كانت مصر خلال العصور الوسطى كعبة يطوف حولها طائفة كبيرة من الرحالة والباحثين من المشرق والمغرب. مجذوبين لآثارها وعلومها وفنونها. وقد ترك لنا كثير من هؤلاء الرحالة آثارًا قيمة عن مصر، وأحوالها في مختلف العصور. ومن أبرزهم ابن حوقل، وابن بطوطة، وابن خلدون من الرحالة والعلماء المسلمين، وماركوبولو، ودي جوانفيل، وبيترو مارتيري من الرحالة الغربيين.

وخلال القرن الثامن عشر، شهدت الدولة العثمانية التي كانت مصر تابعة لها؛ فترة انحلال وضعف. وكانت قواها العسكرية تواجه ضربات روسيا القوية، وتعصف الاضطرابات الداخلية بها. وفي تلك الفترة، توافد عليها عديد من الرحالة الغربيين، خاصة الفرنسيين والإنجليز، في فترات متقاربة، ليدرسوا أحوالها وشؤونها بدقة؛ بدعوى الاستشراق ومعرفة الإسلام. وأصبح  لمتخصصي الاستشراق مكانًا في وزارات الخارجية لتلك الدول، وازداد عدد مؤسسات الاستشراق في جامعات الغرب، وبرزت علاقات المستشرقين بالجامعات، والوزارات الخارجية، ووزراء الدفاع.

وكان في مقدمة الرحالة الذين زاروا مصر قبل الحملة الفرنسية، المستشرق الفرنسي كلود سافاري، الذي قدم إلى مصر في عام 1776، وقضى بها ثلاثة أعوام جاب خلالها أرض المحروسة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. فهل كان قدومه إلى مصر في تلك الظروف أمرًا عرضيًّا بدافع شغفه للترحال، وطالبًا للثقافة والدراسة، ومجذوبًا لسحر الشرق وروحانياته؟ أم كان مدفوعًا بأطماع الاستعمار الغربي، قادمًا لتفقد شئونها وأسرارها؛ تمهيدًا لمشروعات الاستعمار؟

من رومانسية الغرب إلى روحانية الشرق

زار الرحالة الفرنسيون مصر، وكتبوا عنها قبل عشرات السنوات من وصول حملة نابليون، خاصةً بعد أن خضعت البلاد للتاج العثماني منذ القرن السادس عشر. وكان أغلب الزوار في البداية من الحجاج المسيحيين، الذين جاءوا إلى الأماكن المقدسة في مصر وفلسطين. وعادوا إلى فرنسا بحكايات روحانية رومانسية عن المواقع التاريخية الدينية. وبحلول القرن الثامن عشر، اهتم الرحالة الفرنسيون الذين قدموا إلى مصر بآثارها ومعابدها، ودوَّنوا الملاحظات حول تجارتها المزدهرة، خاصة في الصعيد.

Embed from Getty Images

قرب نهاية ذلك القرن، تصاعدت الطموحات الإمبريالية الأوروبية في الشرق؛ فاختلطت في كتابات الرحالة الفرنسيين عن مصر النظرة الرومانسية للعصور القديمة، بملاحظات استراتيجية جيوسياسية واقتصادية جديدة. وبدا أن الزوار الفرنسيين أكثر من مجرد رحالة أو حجاج؛ فقد كانوا علماء في اللغة والآثار وغيرها. وبعضهم أرسلته الحكومة الفرنسية في بعثات رسمية خاصة لاستكشاف إمكانية غزو هذه الأرض الغنية بالموارد. 

كان من أبرز الرحالة الذين زاروا مصر قبل حملة نابليون، الرحالة والمستشرق كلود إتيان سافاري، الذي وُلد في مدينة فتري الفرنسية عام 1750م، ودرس دراسة جامعية حسنة في مدينة رين وباريس. وكان في السادسة والعشرين من عمره حين اعتزم الترحال إلى الشرق، متوجهًا إلى مصر في أواخر القرن الثامن عشر، فترك لنا عنها أثرًا من أنفس الآثار وأقيمها.

قدم سافاري إلى مصر في عام 1776، وقضى بها ثلاثة أعوام طاف خلالها أرجاء الديار المصرية من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها. وزار معالمها، ومعاهدها، وآثارها، ودرس أحوالها وشئون مجتمعاتها، واللغة العربية والدين الإسلامي. ودون مذكراته في سطور ترسم لوحات بديعة، جمعت في كتابه «رسائل من مصر». ولاحقًا، زار الجزر اليونانية، وعاد إلى فرنسا عام 1781، بعد غيبة دامت خمسة أعوام. 

تاريخ

منذ 8 شهور
المرأة راعية للعلم ومُعلمة.. تاريخ التعليم في مصر الإسلامية

وقد سطر سافاري كتابًا آخر عن رحلاته في اليونان، أسماه أيضًا «رسائل من اليونان». وبالإضافة إلى كتبه عن مصر واليونان، نشر سافاري ترجمة متميزة للقرآن بالفرنسية عام 1783، إلى جانب كتاب لتفسير قواعد اللغة العربية يسمى «قواعد اللغة العربية العامية والفصحى»، وكتاب «حياة محمد» عن نبي الإسلام، وترجم أيضًا بعض قصص ألف ليلة وليلة. وتوفي في باريس عام 1788، وهو دون 40 عامًا.

«رسائل عن مصر».. صور حية من داخل المجتمع المصري

كان سافاري رحالة من طراز فريد، مكنته مواهبه ومعارفه من دراسة اللغة العربية وتاريخ الشرق، وعرف كثيرًا عن الإسلام والشريعة الإسلامية. ووفقًا لشهادة الأوروبيين المعاصرين له، تمتع سافاري بخبرة بحثية ناضجة، وأثنوا على كفاءته العلمية وسعة اطلاعه، ووصفوه بالضليع في الكتابات القديمة والحديثة عن مصر وآثارها؛ ومن ثم كانت كتاباته عن مصر تمتاز بطابع من الدقة قل ما وجد في كثير من الكتب والدراسات المماثلة. وقد وضع عن رحلته ودراساته في مصر طائفة من الرسائل المستفيضة، في كتابه «رسائل عن مصر»، والتي ملأت ثلاث مجلدات.

وتحتوي تلك الرسائل وصفًا لعادات أهل مصر القديمة والحديثة، ونظم الدولة، وأحوال التجارة والزراعة، وغزو القديس لويس لدمياط. ويهدي سافاري كتابه إلى ملك فرنسا آنذاك، لويس السادس عشر. ويبدأ سافاري رحلته في تلك الرسائل من الإسكندرية، ثم ينتقل إلى رشيد التي يصف الحياة فيها بالساحرة المغرية، ويتحدث عن أزياء أهلها الخاصة. كذلك، يصف منظر القرويات على الشاطئ، وكيف يهرعن إلى النهر لأخذ الماء، وغسل الثياب، والاستحمام أحيانًا.

Embed from Getty Images

ثم يصل سافاري إلى القاهرة بعد رحلة ممتعة في النيل، ولكن لا تروقه العاصمة ولا تبهره مناظرها مثلما بهرته الإسكندرية. ومن القاهرة، يعرض لنا المستشرق الفرنسي صورًا قوية شائقة عن حياة العاصمة المصرية، والمجتمع المصري في أواخر القرن الثامن عشر، ويسترسل في وصف أحواله السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية في تلك الفترة المضطربة.

وعن الحياة الاجتماعية المصرية، يصف سافاري المصري بالكسل، وأن الجو يؤثر في عزيمته، ويميل إلى الحياة الهادئة الناعمة، يقضي يومه في عمله وفي منزله، ولا يعرف صخب الحياة الأوروبية وضجيجها. ويتحدث عن نظام العائلة المصرية العريق في المحافظة، حيث رب الأسرة هو السيد المطلق، ويدين الأبناء للوالد بالخضوع، والطاعة، والاحترام.

كذلك، كان لآثار مصر الفرعونية عظيم الأثر في نفسه، وهو ما يظهر في قوله: «إن من يرى الآثار التي تحتفظ بها مصر يستطيع أن يتصور أي شعب هذا الذي تحدت صروحه أحداث الزمن؛ فهو لم يكن يعمل إلا للخلود، وهو الذي أمد هوميروس، وهيرودوت، وأفلاطون بكنوز معارفهم التي أسبغوها على بلادهم». 

بدعوى تحريرها من «الاستبداد العثماني».. سافاري يدعو لغزو مصر

«كان الاستشراق يمثل الجناح العلمي لكل من الاستعمار والتنصير والصهيونية، والتستر وراء الأستار العلمية الاستشراقية». *د. محمد خليفة حسن، أستاذ الاستشراق في جامعة الإمام محمد بن سعود

ربما كان سافاري أول من صاغ أطروحة أن لفرنسا دورًا في تحرير المصريين من ربقة «الاستبداد العثماني» والمملوكي. ويتجلى ذلك في حديثه عن مصر، الدولة ذات الموارد الهائلة، التي تعاني من جهل سكانها الأصليين، ومن طغيان حكامها المماليك. ولم ير المستشرق الفرنسي في الأتراك، والعرب، والأقباط، سوى برابرة لم يفطنوا إلى إمكانيات البلد الضخمة، ولم يدركوا قيمة تاريخها العظيم. ورأى أيضًا أنه لا يوجد سوى فرنسا، الدولة المتحضرة التي تقدر الفن والتاريخ الثقافي، التي يمكن أن تبعث أمجاد هذه البلاد، وتعيد لها عظمتها الغابرة بعد قرون من التخلف.

Embed from Getty Images

وفي قنا، صاغ سافاري الفرضية الاستعمارية الأهم؛ ودلل على أن احتلال الصعيد سيمكن فرنسا من السيطرة على التجارة الدولية. وذلك بعد أن لاحظ أن ميناء القصير التابع لقنا آنذاك، هو نقطة التقاء للتجارة الهندية، والعربية، وشرق أفريقيا وشمالها، ومصر. لكن ما يرثى له، من وجه نظره، أن الطغيان المملوكي وهجمات العربان، أثرت سلبًا في حجم التجارة في ذلك الميناء. 

ودافع سافاري عن ضرورة استغلال القصير لتحويل مصر إلى مركز عالمي للتجارة، ومن ثم ربط أوروبا وآسيا تجاريًّا. واقترح حفر قناة مائية بين القصير ومدينة قنا، بهدف ربط البحر الأحمر بالنيل ومن ثم البحر المتوسط. وكان هناك بالفعل قناة قائمة تربط القصير بقنا، وتختصر على التجار الطريق، ولكن أدى إهمال الدولة العثمانية لها إلى جفافها، وفقًا لملاحظات سافاري. واقترح الرحالة الفرنسي إعادة حفر تلك القناة، وبث الحياة فيها من جديد، وذلك قبل نحو قرن من اقتراح مواطنه الشهير فرديناند ديليسبس، بحفر قناة السويس من أجل أهداف مشابهة.

وكتب سافاري عن ذلك: «لو قُدر لمصر أن يحكمها أناس مستنيرون؛ لصار الطريق إلى القصير آمنًا وممهدًا. إنني أعتقد أنه من الممكن مد ذراع من النيل إلى هذا الوادي العميق، الذي كان يغمره البحر في الماضي. ومن الممكن أن نرى قريبًا في القصير ملابس البنغال، وعطور اليمن، وغبار الذهب الحبشي، في مقابل الذرة، والكتان، ومنتجات مختلفة من مصر. إن أمة محبة للفنون (فرنسا) سرعان ما ستعيد هذه الدولة الرائعة (مصر) لتصبح مركزًا للتجارة العالمية، ونقطة التقاء أوروبا وآسيا». 

كتابات سافاري تُلهم نابليون وجنوده

«في اللحظات الأولى التي دخل فيها جيش نابليون الأراضي المصرية، بذلوا كل ما بوسعهم لإقناع المسلمين بأنهم مسلمون حقيقيون» *إدوارد سعيد

بعد عام واحد من زيارة سافاري، تحديدًا في عام 1780، بعث الملك لويس السادس عشر عالمًا بارزًا ومهندسًا في البحرية الفرنسية إلى مصر، يُدعى تشارلز نيكولاي سونيني. وقد تمكن سونيني من جمع المعلومات ووضع توصياته بشأن تحويل مصر إلى مستعمرة فرنسية، ونشر مشاهداته في مجلد ضخم حمل عنوان «رحلات إلى مصر العليا والسفلى بتكليف من الحكومة الفرنسية القديمة». 

واتفق سونيني مع سافاري على أنه باستطاعة فرنسا لو سيطرت على مصر، أن تعيد للبلاد مجدها الغابر. كذلك، تطابقت رؤيته معه حول تطوير التجارة، وأعاد طرح فكرة تحويل القصير وقنا إلى مراكز عالمية للتجارة الهندية والآسيوية، وناقش إحياء القناة القديمة بين القصير وقنا. وأكد بالنبرة ذاتها أن السيطرة على هذا المنطقة التجارية؛ ستمنح فرنسا اليد العليا على خطوط التجارة القادمة من المحيط الهندي والخليج العربي؛ وبهذا تحقق فرنسا نصرًا مؤزرًا ضد منافستها بريطانيا التي كانت تحتل الهند وقتها.

وتردد صدى آراء سافاري وسونيني في عام 1798، خلال حديث جوزيف إيشاسريوه، أحد أعضاء البرلمان الفرنسي، الذي قال إن مصر بلد نصف متحضر يسهل استعماره، ودعا إلى غزوها بدعوى بعث الحياة فيها، وإرساء أسس طيبة جديدة على أرض التاريخ والحاضن الأول للحضارة. وتاق نابليون إلى الشرق بعد إعجابه بكتابات سافاري، ودعا إلى نشر قيم الحرية الفرنسية في العالم، رغم انتقاده لفكرة الديمقراطية وعدم اقتناعه بمشاركة الجماهير في الحكم في فرنسا نفسها.

وفي خطابه لجنوده قبل الإبحار من مالطا، التي سيطر عليها في طريقه إلى مصر متجهًا إلى الإسكندرية، انتقد نابليون الطغاة المماليك لقمعهم المصريين، وإيثارهم التعامل مع التجار البريطانيين على الفرنسيين. كذلك، أمر نابليون بتوزيع كتاب سافاري عن مصر على جنوده؛ لشحذ هممهم وإغرائهم بالعالم الذي سوف يغزونه. وألهمت النصوص التي كتبها سافاري وغيره من الرحالة الفرنسيين، جنود الحملة الذين تشربوا الدعاية الإمبريالية حتى الثمالة، وداعبت خيالهم تصورات رومانسية عن مصر في مختلف عصورها. وفيما تبحر سفن الأسطول الفرنسي أو «جيش الشرق» متجهة إلى الإسكندرية، سرح الجنود بخيالهم بعيدًا وهم يتصورون قائدهم نابليون على أنه الإسكندر المقدوني، وتخيلوا كليوباترا تنتظرهم لاستعادة مجدها. 

تاريخ

منذ سنة واحدة
نابليون بونابرت.. كيف نجح جنرال شاب في امتطاء جواد الثورة الفرنسية الجامحة؟

واصطحب نابليون معه في حملته على مصر عشرات من علماء الاستشراق، الذين رددوا شعارات براقة لاستمالة قلوب شعبها وحكامها. كذلك، أسس نابليون معهد الاستشراق في فرنسا، وكان حريصًا على عقد اجتماعاته باستمرار. وقد ضمّ المعهد مجموعات من العلماء في مختلف المجالات، وشكل هذا المعهد «القسم العلمي للجيش». وتمكن ذلك القسم من جمع معلومات حول مصر خدمةً لأهداف الجيش، وجُمعت المعلومات في 23 كتابًا ضخمًا باسم «شرح وتوصيف مصر».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد