كان فاروق الشاب الثلاثيني قد انتهى للتو من ارتداء الملابس الخاصة بالعمل ووضع على وجهه القناع الذي يتم رسمه بالألوان المُبهجة، كان ينتظر أن تنتهي الفقرة التي تسبقه ليتسلم هو المسرح ويؤدي فقرته، في لحظات الانتظار تلك رنّ هاتفه النقال، وتسارعت ضربات قلبه من القلق حينما رأى أن المُتصل هو أخته، فوالدته في المستشفى في حالة صحية حرجة، خاف من الرد حتى لا يسمع النبأ السيئ، لكن لم يكن أمامه مفر، حينما وصلت إلى أذنيه نبرة صوت أخته باكية عرف أن ما يخشاه قد حدث بالفعل، وأن والدته رحلت عن هذه الحياة.

قال لأخته أنه في الطريق إليها، وقرر بمنتهى الهدوء أنه لن يتحرك من مكانه قبل أداء عمله، يعمل فاروق مُهرجًا أو «بهلوانًا» حرًا، لا ينتسب لجهة عمل مُحددة، فهو يُمارس عمله مع الفرق المُتنقلة ويترك لأصدقائه ومعارفه رقم هاتفه إذا كان أمامهم حفلة أو مُناسبة يحتاجونه فيها.

كان الجمهور الذي بالخارج ينتظر صعود فاروق على المسرح، هم أطفال مُصابين بمرض السرطان، كان الدافع الذي يُحرك فاروق ويجعله يتأخر عن وداع أمه، هو أنه لن يحرم هؤلاء الأطفال من البسمة التي ينتظرونها، سيؤدي عمله على أفضل نحو ممكن، وسيُضحكهم قدر المستطاع، وسيكتم مشاعره في أبعد نقطة بقلبه، ولتنعم روح أمه بضحكات الصغار التي سُيهديها إليها في أول لحظات رحيلها، فليس أفضل من هذا يُقدمه إليها قبل أن يودّعها.

«الكرش» ليس دليلًا على «العز».. كيف يساعد الفقر على البدانة؟

لا يعرف الألم إلا من ذاقه

لا يعرف الألم إلا من ذاقه، ولا يُقدّر الابتسامة والضحكة إلا من عرف قسوة الألم * فاروق

تخرج فاروق في كلية التجارة الخارجية منذ تسع سنوات، كانت له عدّة مُحاولات في البحث عن فرصة عمل بتخصصه، لكنه لم يفلح، حاول إيجاد فرصة عمل بأي شكل حتى يتمكن من تغطية نفقاته والمُساعدة في نفقات أمه وأخته، وقتها اقترح عليه صديق مقرب له، بأن يحاول استغلال خفة ظله، وطرافة حديثه وتصرفاته، كان صديقه يعمل مُصمم ديكورات مسارح، ويعرف كثيرًا من الفرق المُتنقلة التي تُقدم فقرات مسرحية مُتنوعة.

Embed from Getty Images

«هل تقبل أن تعمل مُهرجًا؟!» هكذا باغته صديقه بالسؤال، لم يأخذ فاروق الكثير من الوقت في التفكير، هو فعلًا يحب إضحاك الآخرين فما الضرر في أن تصبح هذه مهنته، على الأقل سيفعل ما يحبه حتى لو أدرّ عليه دخلًا قليلًا.

يعرف فاروق جيدًا أن نظرة الناس لمهنته ليست إيجابية تمامًا، لكنه وجد شريكة حياة تقتنع بمهنته، وتحلم معه بتطوير مشروع يكون عمله مُنصبًا على تصميم وتنفيذ حفلات أعياد الميلاد للأطفال، تُقدم العديد من الفقرات التي يُحبونها.

يقول فاروق  لـ«ساسة بوست»: «لا شيء يهون عليّ قسوة ما واجهته في الحياة سوى ابتسامة طفل صغير، وخصوصًا إذا كان هذا الطفل يتألم بسبب المرض، فكثير ما نُقدم فقراتنا لأطفال مُصابين بالسرطان أو بأمراض القلب أو بالأورام المُختلفة».

ليس أقسى ما لاقاه فاروق هو عدم إيجاد فرصة عمل في مجال تخصصه رغم مُحاولاته المُتعددة، ولكنه أيضًا عانى من آلام اليُتم صغيرًا بعد رحيل والده، ومن رؤيته لوالدته تكدّ حتى تتمكن من تعليمه هو وأخته، وبمجرد ما أتمّت مهمتها وحصل على شهادته الجامعية وجد نفسه لا يتمكن من العمل بها.

ليس بواب عمارتك ولا يحب أن تناديه «بكار».. ما لا تعرفه عن النوبيين في مصر

مهنة المُهرج ونشأة السيرك

يمكن رصد بداية مهنة المُهرج في الحضارات القديمة، فقد كان موجودًا منذ أيام المسرح الإغريقي، حيث كان برأسه الأصلع ومكياجه اللافت، يؤدي وصلات وأدوارًا ثانوية في المسرحيات الهزلية، وغالبًا بشكل إيمائي تتخلله أحداث غير مفهومة. وفي مصر القديمة وقبل 5 آلاف عام احتفظت العائلات الحاكمة بأقزام من الأفارقة، بغرض تسلية الفرعون، وكانوا يرتدون زيًّا مصنوعًا من جلد الفهد، وأقنعة غريبة، وهي المظاهر التي ميزت مهنة المُهرج أيضًا في الصين واليونان.

وفي روما القديمة تعددت أنواع المُهرجين، فمنهم من كان لا يرتدي أي أقنعة، ومنهم من كان يظهر عادة برأس أصلع أو قبعة مُدببة مُرتدين أزياء مُلونة، وكانت العائلات الغنية مُعتادة على الاحتفاظ بالمُهرجين بغرض التسلية، وبالعودة إلى القرن الثامن في الشرق فقد انتشرت مهنة المُهرج بشدة، وكان منهم بهلول مُهرج الخليفة هارون الرشيد.

أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جَرس

جلجلت به صحيوا الخدم والحرس

أنا المهرج .. قمتو ليه خفتوا ليه

لا فْ إيدي سيف ولا تحت مني فرس

عجبي!!

بهذه الكلمات كان يحاول الشاعر المصري صلاح جاهين في واحدة من رُباعياته الشهيرة التعبير عن مهنة المُهرج والتي بدأ أول ظهور لها في القرن 18. كانت البداية الأولى للسيرك في هذا القرن، فقد تأسس أول سيرك في التاريخ في بريطانيا، على يد فيليب آستلي عام 1768م، تلى ذلك ظهور أول مُهرِّج سيرك في التاريخ، وكان ذلك في عرض قصير عنوانه «الخياط يركب الحصان إلى برنتفورد».

كانت فكرة العرض تقوم على أساس حكاية شعبية معروفة عن خياط يعجز عن امتطاء حصان، ومع ذلك يريد امتطاءه لكي يذهب إلى برنتفورد حيث عليه أن يدلي بصوته في انتخابات، وقد ظل هذا العرض مُرافقًا لحياة السيرك طوال 100 عام، لم يكن هذا العرض في الحقيقة عرضًا للمُهرِّج بالمعنى الحديث للكلمة، بل كان مجرد عرض تهريجي غايته إضحاك المتفرجين على مغامرة الخياط.

أما الولادة الحقيقية للمُهرِّج فبدأت بمجيء جوزف جريمالدي (1778 – 1837م)، الفنان ذو الأصل الإيطالي الذي سيدخل التاريخ بوصفه أول مهرِّج مسرح حقيقي، والذي قام برفع مستوى هذا الفن.

«نحن بسمة الأطفال»

في إحدى مدن صعيد مصر البعيدة جدًا عن الأماكن الترفيهية المُتاحة بكثرة في العاصمة المصرية، ينصب جلال السيد، الشاب العشريني، وزملاؤه تلك الخيمة التي سُيقيمون فيها السيرك ليقدموا فقراتهم الترفيهية للأطفال، والتي تتنوع بين فقرات مُتعلقة بالحيوانات وفقرات خاصة بالمُهرجين وغيرها، الفقرة التي يتولى جلال تقديمها هي فقرة «المُهرج».

Embed from Getty Images

مُهرج مع بالونات

هنا في مدينة إدفو بمُحافظة أسوان يعمل جلال وزملاؤه لمدة أسبوعين من كل عام يوميًا، يُقدمون عروض فقراتهم صباحًا ومساءً، ويحكي جلال لـ«ساسة بوست»: «بغض النظر عن أننا نربح عائدًا ماليًا كبيرًا بسبب الإقبال الشديد علينا في المحافظات النائية من الكبار والصغار، لكنني أشعر أنني أُقدم شيئًا إنسانيًا للغاية حينما أرى البسمة على وجه طفل أعرف جيدًا أنه ليس من السهل عليه أن يجد وسائل ترفيهية تُذكر في مدينته النائية المُتواضعة».

ليست مدن صعيد مصر فقط التي يتجول بها جلال وفرقته، فهم يُقدمون عروضهم بكافة المُحافظات المصرية سواء من وجه قبلي أو بحري، حصل جلال على شهادة الثانوية العامة، ولم يستطع أن يستمر في إكمال تعليمه، بعد وفاة والده، الذي ترك له مسؤولية خمسة من الأخوات ما زلن في مراحلهن التعليمية المُختلفة، في البدء كانت مهنة المُهرج هي المهنة الأيسر على جلال، ولكنه بعد أن عمل بها لفترة من الوقت شعر أنها المهنة الأقرب إلى قلبه.

أفيش فيلم «قدرات غير عادية»

وقد تمكن المخرج المصري داوود عبد السيد من رصد حالة أطفال المحافظات تجاه الفرق المُتنقلة كتلك التي يعمل بها جلال، وتصل إلى مُحافظات البعيدة مُقدمه الفقرات الترفيهية،  في فيلمه «قدرات غير عادية» الذي أظهر تعلق بطلة فيلمه الطفلة، بفقرات السيرك، وموسيقاه الصاخبة، والألوان المُبهجة على وجوه المُهرجين.

«البلانة» و«الدلالة» وقارئة الفنجان.. مهن لا تزال «للنساء فقط»

«نُضحك الناس فننسى آلامنا»

كمال عبد الحميد هو رب أسرة خمسيني، يعمل مُهرجًا منذ ما يزيد عن 20 عامًا، في الكثير من الأحيان يشعر كمال أن مهنته هي ضغط لا يُحتمل، هو لا يُضحك الناس مثل الممثل الكوميدي بالكلام أو النكات أو الإفيهات، كل مهنته مُرتبطة بالأداء الحركي وتعبيرات الوجه فقط، وعليه أن يُضحك مُشاهديه بأدائه الحركي هذا، أيًا كانت حالته النفسية، وسواء كان هناك بالبيت طعام لأولاده أو لا، وسواء أكان أحد أولاده مريضًا في البيت أو خرج لتوّه من عملية جراحية ولا زال بإحدى المُستشفيات.

كمال أب لثلاثة من الأبناء، لم يعرف مهنة أخرى غير عمله مُهرجًا طوال حياته، يقطن وأسرته بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة المصرية، ولا يُشغله أكثر من أن يؤدي الأمانة ويصل بأبنائه الثلاث لحياة آمنة مُستقرة بلا فقر ولا احتياج.

رغم كل الضغط الذي يشعر به كمال أثناء تأدية عمله لتغيير حالته النفسية من حال إلى حال، إلا إنه حينما يندمج في أداء عمله ينسى همومه بالفعل، ولا يعود إليها مرة أخرى إلا حينما يخلع عنه ملابس عمله ويُزيل الألوان عن وجهه، مُعلنًا استئنافه لحياته بمُشكلاتها من جديد.

يتفق كمال مع سابقيه في أن أكثر ما يُسعده هو أن يرسم الضحكة على وجه يعرف أنه مُتألم، ويقول لـ «ساسة بوست»: «لا أحد في هذه الأيام لا يتألم، لقد سحق الغلاء أرواح الجميع، وصار العجز وقلة الحيلة في توفير أبسط الضروريات هي المُلازم القاسي للكبار والشباب، والمرضى والأصحاء».

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد