يشهد العالم حاليًا موجة كبيرة من التغير المناخي، حرائق غابات ودرجات حرارة عالية في بعض الدول وفيضانات وسيول في دول أخرى، ويحذر خبراء البيئة من تخطي نقطة اللاعودة في التغير المناخي. فقد أدرك العالم الآن أهمية وضرورة الحد من انبعاثات الكربون والملوثات التي أضرت بصحة البيئة، وتركتنا نعاني من جراء التغير المناخي والخسائر التي يتسبب بها.

حاول العلماء جاهدين دق ناقوس الخطر منذ ظهور المؤشرات الأولى على الكارثة، فحاولوا تطوير الهندسة المناخية لمساعدة البشرية في القضاء على ظاهرة التغير المناخي، فما هي الهندسة المناخية؟ وهل حقًّا يمكن أن تقضي على التغير المناخي والاحتباس الحراري وتنقذ الكوكب؟

ما هي الهندسة المناخية؟

يمكن تعريف الهندسة المناخية بأنها طرق وأساليب التدخل الواسع المتعمد في مناخ كوكب الأرض، بهدف الحد من التغير المناخي والاحتباس الحراري، ويطلق عليها أيضًا الهندسة الجيولوجية، ولها إستراتيجيات عديدة بعضها مرتبط بالشمس والغلاف الجوي، والبعض الآخر خاص بسطح التربة في كوكب الأرض.

ظهر المصطلح للمرة الأولى عام 1841 حين أصدر عالم الأرصاد الجوية الأمريكي جيمس بولارد كتاب «فلسفة العواصف»، الذي يناقش فيه إمكانية التدخل المناخي وخلق أمطار اصطناعية في مواسم الجفاف، منذ ذلك الوقت أصبح التدخل لتغير المناخ شغف العلماء وهوس الجيوش، ورغم تقدم التجارب والاكتشافات ونظريات التدخل المناخي، فإن العالم ما زال متخوفًا من الهندسة المناخية وتطبيق تجاربها على مدى طويل وواسع.

إستراتيجيات الهندسة المناخية

كثيرة هي إستراتيجيات التدخل المناخي، وعليه؛ تصنف بعض النظريات بأنها آمنة ويمكن تطبيقها بلا خسائر، وهناك نظريات أخرى يكمن في تطبيقها خطر شديد يهدد الحياة على كوكب الأرض. وتبقى جميع الإستراتيجيات والنظريات في الهندسة المناخية غير معروف مدى فاعليتها حتى الآن، ومن أكثر الإستراتيجيات التي يمكن تطبيقها في المستقبل الإستراتيجيات التالية.

1- إستراتيجية  الحد من الأشعة الشمسية

تعد من أخطر النظريات في مجال الهندسة المناخية، ومن أكثرها في عدد التجارب، وتناقش النظرية إمكانية التقليل من التعرض للأشعة الشمسية من خلال عدة طرق، منها عكس الأشعة الشمسية عن طريق مظلات ودروع هوائية كبيرة عاكسة يتم إطلاقها في الغلاف الجوي لعكس ضوء الشمس إلى خارج الغلاف الجوي الأرضي.

حتى الآن تقابل الإستراتيجية بالرفض والخوف من التأثير السلبي الذي قد يحدثه مثل هذا التدخل في المناخ، هذه النظرية قد تجعل الأرض أقل حرارة؛ مما يسبب مواسم هجرة غير محسوبة للكائنات الحية، كما قد تؤدي إلى جفاف الأرض، إلى جانب أنها لا تقلل من انبعاثات الكربون بأي شكل، فقط ستنخفض درجات الحرارة، ومن المخاوف أيضًا أن تخلف حطامًا من المواد العازلة وعودتها للأرض في حال تلفها، وأخيرًا الخوف من التوقف المفاجئ للتجربة، والذي سيعيد الاحتباس الحراري بكثافة وقوة أكبر.

2- إستراتيجية الهباء الجوي

جاء العلماء بتلك النظرية في مجال الهندسة المناخية بعد تجربة علمية وقعت مصادفة عام 1991، حين انفجر بركان بينانوتوب في الفلبين مطلقًا كمية كبيرة من الكبريت التي حجبت أشعة الشمس؛ فأدت إلى انخفاض درجات الحرارة عالميًّا.

تقوم النظرية على استخدام الطائرات بشكل واسع لإطلاق الكبريت في طبقات الجو، يطلق عليها عملية حقن الهباء الجوي في الستراتوسفيري، لحجب تركيز أشعة الشمس وخفض درجات الحرارة، والجدير بالذكر أن  تطبيق تلك النظرية أمر بسيط قليل التكلفة، ولكن يحذر العلماء من مخاطر استخدام مادة الكبريت؛ خوفًا من أثرها السلبي في التربة الزراعية، إلى جانب كونها مادة سامة تلوث الهواء وتضر بطبقة الأوزون، ولن تساهم عملية الهندسة المناخية تلك في التقليل من انبعاثات الكربون أيضًا.

علوم

منذ 3 شهور
تغير المناخ ليس أكذوبة صينية.. الانقراض يهدد الكوكب بعد ارتفاع حرارته 1.5 درجة

3- إستراتيجية التسميد الحديدي

هي عملية تسميد تربة المحيطات بمادة الحديد، كما حدث أثناء العصر الجليدي، زيادة الحديد في المحيطات تؤدي إلى نشاط العوالق والطحالب البحرية والتي تقوم بعملية سحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وخفض درجة الحرارة في عملية طبيعية تمامًا، وتعد تلك النظرية من أكثر الإستراتيجيات أمانًا في مجال الهندسة الجيولوجية، ولكن يخاف العلماء من صعوبة تطبيقها في بعض المحيطات؛ نظرًا إلى طبيعتها، ويحذرون من أثر مدة التجربة، وهي 50 عامًا، في النظام البيئي في المحيطات التي تقل حرارته طوال المدة.

4- إستراتيجية ترشيح الهواء

ترشيح الهواء هو النظرية الوحيدة في مجال الهندسة المناخية المطبق بشكل منتظم في عدة شركات خاصة حول العالم، وهي إستراتيجية آمنة تمامًا، تقوم النظرية على استخدام مرشحات هوائية ضخمة، تعمل على التقاط ثاني أكسيد الكربون والقيام بعملية ترشيح وإخراج الأكسجين للهواء مرة أخرى، تستخدم بعض الشركات حول العالم تقنية ترشيح الهواء، في ألمانيا، وكندا، وهولندا، والولايات المتحدة، ويطلقون على أنفسهم مصانع التقاط ثاني أكسيد الكربون، يتخوف المجتمع العلمي من عدم قدرة تلك الإستراتيجية على مواكبة كمية الغازات الدفيئة والانبعاثات الكربونية التي ينتجها كوكب الأرض.

5- إستراتيجية التشجير الطبيعي

التشجير الطبيعي إستراتيجية آمنة لمواجهة ظاهرة التغير المناخي، تقوم النظرية على امتصاص كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء عن طريق زرع مساحات هائلة من الأشجار التي ترشح الهواء وتمتص ثاني أكسيد الكربون وتنتج الأكسجين، ولكن يمكن أن تؤثر تلك الإستراتيجية في المساحات الخضراء المخصصة لزراعة المحاصيل، إلى جانب الوقت الطويل المستغرق في عملية نمو الأشجار.

لكن.. لماذا الخوف من تطبيق الهندسة المناخية؟

يخشى المجتمع الدولي بشكل عام والمجتمع العلمي بشكل خاص الآثار العكسية السلبية لعملية الهندسة المناخية، والتدخل في المناخ، ويرفض البعض تطبيقها بأي شكل؛ فالمخاوف كبيرة على المستويين السياسي والبيئي.

على المستوى السياسي: سلاح في يد الجيوش والأنظمة الحاكمة!

تشكل عملية الهندسة المناخية خطرًا على المستوى السياسي، فماذا سيحدث إن وقعت أسلحة التلاعب في المناخ بيد جيوش وأنظمة غير ودودة وقررت استخدامها بشكل واسع؟ كما حدث عام 1976 عندما أجرت الولايات المتحدة الأمريكية عملية حقن للسحب لتمديد حالة السحب والرياح على فيتنام وكمبوديا؛ لمنع تحركات الجيوش هناك، وتعد تلك الحادثة أول محاولة في التاريخ لتغيير المناخ الجوي بشكل واسع.

وتشكل حلول الهندسة المناخية أزمة أخرى أخلاقية على المستوى  السياسي؛ فالاعتماد على الهندسة المناخية من شأنه التقليل من الإجراءات الجديدة  للأنظمة والحكام على خفض انبعاثات الكربون، التي جرى الاتفاق عليها في مؤتمر المناخ في باريس عام 2015.

على المستوى البيئي: فاعلية غير مضمونة واحتمالية غضب الطبيعة

وعلى المستوى البيئي يحذر العلماء من عدم القدرة على التأكد من فاعلية أي من نظريات الهندسة المناخية إلا بعد تجربتها بعقود؛ مما سيكلفنا الوقت والخسارة الكبيرة في حالة الفشل. كما يؤكدون على الضرر الكبير الذي قد يحدث نتيجة توقف أنظمة الهندسة المناخية فجأة، يترتب على ذلك تغير مناخي مفاجئ ودفعة واحدة، وليس بشكل تدريجي كما يحدث الآن؛ مما يهدد الحياة على كوكب الأرض.

أيضًا يخاف العلماء من التلاعب بالمناخ والنظام البيئي الطبيعي، ورد فعل الطبيعة العنيف على ذلك من تغير طبيعة المحيطات والغابات، ومواسم الهجرة، وغيرها من الأنظمة البيئية، ولذلك يرى جزء كبير من العلماء أن الهندسة المناخية بمثابة قنبلة موقوتة تهدد حياة الأرض وليست حلًا سحريًّا لمشكلة التغير المناخي.

محطات الهندسة المناخية في العالم.. الصين وأمريكا تتنافسان

نشر العالم الأمريكي جيمس بولارد كتاب «فلسفة العواصف» عام 1841 وذكر فيه لأول مرة إمكانية التلاعب بالمناخ. وفي عام 1896 حسب العالم السويدي سفانتى أرينيوس، لأول مرة كمية زيادة ثاني أكسيد الكربون في الجو وأثره فيه، كما طرح فكرة الهندسة المناخية لتغير المناخ. وفي عام 1932 أنشأ الاتحاد السوفيتي معهد المطر في روسيا؛ ما فتح الباب على مصراعيه لتجربة أدوات التلاعب المناخي وإسقاط المطر.

صدر الاعتراف الرسمي الأول بخطر انبعاثات الكربون والقدرة على التغيير المناخي عام 1965، حين قدمت اللجنة الاستشارية للعلوم للرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، تقريرًا بعنوان «استعادة جودة البيئة»، يتحدث عن مخاطر الاحتباس الحراري وإمكانية التدخل المتعمد لتغيير المناخ، وبعد هذا التقرير أصبحت الهندسة الجيولوجية محط أنظار العالم.

بعد عامين من التقرير الرسمي، بدأت القوات الجوية الأمريكية في عملية تجربة تغيير الطقس في فيتنام وكمبوديا من عام 1967 لعام 1972، ما أثار جدلًا عالميًّا، جعل الأمم المتحدة تتحرك لوقف مثل تلك الحروب.

في عام 1976 قررت الأمم المتحدة عمل اتفاقية التعديل البيئي والتي تحظر استخدام الجيوش لأسلحة تغيير المناخ وحروب الطقس، ووافقت عليه ما يقارب 80 دولة في العالم.

أنشأت الأمم المتحدة الفريق الدولي المعني بالتغير المناخي عام 1988، والذي تقع عليه مسؤولية دراسة التغير المناخي وإستراتيجيات الهندسة المناخية وإمكانية تطبيقها.

وجدير بالذكر أن الحكومة الصينية نجحت في عام 2008 في إطلاق أكثر من 1000 صاروخ محمل بيود الفضة إلى السماء لمنع تكون السحب والأمطار على ملعب عش الطائر في بكين يوم حفل افتتاح الأولمبياد.

ووضعت المخابرات الأمريكية في عام 2013 ميزانية لمشروع وكالة العلوم الوطنية الذي يهدف إلى إنشاء مشروعات وتقنيات الهندسة المناخية بكافة أشكالها، سبقتها الحكومة الصينية بعام واحد في تمويل وكالات العلوم والجيش لصنع أسلحة التلاعب بالمناخ عام 2012.

ينتظر العالم نتائج التجارب في مجال الهندسة المناخية في ترقب وخوف، ولا أحد يعرف هل هي تطبيقات آمنة قد تنقذ الكوكب؟ أم خطر كبير يهدد الحياة على كوكب الأرض؟

البيئة

منذ 3 شهور
«ذا دبلومات»: هل يمكن أن تقدم الأنظمة الاستبدادية حلًا لأزمة تغير المناخ؟

المصادر

تحميل المزيد