهمة في تجاوز الأزمة، بالرغم من اعتماد الحكومة المغربية سياسة تقشفية، في وقت بات فيه الكثير من الشباب المغربي يجد امتلاك منزل وتأسيس أسرة، مثل بقية الناس في العالم، حلمًا بعيد المنال.

على مستوى التعليم.. التعليم الإلكتروني لا يعرف الفقراء!

لا يقتصر الأمر فقط على تَوسُّع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بل تنتقل أيضًا اللامساواة إلى أطفالهم في المدارس؛ إذ يواجه الطلاب الأكثر فقرًا عقبات متزايدة في قدرتهم على الحصول على تعليم جيد خلال هذه الفترة التي تضرب فيها الجائحة، في حين أن أبناء الأغنياء يملكون العديد من الحلول.

وأجبر الوباء المغرب، على غرار بلدان العالم، على إغلاق المدارس لشهور للحد من انتشار الفيروس، وقُدمت دروس على عُجالة للتلاميذ عن بعد، وما تزال وزارة التعليم المغربية تعتمد أساسًا على التعليم عن بعد خلال هذا الموسم الدراسي الجديد، في ظل استمرار الجائحة، إلا أن هذا الإجراء الاضطراري عمَّق عدم المساواة أكثر في التعليم بين الأطفال المغاربة.

ووجَّهت مجموعة من الجمعيات المغربية رسالة موحدة إلى الوزارة، تنتقد فيها الضرب الصارخ لمبدأ تكافؤ الفرص في تعليم الأطفال المغاربة، وتقول إن «إقرار عملية التعليم عن بعد، دون توفير الوسائل المادية واللوجستية اللازمة لتحقيق وإنجاح هذه العملية، يعد إقصاء لعدد كبير من التلاميذ الذين لا يتوفرون على حواسيب، أو لوحات ذكية، أو تغطية لشبكة الإنترنت، وعدد كبير من القرى لا تتوفر حتى على ربط بشبكة الكهرباء».

وتؤكد اليونيسيف هذا الاستنتاج بالقول بأن حوالي 40% من التلاميذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غير قادرين على الحصول على التعليم عن بعد، وهي النسبة التي تشمل المغرب.

يعاني تلاميذ القرى وأطفال الكادحين بالفعل من عدم المساواة في الحصول على التعليم الجيد؛ نتيجة ظروفهم الأسرية والمجالية الفقيرة، إلا أن جائحة كورونا جاءت لتوسع الفجوة أكثر مع أبناء الأغنياء؛ إذ لا يمتلك التلاميذ الفقراء الوسائل الإلكترونية اللازمة للتعلم عن بعد، من حواسيب وأجهزة لوحية وإنترنت، كما أنهم عادة ما يعيشون في منازل ضيقة ومكتظة وغالبًا متوترة بالاضطراب الأسري، وهو ما لا يشجع جلوسهم في البيت للدراسة.

ونتيجة للانقطاع الدراسي الطويل، فإن أطفال الفقراء يصبحون أكثر عرضة للتكرار والتسرب المدرسي، والذي ينجو، قد لا يكتسب العديد من المهارات الأساسية للتعليم، كالقراءة والكتابة والحساب، مما قد يدمر مسارهم الدراسي منذ فترة مبكرة، ومن ثمة قد يسقط الكثير منهم في عمالة الأطفال وزواج القاصرات، خاصة في الأرياف.

في حين يستطيع أبناء الأثرياء تجاوز التحديات التي فرضتها الجائحة على عملية التعليم بسهولة. إذ يتوفر لهم  وسائل الوصول إلى المعرفة من كتب وإنترنت وأجهزة مختلفة، وأنهم يعيشون في بيئة مريحة ومشجعة على التعلم، فضلًا عن أن أسرهم تستطيع توظيف مدرس خاص لتدريس أبنائهم في البيت، وبالتالي لا يتأثرون كثيرًا بتداعيات الوباء على مستوى الدراسة.

وسيستمر عدم المساواة في التعليم الناجم عن هذه الأزمة في التأثير في مستقبل أبناء الفقراء على المدى الطويل، إذ إن التفاوت في الحصول على التعليم الجيد، يقود إلى تقرير مصير حياة الأفراد بشكل غير متكافئ، ليس فقط على مستوى الدخل وإنما على جميع جوانب الحياة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام الطبقي نفسه.

على مستوى الصحة.. الفقراء أكثر عُرضة للمرض والموت أيضًا

زادت الجائحة كذلك من عدم المساواة في الصحة بين الأثرياء المحظوظين والمحرومين في المغرب، فعلى الرغم من أن الفيروس التاجي يهدد صحة المليارديرات والعاملين من ذوي الدخل المنخفض على حد سواء، إلا أن هؤلاء الأخيرين معرضون بشكل كبير لخطر الإصابة بالمرض. إذ تشير الأبحاث، حسب صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى أن أولئك الذين يعيشون في الطبقات الاقتصادية الدنيا هم الأكثر عرضة للإصابة بالمرض والموت خلال هذه الجائحة.

إذ يختلف خطر الإصابة حسب المكان الذي تعيش فيه، فالمناطق الأفقر في المدن هي التي لديها أعلى معدلات الإصابة، وأحياء الدار البيضاء الشعبية التي انفجر في بعضها الوباء دليل على ذلك. كما أنه من المرجح أن يكون معظم الذين فتك بهم الفيروس المستجد من الفقراء، الذين هم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة والهشاشة الصحية ومن ثمَّة يصبحون فريسة سهلة للفيروس.

أيضًا، أفراد الطبقة المتوسطة والكادحة هم الذين يتعين عليهم المخاطرة بالخروج من المنزل للعمل، مما يعرضهم أكثر للإصابة، تمامًا كما حدث بمزارع الفراولة في منطقة «لالة ميمونة» بولاية القنيطرة، عندما انفجرت بؤر وبائية بالمئات من الإصابات بين العاملات الفلاحية. فالحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي هو ترفٌ لا يستطيع سكَّان الأحياء الفقيرة والعمَّال المياومون الحصول عليه، بعكس الأغنياء.

مقبرة كورونا العراق

علاوة على ذلك، يحصل الأثرياء الذين أصابهم فيروس كورونا على خدمة طبية أفضل، سواء لقدرتهم على الكشف مبكرًا والوصول إلى المستشفيات المخصصة سريعًا، أو لاستخدامهم السلطة والمال للحصول على رعاية تفضيلية خاصة مع نقص الأجهزة التنفسية، وهو ما يشكل فرقًا بين الحياة والموت.

ويمكن أن تجعل هذه الظروف الفيروس التاجي مميتًا في أوساط الفقراء بأضعاف مما هو الحال عليه بين الأثرياء، وفقًا للبيانات الصادرة عن المراكز الصينية.

من جهة أخرى، تنشغل المستشفيات العمومية الهشة في البلاد بمرضى كورونا، ولا تستطيع استيعاب جميع بقية المرضى من غير كورونا، وفي حين يستطيع أصحاب المال التوجه إلى العيادات الخاصة بكل يسر للعلاج، لا يستطيع الفقراء تحمل نفقات العيادات الخاصة، لا سيما إن كان الأمر يرتبط بعمليات جراحية أو أدوية غالية الثمن، ومن ثمة قد ينتهي المطاف بالعديد منهم إلى الموت.

عربي

منذ 6 شهور
«تشاتام هاوس»: هل يستطيع المغرب التعامل بفعالية مع أزمة كورونا؟

أما القرى والمناطق الهامشية فهي لا تتوفر على مستشفيات حتى قبل الجائحة، إذ جهتان فقط من الجهات الإدارية الاثنتَي عشرة في البلاد، وهما تحديدًا الرباط والدار البيضاء، تستحوذ على أكثر من ثلث مجموع الأطباء في المغرب. لذا أحيانًا، يُحدَّد موعد للمريض بعد سنة كاملة.

ويجعل عدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية المرض مكلفًا بشكل خاص للفقراء، ليس فقط صحيًّا وإنما اقتصاديًّا أيضًا، وفي هذا الشأن تستنتج دراسة لمجلة العلوم البيولوجية البريطانية أن هناك علاقة وطيدة بين الفقر والمرض، كل منهما يؤدي إلى الآخر، فالفقر يؤدي إلى مزيد من المرض، والمرض يؤدي إلى مزيد من الفقر.

وينصح الخبراء البلدان ذات التفاوتات الطبقية باستثمار جائحة كورونا، من أجل سن سياسات اقتصادية واجتماعية تسد الفجوة الكبيرة بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء، بدلًا من ترك الأزمة تعمق التفاوتات التي قد تُمزِّق استقرار المجتمع، ويُقترح مجموعة من الخطوات كالتالي:

  • توفير الرعاية المدرسية الشاملة (مدارس، أدوات مدرسية، وسائل نقل، وجبات غذائية) في القرى والمناطق المهمشة.
  • توفير الرعاية الصحية الشاملة لجميع المغاربة (مستشفيات، سيارات إسعاف، دواء) خاصة في المناطق الفقيرة.
  • فرض ضريبة على الثروة.
  • القطع مع التهرب الضريبي وتهريب الأموال.
  • تقوية النقابات العمالية والقروية.
  • خفض معدل الإنجاب المرتفع في القرى والمناطق الفقيرة.
  • تقليص كتلة الأجور للبرلمانيين والوزراء والموظفين الكبار وإلغاء امتيازاتهم.
  • رفع الحد الأدنى للأجور.

المصادر

تحميل المزيد