اجتاحت – ولا تزال تجتاح – سلسلة من الكوارث الطبيعية مناطق متعددة من العالم خلال الأسابيع القليلة الماضية في صيف 2021، والتي حطم بعضها أرقامًا قياسية تتعلق بمدى تطرف الطقس في بعض المناطق. هذه الكوارث بدأت تثير قلق بعض علماء المناخ فيما يتعلق بمدى دقة تقديراتهم لعملية التغير المناخي المصاحبة للاحتباس الحراري الذي يشهده كوكب الأرض، وما إذا كان هذا التغير في المناخ يحدث بوتيرة أسرع مما يعتقدون.

مناخ متطرف يجتاح العالم

في الصين، اجتاحت الفيضانات الشديدة أجزاء من وسط البلاد بعد هطول أمطار بمعدلات وصفت بالقياسية، وتسببت فيضانات مفاجئة في مناطق نائية شرقي أفغانستان، بدفن عشرات الأشخاص تحت الطين وتدمير الكثير من المنازل.

وفي أوروبا، عاثت الفيضانات دمارًا في دول مختلفة غرب القارة، متسببة في مقتل أكثر من 150 شخصًا، أغلبهم في ألمانيا، بعد أمطار غزيرة وصفت أيضًا بأنها غير مسبوقة، وأظهرت مقاطع فيديو لقطات للفيضانات وهي تجرف السيارات وتهدم المنازل في مشهد شبهه المواطنون بـ«ساحة حرب». وألقى قادة أوربيون باللائمة على التغير المناخي.

هذا المقطع يظهر بعض المشاهد للفيضانات:

في المقابل، اجتاحت موجات حر وجفاف مناطق أخرى من العالم، صاحبها انتشار لحرائق الغابات في مناطق قريبة من القطب الشمالي. الموجة الأبرز كانت في كندا، حيث تحطم الرقم القياسي لدرجات الحرارة الوطنية الكندية في شهر يونيو (حزيران) 2021، عندما سجلت بلدة ليتون حرارة وصلت إلى 49.6 درجة مئوية، وهي البلدة التي دُمرت بالكامل بسبب حرائق الغابات بعد بضعة أيام.

وفي حوض البحر المتوسط، التهمت الحرائق غير المعتادة منتجعات سياحية وغابات في كل من تركيا واليونان ولبنان، ودمرت الحرائق مساحات واسعة من الغابات في الساحل الجنوبي لتركيا وتسببت في مقتل عدة أشخاص، فيما غطى الدخان مناطق قريبة من العاصمة اليونانية أثينا.

واندلع في ولاية أوريغون الأمريكية أكبر حريق غابات نشط في تاريخ الولاية، ملتهمًا أكثر من 300 ألف فدان من الغابات، وهي مساحة تفوق مساحة مدينة لوس أنجلوس، مما أدى إلى إجلاء الآلاف من السكان، ومثلت مثل هذه الحوادث صدمة لبعض علماء المناخ؛ إذ بدأ بعضهم في القلق من أنهم ربما استهانوا بمدى سرعة تغير المناخ، أو أنهم ربما أساؤوا فهم الظواهر المناخية المتطرفة.

ما السبب وراء الكوارث الطبيعية؟

لطالما حذر علماء المناخ من أنه مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، فإن الطقس القاسي سيكون أكثر شيوعًا. حسنًا، كلنا نعرف هذا بشكل عام، لكن ماذا عن التفاصيل؟ ما السبب تحديدًا وراء هذه الكوارث المناخية القاسية التي يشهدها كوكب الأرض من شرقه لغربه؟

هذه النوبة الحالية من الكوارث المناخية ترجع «جزئيًّا» إلى عدم استقرار ما يسمى «التيار النفاث»، وهو نطاق من الهواء الدافئ الذي ينظم درجات الحرارة في نصف الكرة الشمالي، والتيارات النفاثة هي تيارات هوائية متعرجة سريعة التدفق توجد في الأغلفة الجوية لبعض الكواكب، من بينها الأرض. على الأرض، توجد التيارات النفاثة الرئيسية بالقرب من ارتفاع طبقة التروبوبوز (على ارتفاع 9-12 كيلومترًا)، وهذا التيار النفاث هو عبارة عن رياح غربية (تتدفق من الغرب إلى الشرق)، وغالبًا ما يكون لها مسارات متعرجة الشكل.

لكن، بفضل التغير المناخي، أصبحت هذه التيارات أكثر اضطرابًا؛ إذ أصبحت أكثر بطئًا وأكثر تموجًا، خصوصًا في فصل الصيف، وكذلك، يمكن أن يحتفظ الهواء الساخن في هذه التيارات أيضًا بمزيد من الرطوبة، مما يساهم في وقوع خطر الفيضانات، ونتيجة لهذه الاضطرابات في التيار النفاث (ونتيجة لأسباب أخرى) ستحدث قريبًا نوبات أخرى من الطقس العنيف.

وأوضح علماء أنه عندما يصبح التيار النفاث بطيئًا ومتذبذبًا، فإن أنظمة الضغط العالي وأنظمة الضغط المنخفض في الغلاف الجوي تنمو من حيث الحجم وتتعلق أكثر في مكانها، وهذا يعني أن موجات الحرارة والجفاف (المرتبط بأنظمة الضغط العالي) والفيضانات (المرتبطة بأنظمة الضغط المنخفض) تصبح أكثر.

هذه الظاهرة تعرف باسم «رنين الموجة الكوكبية»، وهي السبب وراء الموجة الحارة الأخيرة في أمريكا الشمالية، على سبيل المثال، كما ساهمت في ارتفاع درجات الحرارة في منطقة القطب الشمالي الروسية، حيث نشبت حرائق الغابات الواسعة وأنتجت دخانًا سامًّا غطى مدينة ياكوتسك الساحلية في سيبيريا، والمعروفة بأنها واحدة من أبرد مدن الشتاء على هذا الكوكب.

الفيضانات والحرائق.. هناك رابط مشترك

ما يشهده صيف هذا العام من طقس متطرف وقاسٍ في كثير من المناطق لا يمثل أحداثًا منفصلة بعضها عن بعض، أو مجرد حالات شاذة من المناخ السيئ، بل هي نتيجة للعديد من الروابط، بل عملية التغذية الراجعة في النظام المناخي، ويقصد بالتغذية الراجعة وجود أحداث معينة تؤدي إلى تغيرات لاحقة.

على سبيل المثال، فإن الفيضانات التي ضربت العاصمة الإنجليزية لندن منتصف يوليو (تموز) 2021، كان وراءها تلك العواصف الممطرة الصيفية، وتلك العواصف كانت بدورها مدفوعة بالهواء الدافئ المتصاعد من سطح الأرض الذي تراكم خلال الموجة الحارة السابقة للعواصف، مما أدى إلى تهيئة السطح للأمطار الغزيرة التي تتبع موجة الحر. الأمر نفسه ينطبق على حرائق الغابات المستعرة في غرب الولايات المتحدة وكندا، وهي الكوارث التي حدثت نتيجة تراكم الجفاف طويل الأمد خلال السنوات السابقة، وهكذا.

نعود هنا إلى كلمة «جزئيًّا» التي استخدمناها في الفقرات السابقة حول سبب الكوارث المناخية التي يشهدها كوكب الأرض. نحن ذكرنا أن السبب جزئي لأن مناخ الأرض معقد وديناميكي وفوضوي، وينطوي على تفاعلات وعمليات تدفق للطاقة بين الأرض والمحيطات والغلاف الجوي أكثر مما نستطيع استيعابه.

فكرة أن العلماء يمكنهم دراسة جزء واحد من هذا النظام في عزلة نسبية هي فكرة خاطئة، ونتيجة لعدم قدرة العلماء على فهم كل هذه التعقيدات ووضعها في نموذج شامل واحد، فقد كان عليهم تقسيمها إلى أجزاء يمكن التحكم فيها من أجل تكييفها في أنظمة ونماذج أبسط يمكنهم استيعابها.

ونتيجة لذلك، اعتاد العلماء معالجة كل خطر طبيعي بشكل مستقل عن الآخر. على سبيل المثال، فحتى تحدث كارثة طبيعية مثل الفيضان، الأمر يتطلب أكثر من المطر لإحداثه. الأمر نفسه ينطبق على حرائق الغابات الهائلة التي تتطلب أكثر من شرارة لبدئها.

طقس قاسٍ خارج النماذج ينتظر الكوكب

كما ذكرنا، فقد تسببت كوارث الحرائق والفيضانات وموجات الحر والجفاف الأخيرة في إصابة علماء المناخ بالصدمة والقلق من وصول الأحداث المتطرفة للتغير المناخي بشكل أسرع مما تنبأت به النماذج المناخية لهؤلاء العلماء، وذكر بعض علماء المناخ أن شدة هذه الأحداث هي ببساطة «خارج نطاق ما تنبأت به نماذج العلماء حتى عندما يؤخذ الاحترار العالمي في الاعتبار بالكامل»، وذكر بعض العلماء أن هناك تغييرًا جذريًّا في وتيرة حدوث الأحداث المناخية المتطرفة.

ولأن علماء المناخ اعتادوا التفكير في أخطار الطقس بشكل فردي، والتركيز على نوع واحد من الكوارث (فيضانات أو جفاف)، فإن مجيء الكوارث واحدة تلو الأخرى كان صادمًا للعلماء، لأنه لم يسبق لهم التفكير في كل التفاعلات والروابط المتعلقة بعوامل المناخ بهذه الطريقة المشتركة والشاملة.

ومع استمرار ارتفاع درجة حرارة المناخ، يبدو أن كل شيء يتغير، وبالتالي، فإن كيفية تفاعل هذه المخاطر والكوارث وأسبابها تتغير بسرعة أيضًا، مما يمثل تحديًا أمام العلماء لإنشاء نماذج مستقبلية تحدد الظواهر المناخية المتطرفة المتوقعة. هذا يعني أن علماء المناخ يحتاجون إلى تغيير الكثير من المسلمات أو النظريات التي كانوا يبنون عليهم نماذجهم المناخية السابقة حتى يمكنهم التنبؤ بما يتجه إليه كوكبنا.

بكلمات أخرى، هناك خشية من أن تكون التغيرات والكوارث المناخية القاسية والمتطرفة التي نشهدها حاليًا هي الطقس الطبيعي لنا في المستقبل القريب، وأن يحدث تغير في وصف الحد الأدنى للتغيرات المناخية التي يمكن أن نطلق عليها تغيرات مناخية متطرفة.

دولي

منذ 4 شهور
فيضان في ألمانيا وآخر في بلجيكا.. عواقب التغير المناخي تضرب أوروبا!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد