محمد صلاح عبد الجواد 7
محمد صلاح عبد الجواد 7

1,034

في ديسمبر(كانون الأول) عام 2015، اجتمع الكثير من قادة العالم ورؤسائه في «قمة باريس» لمناقشة التطورات السلبية التي تصيب الكوكب بسبب التغير المُناخي الناتج عن ارتفاع غازات حابسة لدرجات الحرارة وبالأخص غاز ثاني أكسيد الكربون أو «CO2»، والذي ارتفع منسوبه في القرن الماضي بنسبة 95% أعلى من القرون السابقة؛ وذلك نتيجة للنشاط الصناعي المتطور للإنسان الذي ينتج عنه غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة عالية. وبجانب الآثار السلبية التي أتى بها التغير المُناخي وارتفاع درجة الحرارة على الطبيعة وعلى صحة الإنسان؛ فإن بعض الدراسات أكدت مؤخرًا أن للتغير المُناخي بعض التأثيرات السلبية والإيجابية في تكوين شخصية الإنسان، وهذا ما نناقشه في السطور التالية من هذا التقرير.

هل المناخ يحدد هل سيصبح الإنسان لطيفًا أم لا؟

في نوفمبر (تشرين الثاني) نشرت مجلة «Nature» العلمية المرموقة دراسة تكشف العلاقة بين تغير المُناخ وبين تحديد الصفات الشخصية والاجتماعية للبشر، ودُعمت هذه الدراسة ببعض التجارب العملية، في واحدة من هذه التجارب قام الباحثون بدراسة الصفات الاجتماعية لطفلين أحدهما نشأ في مدينة «سان فرانسيسكو» المعروفة بطقسها الدافئ، والآخر نشأ في مدينة «ماركيت» بولاية ويسكونسن الأمريكية ذات الطقس البارد في معظم أوقات السنة، ومن أجل التأكد من صحة التجربة، كانت هناك مجموعة من الشروط التي توافرت في الطفلين؛ فهما ينتميان لنفس نظام التعليم والتأمين الصحي، ونشآ في ظروف اقتصادية متشابهة، بالإضافة إلى تشابه الظروف في الحي والبيئة المحيطة بالمنزل الذي نشأ فيه كل منهما. وكانت نتيجة التجربة أن الطفل الذي نشأ في مدينة «سان فرانسيسكو» يتميز بأنه أكثر انفتاحًا ولطفًا وتقبلًا للآخرين ويمتلك ثباتًا عاليًا نسبيًا في العواطف والانفعالات.

وفي تصريح لصحيفة «واشنطن تايمز» الأمريكية؛ قال «أنطونيو تيراتشيانو» أستاذ علم الشيخوخة بجامعة فلوريدا: «الدراسة مثيرة جدًا، ولكن هي ليست بالدليل القوي الذي يقول إن ارتفاع درجة الحرارة يجعل الناس أكثر لطفًا» وضرب تيراتشيانو مثالًا أن انخفاض درجة الحرارة في كندا لم يجعل مواطنيها أقل لطفًا من جيرانهم في الولايات المُتحدة الأمريكية، ولكن بالعودة للدراسة التي نشرتها مجلة «Nature» نرى أن الباحثين أعطوا تفسيرًا بسيطًا للنتائج التي حصلوا عليها؛ وهو أنه عندما يكون الجو دافئًا يستطيع الإنسان أن يتواجد بالخارج ويتشجع على استكشاف البيئة المحيطة، وصفة الاستكشاف تجعل الإنسان أكثر انفتاحًا وتقبلًا للآخرين، وهذا على العكس تمامًا في المناطق الباردة.

وأضاف البحث أن برودة الجو غالبًا  تدفع الإنسان إلى الالتزام بالتواجد في الأماكن الدافئة فقط؛ مما يقلل من اكتشافه واندماجه مع البيئة الخارجية، وبالتالي يكون أكثر انطوائية من الشخص الذي ينمو في مناطق دافئة، وهذا يمكن لمسه في حياتنا اليومية؛ فنحن نكون أكثر نشاطًا وإنتاجية في الفصول الدافئة مثل الربيع والخريف وبعض أيام الصيف المعتدلة، لكن في الأيام الباردة القارصة من الشتاء، يكون المكوث في المنزل هو الخيار المفضل لأغلب الناس.

مع كل درجة حرارة تزيد في الهند ينتحر 67 مزارعًا!

فقط في عام 2015 سجلت ولاية «ماهاراشترا» الهندية 852 حالة انتحار بين المزارعين، وهذه الحالات حدثت فقط في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2015، وبنهاية هذا العام المأساوي في ولاية «ماهاراشترا» وصلت حالات الانتحار بين المزارعين إلى 12600 حالة. وغالبًا ما يكون الدافع للانتحار بين المزارعين في الهند هو الجفاف الذي يضرب حقولهم بسبب تأخر المطر نتيجة حدوث التغير المناخي والذي يؤدي أيضًا إلى ارتفاع درجات الحرارة في معظم شهور السنة، وبالتتابع يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى إصابة النباتات بالجفاف، ولأن الزراعة في الهند هي مصدر الدخل الذي يعتمد عليه أغلب المواطنين؛ لذلك يلجأ الكثير منهم إلى الانتحار هربًا من الفقر الشديد.

اقرأ أيضًا: https://www.sasapost.com/middle-east-climate-change/

وفي دراسة قامت بها جامعة كاليفورنيا لدراسة العلاقة بين ارتفاع معدل الانتحار بين المزارعين في الهند وبين ارتفاع درجات الحرارة بسبب التغير المناخي، وجد أنه كلما ارتفعت درجات الحرارة بمقدار خمس درجات سيليزية؛ تزداد حالات الانتحار بين المزارعين 335 حالة تقريبًا، أي أنه مع كل درجة سيليزية تزداد في الهند، ينتحر 67 مزارعًا. وبسبب الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة، سُجلت حتى الآن أكثر من 300 ألف حالة انتحار بين المزارعين في الهند منذ عام 1995. وفي دراسة أخرى لدراسة تغير وارتفاع درجات الحرارة في الهند؛ وجد أن درجات الحرارة في الهند ترتفع بمعدل 0.5-2.5 درجة سليزية سنويًا منذ عام 1960، ومن هذه النتائج يمكن توقع أن الهند سوف تفقد على الأقل بين ألف وألفي مزارع سنويًا، وهذا إن لم تتمكن الحكومة الهندية من الوصول لحل هذه الأزمة.

وقد يعتقد البعض أن الارتباط بين حالات الانتحار وازدياد درجات الحرارة يحدث فقط في الهند أو في الدول النامية والفقيرة بشكل عام، ولكن في عام 2011 نشرت دراسة علمية تتحدث عن ازدياد حالات الانتحار بين المزارعين في أستراليا في الفترة ما بين عامي 1970 و2007، وتوضح الدراسة أن حالات الانتحار بين المزارعين الأستراليين بخاصة الذين تتراوح أعمارهم بين 30-49 عامًا ازدادت بنسبة 15%  بسبب الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة الناتج عن تغير المُناخ.

اقرأ أيضًا:  «مضخات المياه».. خطة العلماء لإنقاذ الأرض من الغرق بسبب ذوبان المنطقة القطبية

تغير المُناخ يجعل الإنسان أكثر عنفًا

وجدت الدراسات العلمية أن هناك علاقة قوية بين ارتفاع درجات الحرارة ودرجة العنف في السلوك الإنساني، وهذا يرجع إلى سببين؛ الأول هو ترجيح أنه عند ارتفاع درجات الحرارة تكون الإنتاجية الاقتصادية أقل، وعندما تتأثر الإنتاجية؛ تتأثر العوائد المادية وبالتبعية تتأثر الحالة النفسية للشخص لأنه يصبح في حالة نزاع شخصي مع نفسه من أجل مواءمة العائد المادي القليل الذي يحصل عليه مع متطلبات الحياة الاقتصادية لنفسه أو للأسرة التي يعولها، أو يدخل في حالة نزاع مع الآخرين على الوظائف ومصادر الدخل التي تقل كلما قلت الإنتاجية الاقتصادية. والسبب الثاني أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تحديد المصادر في الدولة بشكل عام، مما قد يفقدها القدرة على إبقاء السلام ومنع النزاعات التي قد تحدث على المصادر القليلة المتوفرة.

Embed from Getty Images

ومن ناحية أخرى، وجدت بعض الأبحاث أن العنف البشري مرتبط بشكل نفسي وعصبي مع درجات الحرارة المرتفعة، ففي الولايات المُتحدة – على سبيل المثال – معدل جرائم القتل في الأيام الحارة أكبر منه في الأيام الباردة، ويفسر العلماء ذلك بأن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر على النواقل العصبية، والتي في حالة تأثرها بالسلب قد يفقد الإنسان أحيانًا القدرة على السيطرة على انفعالاته، وبخاصة العنيفة منها.