ما يعد نتائج موجات حر شديدة اجتاحت البلاد خلال شهور الصيف، ظواهر طقسية لا تتفرد بها مصر وحدها، بل تشاركها عدد من الدول العربية فيها، كزيادة وتيرة الأعاصير

بالرغم من أن فصل الخريف بدأ رسميًا في مصر، منذ 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، إلا أن هيئة الأرصاد الجوية مازالت تحذر من موجات حارة، وارتفاعات في درجة الحرارة، في بلد لم يعرف عن مناخها التطرف في حرارته، إلا في السنوات الأخيرة.

وشهد مايو (آيار) العام 2016، والعام السابق له، حالات إغماء وموت بسبب الحر في مصر، وصلت إلى 40 حالة وفاة في 2015، بحسب صحيفة «اليوم السابع»، وهو ما يعد نتائج موجات حر  شديدة اجتاحت البلاد خلال شهور الصيف، ظواهر طقسية لا تتفرد بها مصر وحدها، بل تشاركها عدد من الدول العربية فيها، كزيادة وتيرة الأعاصير التي تضرب سلطنة عمان واليمن، وفيضانات في لبنان والمغرب، والثلوج في شبه الجزيرة العربية، كلها مظاهر تدل تأثر البلاد العربية بالتغير الكبير في درجة حرارة الأرض ومناخها، بحسب المركز العربي للطقس والمناخ.

أزمة التغيرات المناخية أضحت أزمة تشغل العالم بشكل كبير، ذلك أن آثارها لا تغير من درجات الحرارة في البلاد، وتتسبب في خسارة الأرض جليدها، الذي تزيد وتيرة ذوبانه يومًا بعد يوم، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحر، أي غرق مساحات واسعة من اليابسة، وهو ما، بالضرورة، سيؤدي إلى مشاكل اقتصادية وسكانية كبيرة للدول الساحلية، بالإضافة إلى تأثيره على قطاعات اقتصادية مهمة، مثل القطاع الزراعي.

محاولات «العالم» للاحتواء

ويصف البنك الدولي التغير المناخي، عبر موقعه الإلكتروني، بأنه «خطر أساسي على التنمية في وقتنا هذا، مشددًا على أهمية اتفاقية المناخ التي تم تقديمها في قمة المناخ في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وداعيًا القمة إلى التحدث عن التحول الجوهري للاقتصاد، بالإضافة إلى الانبعاثات الكربونية، ذلك أن التدابير المعنية بالمناخ لاتتطلب تضحيات اقتصادية، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015، تقدمت فرنسا، في قمة المناخ المنعقدة شمال باريس مشروع اتفاق نهائي ملزم قانونًا لموقعيه يسعى للحد من الاحتباس الحراري، وافقت عليه «G77»، والتي تضم الدول النامية، بالإضافة إلى الهند والصين عن دعمها له، ويضم هذا الاتفاق عدة نقاط، من بينها الحد من ارتفاع الحرارة «أدنى بكثير من درجتين مئويتين»، ومراجعة التعهدات الإلزامية كل خمس سنوات، وزيادة المساعدة المالية لدول الجنوب، إضافة إلى قرارات متعلقة بدعم البيئة والتنمية المستدامة.

وأعلنت الدول الموقعة إجراءات للحد من تقليص انبعاثاتها من غازات الدفيئة في أفق الفترة 2025- 2030، لكن حتى في حال احترام هذه التعهدات، فإن ارتفاع درجة حرارة الأرض سيكون بنحو ثلاث درجات مئوية، بحسب موقع «أخبار مصر».

وفي قمة المناخ بالأمم المتحدة في سبتمبر(أيلول) 2014، وقع أكثر من 73 بلدًا و1000 شركة ومستثمر على بيان مساندة للتدابير عبر تسعير الكربون باعتبار ذلك جزءًا ضروريًا من الحل لدفع الاستثمارات في اقتصاد أكثر نظافة وأساسًا يمكن بناء تدابير مناخية أخرى عليه.

تأثر الصحة

وفي مقابلة مع مجلة منظمة الصحة العالمية، قال «كولن سامرهايس» رئيس جمعية «تكنولوجيا ما تحت الماء»، وكان مديرًا تنفيذيًا للجنة العلمية حول بحوث القطب الجنوبي في المجلس الدولي للعلوم، أن تغير المناخ الدائم سيؤدي إلى ارتفاعات بطيئة في درجة الحرارة، وهو ما أسماه بالكارثة الزاحفة؛ لأنها لن تسبب تغيرات فورية في العوامل الصحية، بل يمكن رصدها تدريجيًا على مدى طويل من الزمن.

يقول كولن: إنه بالإضافة إلى زيادة أعداد المرضى والوفيات؛ بسبب الأجواء المتطرفة كموجات الحر والجفاف والفيضانات، من المرجح أن يزيد تغيّر المناخ عبء أمراض كسوء التغذية والإسهال والأمراض المعدية، ومن المحتمل أن ترتفع وتيرة أمراض القلب والجهاز التنفسي؛ بسبب التغيرات النوعية التي سيحدثها التغير المناخي في نوعية الهواء.

يؤكد كولن في حديثه لمجلة المنظمة أن رسم خطط وقائية للتغيرات المناخية، يمكنه أن يحد من الآثار الجانبية للتغيرات التي سيحدثها، تتمثل تلك الخطط في تشجيع إمدادات المياه النظيفة والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، بالإضافة إلى احتياج التعاون بين وكالات رصد المناخ والوكالات المسؤولة عن الرعاية الصحية، لاكتشاف علاقات التغير المناخي والصحة ببعضهم، وإلا فلن نتمكن من رؤية هذه التأثيرات والاستعداد لها.

خسائر الغذاء والبشر

ترصد منظمة «جرين بيس»، خسائر التغيرات المناخية على موقعها الإلكتروني، فترصد المنظمة وفاة 150 ألف شخص سنويًا، بالإضافة إلى الحكم على 20% من الكائنات الحية بالإنقراض مع حلول العام 2050، وتكبيد قطاعات مهمة كالقطاع الزراعي خسائر كبيرة، وكنتيجة، يتكبد قطاع الصناعات الزراعية خسائر هو الآخر، كآثار للتغيرات المناخية التي تتسبب بها الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الأنشطة الصناعية غير الصديقة للبيئة.

وتذكر «جرين بيس» أن عدم وجود تحرك لكبح جماح التغيرات المناخية وتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قد يزيد الأنواع المهددة بالانقراض من 20% إلى الثلث، كما أن عدد البشر الذين يخسرون حياتهم بسبب تأثيرات التغيرات المناخية مرشح للزيادة، مع تسارع وتزايد الانبعاثات، بالإضافة إلى توقّع بتجاوز الخسائر الصناعية الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2080.

وبحسب موقع «SciDev.Net» فإن «ظاهرة النينيو» المناخية، أحد الظواهر الناتجة عن أزمة التغيرات المناخية التي يشهدها الكوكب، ستتسبب في موجة جفاف ستطال عددًا من الدول، وذلك بحسب تقرير عن الأمن الغذائي أعده مركز البحوث المشتركة التابع للاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأغذية والغذاء والزراعة للأمم المتحدة، وبرنامج الأغذية العالمي، عرضه الموقع.

ويشير التقرير إلى أن «ظاهرة النينيو» تسببت في أزمة حادة في الغذاء لنحو 80 مليونًا من البشر، يضاف إليهم أيضًا 240 مليونًا على حافة حالة انعدام الأمن الغذائي، ويقول «فرانسوا كايتاكاير»، الخبير المشارك في إعداد التقرير، إن إثيوبيا هي مثال على أثر هذه الظاهرة على أزمة الغذاء، فهناك عشرة ملايين إثيوبي يعانون الجوع، وسط أسوء موجة جفاف اجتاحت البلاد منذ عقود.

مع نهاية عام 2015، نجمت عن ظاهرة الـ «نينيو» الأقوى في غضون عقدين من الزمان، أحداث مناخية متطرفة، تسببت في أزمات غذائية حادة، ويشهد المحيط الهادي – أكبر محيطات الكرة الأرضية – هذه الظاهرة بسبب احترار في مياهه يفضي إلى تغيرات في الطقس والمناخ بالعالم كله تقريبًا.

وتجلت الظاهرة هذا العام في فيضانات عارمة وموجات حرارة عالية وجفاف شديد، وفق تصريحات «منير الحسيني»، أستاذ حماية البيئة في كلية الزراعة، جامعة القاهرة بمصر، لشبكة SciDev.Net ، مضيفًا «ويُتوقع استمرار أثرها حتى نهاية العام».

ظاهرة الـ«نينيو» بلغت ذروتها نهاية عام 2015؛ ما أثر سلبًا على المحاصيل والمراعي، وأفضى إلى تهديد واسع للأمن الغذائي في أنحاء شتى بالعالم. كما أن هناك مخاوف من آثار سلبية لظاهرة «لا نينيا» المناخية التي تعقب الـ« نينيو»، وفق ما أوضح «فيليبو مينوتسي»، المسؤول بالمكتب الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي في القاهرة للموقع.

التغيرات في المنطقة العربية

ويذكر تقرير أصدره البنك الدولي في ديسمبر (كانون الأول) 2015 بعنوان «اخفضو ا الحرارة»، نقله موقع الجزيرة، أن منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا في الخطوط الأمامية في مواجهة التغيرات المناخية، وبحسب خبراء المناخ، فإن آثار التغيرات المناخية بدأت تظهر في موجات الفيضانات التي ضربت مصر والعراق ولبنان وموريتانيا ولبنان والسعودية والكويت، بالإضافة إلى إعصار «تشابالا» الذي ضرب جنوب اليمن وسلطنة عمان.

كما يذكر التقرير أن المنطقة العربية التي شهدت ارتفاعًا شديدًا في درجات الحرارة في العقود الماضية، ستواجه ارتفاعا غير مسبوق للحرارة؛ مما يزيد من انتشار ظاهرتي الجفاف والتصحر اللتين تعاني منهما معظم الدول العربية تقريبًا، ومن المتوقع أن تزيد درجات الحرارة في فصل الصيف ثماني درجات مئوية في أجزاء من الجزائر والمملكة العربية السعودية والعراق بنهاية القرن الحالي.

هذا بالإضافة إلى غرق أجزاء من مدن كنواكشوط والأسكندرية، وانتشار عدد من الأمراض في فصل الشتاء مثل أمراض «حمى المتصدع» و«حمى الضنك» والتهاب السحايا والملاريا والبكتريا العضوية، في السعودية واليمن والمغرب وغزة وجيبوتي، وفي بلدان مثل الأردن ومصر وليبيا  والمغرب والجزائر قد تنخفض غلة المحاصيل الزراعية إلى نحو 30% بحلول عام 2050 إذا ارتفعت درجات حرارة الكوكب ما بين 1.5 و 2 درجة مئوية.

إجراءات

ويضع البنك الدولي خمسة مجالات لمكافحة التغيرات المناخية، تحدث عنها «جيم يونغ كيم» في محاضرة ألقاها بجامعة «جورج تاون»، أقيمت في مارس (آذار) 2015، حول التحديات التي تواجه التنمية بسبب التغيرات المناخية، والتدابير التي يمكن اتخاذها للحد من آثار الاحتباس الحراري والتخفيف من آثاره.

وطرح رئيس مجموعة البنك الدولي على طلاب جامعة جورج تاون مجالات مثل: تسعير الكربون عن طريق أنظمة عديدة، مثل تداول الإنبعاثات الذي يفرض حدودًا قصوى أو الضرائب على استخدام الكربون، وهو ما يوحي للشركات باتخاذ تدابير للحد من السلوكيات المتسببة في التلوث.

هناك أيضًا التوقف عن دعم الوقود الأحفوري، والذي من وجهة نظر كيم يشجّع على التبذير في استخدام الوقوع وتثبيط النمو المنخفض للانبعاثات الكربونية، فقد خصص حوالي 550 مليار دولار لدعم الوقود الأحفوري على مستوى العالم سنة 2013؛ ليخصم بذلك نسبة ضخمة من إجمالي الناتج المحلي لبعض البلدان من أجل الخفض المصطنع لأسعار الطاقة، وهو ما يقول عنه «كيم» أن الدراسات تشير إلى أنه لايدعم الفقراء في النهاية.

ويرى كيم أن بسبب التزايد الكبير في الإنشاءات في المدن من مرافق البنى التحتية المختلفة، حيث من المتوقع أن تحتوي المدن ثلثي سكان العالم بحلول العام 2050، فإن التخطيط الجيد للنقل واستخدام الأراضي ووضع معايير لكفاءة استخدام الطاقة، يمكن بناء مدن بأساليب تحول دون استخدام أنماط غير مستدامة، وتوفر فرصًا للفقراء وتحد من تلوث الهواء.

وفي الوقت الذي لا يملك 1.2مليار شخص على سطح الكرة الأرضية مصدرًا للكهرباء، ويعتمد 2.8 آخرون على الطهي بالوقود الصلب، مثل الأخشاب والفحم النباتي والفحم الحجري، يقول كيم: إن البنك الدولي يساند من خلال مبادرة «الطاقة المستدامة للجميع» ثلاثة أهداف حتى 2030، وهي: تعميم الطاقة الحديثة على الجميع، مضاعفة نسبة التحسين في كفاءة استخدام الطاقة، ومضاعفة نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة العالمي.

أما عن المجال الخامس للتحرك، فيقول كيم: إن ممارسة الزراعة المراعية للمناخ كنوع من انواع التكيف مع تغيرات المناخ والتخفيف من آثاره. وأضاف قائلًا: إنه حتى لو نجحنا في ذلك كله فإننا سنشهد مع ذلك تغيرات مناخية. إذ يعتقد العلماء أن حرارة العالم أصبحت أعلى الآن 1.5 درجة مئوية؛ بسبب غازات الدفيئة التي انبعثت بالفعل، والمتوقعة في السنوات المقبلة، ولذا فعلى العالم أن يتكيف مع هذا الوضع مع مواصلة العمل على خفض الانبعاثات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد