تمهيد: تحاول إليزابيث كوربورت استعراض كتاب “هذا يغير كل شيء: الرأسمالية مقابل المناخ” للكاتبة نعومي كلاين. ولعل من أهم الأسئلة التي تتبادر للذهن عند قراءة عنوان الكتاب: ما العلاقة بين الرأسمالية وتَغيُّر المناخ؟ وهل فعلًا تغيُّر المناخ هو ضالتنا المنشودة لتصحيح العديد من الأوضاع الخاطئة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا؟ أم أنه نتيجة لكل تلك الأوضاع؟ الثابت هو أن تغير المناخ حقيقي، لكن هل تتعامل منظمات البيئة بنزاهة مع حجم المشكلة، أم أن هناك مصالح مشتركة مباشرة أو غير مباشرة مع أباطرة الاقتصاد تؤثر على نزاهتها؟

يجتمع كل خريف فريق دولي من العلماء، ويُعلِنون كم هي نسبة ثاني أكسيد الكربون التي أطلقتها الإنسانية في الجو خلال العام المنصرم. في خريف هذا العام، لم تكن الأخبار جيدة، ويبدو أنها لن تكون أبدًا. فالمرة الوحيدة التي أعلن فيها الفريق انخفاض نسبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الجو كانت عام 2009، عندما بدا الاقتصاد العالمي على حافة الانهيار. لكن في العام اللاحق، زادت الانبعاثات مرة أخرى بشكلٍ ملحوظ، بنسبة تقرب من الـ 6%.

وفقًا لأحدث تقارير الفريق، ارتفعت نسبة الانبعاثات الكربونية بنسبة 2.3 % في عام 2013. ومن الدول التي ساهمت في تلك الانبعاثات: الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة نصيب الأسد في تلك النسبة، والهند التي تعد صاحبة أقل نسبة. يُعلِّق غلين بيترز أحد علماء الفريق – من مركز الطقس والبيئة الدولي للبحوث، أوسلو- في حواره مع النيويورك تايمز قائلًا: “ليس هناك المزيد من الوقت. فعلى الجميع التكاتُف الآن لإيجاد حل للمشكلة”.

عقب الإعلان عن تلك الأرقام بأيامٍ قليلةٍ، اجتمع قادة العالم في مدينة نيويورك لبحث سُبل التعامل مع النتائج المترتبة على انبعاثات الكربون الهائلة في الجو. وقد أقنَعَ بان كي مون – الأمين العام للأمم المتحدة- القمة بأن تُحَفِّز “العمل على خطة لدراسة تغير المناخ، والتعامل معه”، وطلب من قادة الدول أن يتخذوا “إجراءاتٍ جريئة”. لكن مرة أُخرى، الأخبار ليست جيدة، وتقريبًا لن تكون أبدًا.

وَجهَت غراسا ماشيل – أرملة نيلسون مانديلا- كلمة للقمة في الجلسة الختامية قائلة: “هناك تفاوت كبير بين حجم التحدي والاستجابات التي شهدناها اليوم”، وأضافت: “حجم التحدي يفوق بكثير ما حققناه بالفعل”. وهذا التباين الذي ينمو بشدة بشكل غير متكافئ كل عام أكثر من أي وقت مضى، ويظهر بشدة في كل قمة تلو الأخرى، يطرح تساؤلات عن مستقبلنا وماهيتنا: ما تفسير فشلنا الجماعي في التعامل مع قضية تغير المناخ؟ ولماذا كلما حاولنا التعامل مع المشكلة، زِدنَا الأمر سوءًا؟

تكمن تلك الأسئلة في القلب من كتاب نعومي كلاين This Changes Everything: Capitalism vs. the Climate، والذي يعد كتاب طموح وجدلي. تتساءل كلاين في بداية كتابها “ما خطبنا؟”، وإجابتها تعصف بالرواية والحجج التي لطالما روجت لها أكبر مجموعات لحماية البيئة في البلاد، وتقلبها رأسًا على عَقَب.

تعتقد تلك المجموعات البيئية أنه يمكن معالجة مشكلة تغير المناخ دون التسبب في إخلالٍ كبير بالوضع الراهن سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، فكل المطلوب هو مجرد بعض التغيرات الحكيمة في السياسات المُتَّبَعة. من شأن ذلك أن يخلق فرص عمل جديدة؛ وبالتالي سيستمر الاقتصاد في النمو، وسيكون الأمريكيون بأفضل حالٍ على الصعيد البيئي والمالي على حد سواء. لكن يعارضهم في ذلك بعض الأقليات الصاخبة مبررين باستمرار أن ما تدعو له تلك المجموعات ما هو إلا “وقوف في طريق التقدم”. أحد تلك الأقليات شركات كوتش بروزر التي تدعم ماليًّا مُنكِري ظاهرة تغير المناخ، أو ما يُعرف بالاحتباس الحراري. مؤخرًا، لخَّص جيمي كارتر – رئيس أمريكي سابق- وَصف هذا الاتجاه الفكري عندما أخبَر أحد المشاهدين في أسبن: “أود أن أقول أن أكبر عائق لدينا الآن هو بعض المخابيل في بلادنا، الذين لا يؤمنون بظاهرة الاحتباس الحراري”.

لا تختلف كلاين مع كارتر في هذا، بل ترى أيضًا أن هذا الاتجاه الفكري هو جزء كبير من المشكلة. لا يمكن حل مشكلة تغيرالمناخ ضمن حدود الوضع الراهن، لأن المشلكة في حد ذاتها هي نِتاج لهذا الوضع الراهن نفسه. تقول كلاين: “نظامنا الاقتصادي والنظام الكوكبي في حالة حرب الآن”، والأمل الوحيد في تجنب ارتفاع درجة الحرارة ارتفاعًا كارِثِيًّا يكمن في تغيير راديكالي اقتصاديًّا وسياسيًّا، وهو أمر جيد حسب رأيها. تقول كلاين إننا إذا ما فهمنا الوضع فهمًا صحيحًا، نجد أن تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي يمثل فرصة هائلة، والتي بالتأكيد ستغير كل شيء على الأرض. تفسر كلاين ذلك بأن الاستثمارات العالمية المطلوبة لأجل التعامل مع نتائج خطر تغير المناخ بإمكانها:

“أن تؤدي إلى إعادة التوزيع العادل للأراضي الزراعية التي كان من المفترض أن تستقل عن الحكم الاستعماري والديكتاتوري. بإمكانها أن توفر الوظائف والمنازل التي حَلم بها مارتن لوثر كينج، بإمكانها أن توفر الوظائف والمياه النظيفة للمجتمعات المحلية، وأخيرًا بإمكانها أن تشغل الأضواء وتُجري المياه في كل بلدة في جنوب أفريقيا. تغيير المناخ هو فرصتنا أخيرًا لتصحيح تلك الأخطاء المتقيحة؛ فرصتنا في إكمال المهام غير المنجزة لعملية التحرير”.

تبدأ كلاين في عرض الحسابات الرياضية المُحبِطة لتغير المناخ. في تلك المرحلة، من المفترض أن العالم منوط بتحمل ارتفاع درجة الحرارة بما لا يزيد عن درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)، وهو الهدف المنصوص عليه في وثيقة عُرِفَت باسم اتفاقية كوبنهاجن، والتي ساعد الرئيس باراك أوباما في مفاوضاتها عام 2009. فكما تقول كلاين، هذا الهدف: “لطالما كان خيارًا سياسيًّا للغاية” لأنه من الناحية النظرية – على الأقل- ما يزال بالإمكان تحقيقه؛ وليس لأنه هدف يمثل مستوى حقيقيًّا “آمنًا” لتغير المناخ. حيث قالت مجموعة من علماء المناخ البارزين: “نشعر أننا مُجبَرون على ملاحظة أنه حتى الاحترار “المعتدل” أي زيادة حرارة الجو بنسبة درجتين سيليزية، سيُزيد بشدة من احتمالية استثارة مجموعة من الظواهر البيئية كالجفاف والعواصِف، وكلاهما يشكل تحديًّا للمجتمع المتحضر”.

ما يُحدد متوسط ارتفاع درجة الحرارة على الكوكب هو مقدار غاز ثاني أكسيد الكربون المُضاف إلى الغلاف الجوي إجمالًا. فلكي تكون لدينا فرصة معقولة في الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى درجتين فقط، أَجمَع العلماء أن إجمالي نسبة الانبعاثات منذ بدء ثورة التصنيع في منتصف القرن الثامن عشر لا بد ألا تزيد عن تريليون طن متري. تم بالفعل إطلاق 600 مليار طن في الهواء؛ بمعنى أن البشرية بالفعل بَددت أكثر من نِصف إجمالي “ميزانية الكربون” لديها. وإذا استمرت البشرية على هذا النهج، فسوف يَنفَذ الباقي في غضون الـ25 عامًا المقبلة. وهكذا، يعتبر عكس ذلك النهج أمرًا أساسيًّا وضروريًّا للحفاظ على فرضية الدرجتين المئويتين، بل والشروع في ذلك في الحال.

من الطرق البسيطة لبدء خفض الانبعاثات العالمية من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، هي أن تحد جميع الدول من انبعاثاتها من الكربون بنسبٍ متساويةٍ، على سبيل المثال تقليلها بنسبة النصف. الجانب السلبي الواضح لتلك الاستراتيجية هو أنها حقيقةً تكافئ الدول صاحبة النصيب الأكبر في التسبب في المشكلة، بينما تعاقب الدول الأخرى التي لم تساهم بقدرٍ كبير في المشكلة. لعل أحد أبرز أسباب كون الغرب أغنى من بقية دول العالم هو اكتشافه كيفية استغلال الوقود الأحفوري في وقت سابق عن باقي الدول بكثير. ولعل الاتجاه الأكثر إنصافًا هو البحث تاريخيًّا عن الدول صاحبة أكبر نسبة انبعاثات كربونية -كدول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية- لأجل تقليص نسب انبعاثات الغاز لديهم بشدة. في الواقع، من المسلم به في دوائر السياسات المناخية أنه إذا كان هناك أية أمل على الإطلاق في الالتزام بنسبة احترار لا تزيد عن درجتين سيليزيتين، فإنه سيتحتم على دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية تقليص حجم انبعاثاتهم الكربونية في الهواء بشدة؛ بنسبة تصل إلى 80% أو أكثر على مدى العقود القادمة.

يُعتبر هذا مأزقًا مُرعِبًا، فحتى زيادة الاحترار بنسبة درجتين سيليزيتين قد يؤدي إلى “نتائج كالجفاف والعواصف وغيرها، والتي تُمثِّل تحديًا للمجتمعات المتحضرة”. وفي تلك الأثناء، فإن محاولة تجنب حدوث احترار أعظم ومخاطر أشد، سيتطلب بالتحديد أن تنبذ الدول التي لطالما تمتعت بفوائد حرق الوقود الأُحفوري الغنية تلك الممارسات. بناءً على ما سبق، يبدو أن الوضع الراهن يُبَرِر شعور كلاين بالضرورة المُلِّحَة للتعامل مع القضية، ويبرر أيضًا شعورها بأن ثَمة انفصال بين خطاب علماء البيئة الداعي لـ “صداقة البيئة”، وضخامة التحدي. والسؤال هنا: هل حقًا السبب الذي يمنعنا من اتباع تغيرات سياسية من شأنها أن تجنبنا الكارثة هو حفنة من المخبولين؟

تعزو كلاين أسباب تراخينا في التعامل مع الاحتباس الحراري لِمشاكل هيكلية أشد عمقًا. إذ تم بناء نظامنا الاقتصادي من البداية على الوعد بالنمو اللامنتهي. ولكن النمو اللامنتهي غير متوافق مع سياسة التقليص الجذري للانبعاثات الكربونية، فهو يحدث في بعض الأحيان؛ عندما كان الاقتصاد العالمي في حالة سقوط حر حيث انخفضت الانبعاثات بأكثر من مجرد كميات هامشية. المطلوب حسب رأي كلاين “إدارة تراجع النمو” بحيث يتحتم تقليل استهلاك الأفراد، ويتحتم أيضًا تقليص أرباح الشركات (قد تصل في بعض الحالات إلى الصفر)، وستضطر الحكومات للانخراط في الخطط طويلة المدى التي تعتبر لعنة على السوق الحرة.

حقيقة أن الجماعات البيئية الرئيسية ما تزال تدافع عن رأيها بأنه لا حاجة لتغيير النظام، يجعل منها – حسب رأي كلاين- كيانات غير نزيهة مثلها مثل ناكري الاحتباس الحراري، بل أشد نفاقًا؛ إذ إن أحد الحجج التي يفضلها منكرو ظاهرة الاحتباس الحراري هي أن خفض الانبعاثات الكربونية إلى النسبة التي يراها دعاة حماية البيئة ضرورية، سيعني بالضرورة هلاك الرأسمالية. وتضيف كلاين في كتابها “إليكم الحقيقة المزعجة”:

أعتقد أن الدعاة الرئيسين لهذا المعتقد يفهمون المغزى الحقيقي لتغير المناخ في الساحة السياسية، أفضل من معظم العلماء المؤمنين بوجود ظاهرة الاحتباس الحراري أنفسهم، والذين ما يزالون يصرون على أن التعامل مع تلك المشكلة يمكن أن يكون تدريجيًّا وغير ضار؛ وهكذا لسنا مضطرين للدخول في حروب مع أحد.

تذهب كلاين إلى حد القول بأن الحركة البيئية نفسها صارت أكثر من مجرد أحد أزرع صناعات الوقود الأحفوري (أو بالأحرى ينبغي أن نقول عمودًا من أعمدتها). دليلها في ذلك أن العديد من المجموعات البيئية الرئيسية تتلقى تبرعات كبيرة من شركات الوقود الأحفوري أو المؤسسات التابعة لها. وبعضها مثل منظمة ناتشر كُنسِرفانسي تضم مجالس إدارتها مديرين تنفيذين حاليين – أو سابقين- كانوا يعملون في شركات المرافق العامة. وتضيف كلاين: “الحقيقة المؤلمة وراء كل من: الفشل الكارثي للحركات البيئية في محاربة المصالح الاقتصادية محاربة فعالة، والارتفاع في نسب انبعاثات ثاني أُكسيد الكربون هي أن أجزاء كبيرة من نفس تلك الحركات البيئية لا تحارب فعليًّا تلك المصالح، فضلًا عن الاندماج معها”.

من جانب، يبدو أن كلاين تلمح لأن بعض المجموعات البيئية تمكنت من تجنب الاستقطاب المشترك من خلال “سياساتها الواضحة ضد قبول التبرعات من ملوثي البيئة”. لكن ما تلبث أن تشير كلاين أنه حقيقةً لا توجد أي وسيلة تُجَنِّب المنظمات البيئية الاحتكاك باقتصاديات الوقود الأحفوري، حتى لو كانت أفضل المنظمات ذات النوايا الحسنة. فإذا لم تأتِ التبرعات مباشرة من الأطراف المتسببة في تلوث البيئة، فهي تأتيها بطرقٍ غير مباشرة عن طريق الأفراد أو المجموعات التي تربحت من استثمارها في الصناعات الملوثة للبيئة. وكما تقول كلاين، بما أنه لا يوجد تمييز أخلاقي واضح بين الطرفين “لا أحد نظيف اليدين”، الجميع متورطون بمن فيهم هي نفسها. فعلى سبيل المثال أحد الداعمين لإنتاج فيلم ليزا المقرر إرفاقه مع كتاب كلاين This Changes Everything، والذي يقوم بإخراجه زوج كلاين المخرج آفي لويس، هي مؤسسة فورد، والتي تصفها كلاين بأنها تمتلك ملايين من الدولارات في شكل أسهُم في شركات النفط الكبرى مثل شيل Shell – شركة نفط متعددة الجنسيات- وستاتُويل Statoil – شركة نفط نرويجية- وبريتيش بتروليوم BP – ثالت أكبر شركة نفط خاصة في العالم-.

تحليل كلاين لشدة الوضع والطبيعة الهيكيلية للمشكلة، ولا سيما تعميم التواطؤ المباشر وغير المباشر، يضفي على كتابها النظرة التشاؤمية. لكنه في الحقيقة ليس كذلك، أو على الأقل لم تتعمد ذلك. فالكتاب نظرته متفائلة للغاية، بل سيقول البعض إنه متفائل حد الجنون. تؤكد كلاين أنه ليس بالإمكان فقط عكس خطوط الاتجاهات الصاعدة في مخططات الانبعاثات الكربونية بمرور الوقت، ولكن أيضًا بإمكاننا عكس كل شيء آخر خاطئ في المجتعات كعدم المساواة، والبطالة، وعدم إمكانية الحصول على الكهرباء، أو المياه النظيفة، أو حتى الرعاية الصحية في بعض أنحاء العالم، وتصويبها جميعًا في غضون تلك العملية. تقول كلاين إنه: “إذا تم التعامل مع تغير المناخ على أنه حالة كوكبية طارئة” يمكنه حينها “أن يصبح قوة دافعة للإنسانية، بحيث لا يجعلنا فقط في وضعٍ أكثر أمانًا من حيث تَبِعَات الطقس الشديد، بل أيضًا يتركنا بمجتمعات أكثر أمانًا وعدلًا في جميع المجالات الأُخرى”.

في بدايات كتابها، تشرح كلاين كيف انتهى بها الحال لذلك الاستنتاج. تقول كلاين إنها قبل بضع سنوات، بينما كانت في بوليفيا تتناول الغداء مع آنجيليكا نافارو يانوس ممثلة بوليفيا في منظمة التجارة العالمية، شرحت لها نافاو يانوس كيف أنها تعتقد أن تغير المناخ يمثل تهديدًا هائلًا لبلدها، إضافةً إلى مخاطر أُخرى مثل أن بوليفيا تعتمد على جريان المياه الجليدية في مياه الشرب لديها. لكنها أيضًا تعتبر تغير المناخ مبدئيًّا هو أملها الأفضل؛ باعتبار بوليفيا بلدًا فقيرًا، فهي لم تشارك كثيرًا في إجمالي نسبة الانبعاثات الكربونية العالمية، لذلك هي في وضع يسمح لها أن تعلن أنها “دائن مناخ”، بل وتُطَالِب بالمال والتكنولوجيا من الدول الغنية “المدينة للمناخ” صاحبة النسب الكُبرى في الانبعاثات.

تقول كلاين في كتابها إنه حتى تلك اللحظة، لم تكن مهتمة كثيرًا بظاهرة الاحتباس الحراري “فقد بَقِيَت معظم التفاصيل حينها غامضة، وكانت تمر سريعًا على معظم الأخبار”. بينما في الوقت نفسه، كانت تسافر كثيرًا لدرجة حصولها على امتياز “النخبة” للمسافر الدائم.

دفعها موقف نافارو يانوس للتفكير كثيرًا، وبالتحديد الجزء المتعلق بالأمل أكثر من التفكير بتهديد المشكلة نفسها. حينها قررت كلاين أن تغيير المناخ هو بالتحديد المطلوب لأجل إعادة تنظيم السياسات المعاصرة، وإحداث “صدمة للناس” من شأنها – كما تعتقد كلاين- أن تُحَفِّز قيام حملة شعبية عالمية تعكس تراكمات عقود من زيادة الضرائب والخصخصة والتحرر الاقتصادي، ناهيك عن قرون من القمع. تقول كلاين إن حينها فقط “بدأت أفهم حقيقة” تغير المناخ.

جميع الطرق التي من خلالها يمكن أن يكون تغير المناخ قوة تحفيزية للتغيير الإيجابي، من شأنها أن تساعدنا في القضاء على المستويات البشعة من عدم المساواة داخل بلادنا وبينها. ولعل أفضل حجة ينبغي على التقدميين استخدامها لتحقيق ذلك هي: مطالب إعادة بناء وإحياء الاقتصاديات المحلية، واستعادة ديموقراطياتنا من تحت هيمنة الشركات التي تَفت في عَضد الديموقراطية، ومنع اتفاقيات التجارة الحرة الضارة، وإعادة صياغة الاتفاقيات القديمة، والاستثمار في البنية التحتية الفقيرة مثل النقل الجماعي والإسكان الاقتصادي، واستعادة ملكية الخدمات الأساسية كقطاعي الطاقة والمياه، وإعادة تشغيل نظامنا الزراعي المريض ليتعافى ويصبح أكثر كفاءة، وفتح الحدود للمهاجرين الذين يرتبط تشردهم في الأساس بتأثيرات الاحترار المناخي، وأخيرًا احترام حقوق الشعوب الأصلية في جميع أراضيها.

بالتأكيد، ربما يكون هذا المطلب الأخير صعبًا.

تقضي كلاين الثُلث الأخير من كتابها في السفر حول العالم، وزيارة المجتمعات التي تحاول عرقلة المشاريع الاستخراجية بشكل أو بآخر- في بعض الحالات مناجم الذهب، وفي أُخرى آبار الغاز الطبيعي-. ترى كلاين في هذه الجهود المتفاوتة، والتي صارت تُعرَف بـ ” بلوكاديا”، دلائل بدايات تكوين نوع من الحركات البيئية كانت تأمل أن يتواجد على الأرض يومًا ما. وعلى سبيل المثال تقدم سكان مدينة بيفر لايك كري – شمال البرتا، كندا- برفع دعوى قضائية على الحكومة الكندية بحجة أنها انتهكت حقوق المعاهدة – معاهدة احترام حقوق الشعوب الأصلية- عبر تحويل أراضي الأجداد الأصليين فيها إلى حقول استخراج النفط. وتنسب كلاين الفضل لهم وللشعوب الأصلية، الذين يؤدون دورًا محوريًّا في تصعيد الموجة الحالية لمقاومة “الوقود الأحفوري”.

وهي أيضًا تنسب الفضل للشعوب الأصلية في توضيحها أن “البلوكايدا”، ليست مهتمة بعرقلة الأمور فقط ، فقرب نهاية الكتاب تزور محمية كلاين نورثرن بشايان في شمال مونتانا، وتجد السكان في شايان الشمالية بصدد مقاومة مقترح إقامة منجم الفحم ليس ببعيدٍ عن المحمية، ومع الحصول على منحة من الوكالة الدولية لحماية البيئة، بدأوا مؤخرًا في تدريب الصغار كي يصبحوا متخصصي تركيب سخانات تعمل بالطاقة الشمسية.

اليوم “تسود حالة من الابتهاج الإيجابي بين معارضي الطاقة غير النظيفة في جنوب شرقي مونتانا”. ولعل أوضح درس نستفيد منه هو أنه ليس هناك شيء أكثر فعالية في تلك الحرب على الوقود الأحفوري من خلق بدائل حقيقية.

ما الذي نحتاجه إذًا لتقليل انبعاثات الكربون عالميًّا بشكل جذري، والقيام بذلك بطريقةٍ تساهم في الحد من الفقر وعدم المساواة؟ في 1998، أي أكثر من عقد قبل أن تصبح كلاين مهتمة بتغير المناخ من الأساس، قرر مجموعة من العلماء السويسريين التعامل بالتحديد مع مسألة تغير المناخ، وعرفت الخطة التي وصلوا لها بـ”مجتمع الألفين واط”.

الفكرة الرئيسية وراء هذه الخطة هي أنه من حق الجميع على هذا الكوكب أن يولد نفس القدر تقريبًا من الانبعاثات الكربونية، بمعنى أن كل شخص على الكوكب ينبغي أن يستخدم نفس الكم من الطاقة تقريبًا. معظمنا لا يفكر في استهلاكنا للطاقة، بل نصل لحد عدم التفكير فيها على الإطلاق من حيث وحدات الواط. كل ما تحتاجه حقًا لفهم الخطة هو أنك إذا كنت أمريكيًّا فأنت حاليًا تعيش في مجتمع الـ12000 واط – وذلك وفقًا للخطة السابق ذكرها، بينما إذا كنت هولنديًّا فأنت تعيش في مجتمع الـ8000 واط. أما إذا كنت سويسريًّا فأنت تعيش في مجتمع الـ5000 واط. وإذا كنت من بانغلاديش فأنت تعيش في مجتمع الـ300 واط. لِذا، بالنسبة للأمريكين يعد تخفيض الاستهلاك إلى 2000 واط، هو بمثابة تخفيض الاستهلاك من الوقود والطاقة بما يزيد عن أكثر من أربعة أخماس استهلاكهم الحالي. أما بالنسبة للبنغلاديشين، سيعني زيادة استهلاكهم للطاقة بما يعادل سبعة أضعاف استهلاكهم الحالي.

للتحقيق في ما قد تبدو عليه الحياة باستهلاك 2000 واط فقط، يضرب صاحب النظرية أمثلة توضيحية بـ6 عائلات سويسرية مختلفة. فحتى أولئك الذين عاشوا في منازل موفرة للغاية للطاقة، واضطروا لبيع سياراتهم، ونادرًا ما سافروا بالطائرة، وصلوا جميعهم في النهاية إلى استهلاك أكثر من 2000 واط للفرد. فقط استطاعت واحدة منهم تدعى آليس “المقيمة في دار مسنين أن تحقق المستهدف في استخدام 2000 واط فقط، مع العلم أنها لم تمتلك تلفازًا أو كمبيوتر شخصيًّا، وفي بعض الأحيان تركب القطار لزيارة أحفادها.

ظاهريًّا يبدو أن كل ما يدور حوله كتاب This Changes Everything هو الحاجة المُلحّة للحد من انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي، لكن بصرف النظر عن التهليل والتصفيق للمنشآت التي تعمل بالطاقة الشمسية في شايان الشمالية، إذ تتعمد كلاين تجنب التعمق في كل ما ينطوي عليه أو يستتبعه. فهي تخبر القارئ في غموض أنه سيتحتم عليه تخفيض الاستهلاك، لكن لم تفسر كلاين كم مقدار النسبة المستهلكة حاليًا، وما الذي سيضطر للتخلي عنه للتقليل منها. ففي مواضع مختلفة في كتابها تطالب بفرض ضريبة على استهلاك الكربون. بالتأكيد تعتبر تلك فكرة جيدة، وينادي بها العديد من رجال الاقتصاد، لكنها في نفس الوقت تكاد تتحدى المنطق الأساسي الرأسمالي. في بداية الكتاب، تردد كلاين مفهوم “إدارة تراجع النمو”، والذي يمكن تعريفه بشكل آخر بأنه الانكماش الاقتصادي. لكن مرة أُخرى، لم توضح تبعات ذلك، وما يفضي إليه بالنهاية. إلا أنه من المربك أكثر أن تبدو أنها رفضت بالفعل تلك الفكرة. فتقول في نهاية كتابها إن “تقليص دور الإنسانية” الآن لم يعُد مجرد خيار، بل أضحى أمرًا حتميًّا.

تعرِض كلاين بديلًا لمفهوم “تراجع النمو” ألا وهو “التجديد”، وهو في رأيي مفهوم غامض مبهج، ولن أحاول حتى تفسيره. فكما تقول كلاين إن التجديد فعَّال، إذ نكون فيه “شركاء تمامًا في عملية زيادة إبداعية الحياة إلى أقصى حد”.

وتعقيبًا على إعادة صياغة كلاين لكلام آل غور نائب رئيس الولايات المتحدة في عهد الرئيس بيل كلينتون، ورجل البيئة، إليكم الحقيقة المزعجة من وجهة نظري: عندما تُخبر الناس ما يتطلبه الأمر لتقليل الانبعاثات الكربونية بشكل جذري، سيعرضوا عنه. فهم لا يريدون التخلي عن سفرياتهم جوًّا أو التوقف عن استخدام المكيفات الهوائية أو التليفزيونات عالية التقنية أو رحلاتهم لمراكز التسوق أو سياراتهم العائلية أو أشياء أخرى لا تعد ولا تحصى تتناسب مع استهلاك الطاقة بقدر 5000 أو 8000 ، أو حتى الوصول لـ12000. كل المجموعات البيئية الرئيسية على دراية بذلك كله، لذلك هي تؤكد على إمكانية التعامل مع تغيير المناخ عن طريق إحداث ولو قدرٍ ضئيل من الاضطراب في “أسلوب الحياة الأمريكية”، وتلك الفكرة تتعارض مع جوهر متطلبات خطة مجتمع الـ2000 واط. ولا يمكنك إلا أن تلاحظ أن كلاين نفسها على دراية بذلك. فالمفارقة في كتابها أنها تنتهي بالضبط حيث انتهى “دعاة الاحتباس الحراري”، بسرد حكاية أسطورية رمزية آملين أن تحقق بعض الخير.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد