عملية تغيير جذري ستشهدها الجهود الخاصة بالتصدي لظاهرة الاحتباس الحراري، وزيادة ارتفاع حرارة الأرض؛ وذلك بعد أن اكتشف العلماء طريقة سريعة لتحويل غاز «ثاني أكسيد الكربون»، المسبب الرئيس للاحتباس الحراري، إلى صخور.

المشروع الحصري لدولة «أيسلندا»، أطلق عليه اسم «كاربفيكس» (Carbfix)، جرت فيه عملية ضخ لغاز ثاني أكسيد الكربون والماء إلى عمق 540 متر تحت سطح الأرض، وتحديدًا في طبقة الصخور «البازلتية»، وذلك في محطة الطاقة الحرارية الأرضية الموجودة في منطقة «هيليشيدي» في أيسلندا.

من المعروف أن غاز ثاني أكسيد الكربون هو من الغازات الحمضية الضعيفة، وبالتالي فإن مزجه مع الماء كون خليطًا حمضيًا، هذا الخليط الحمضي تمكن من إذابة «الكالسيوم والماغنسيوم» الموجودين في طبقة الصخور البازلتية، مكونًا «الحجر الجيري»، مما أدى إلى حبس الغاز بشكل دائم وطبيعي، وذلك طبقًا للباحث «يورغ ماتر»، من جامعة «ساوثهامبتون» والمؤلف الرئيس للدراسة، والذي نشر تفاصيل هذه التجربة المميزة والثورية.

نتائج هذه الدراسة، التي نشرت في التاسع من يونيو (حزيران) 2016، في مجلة «ساينس» العلمية المتخصصة، تعطي أملًا في أن تقدم سلاحًا جديدًا وفعالًا للمساعدة في مكافحة ظاهرة «الاحتباس الحراري» التي صنعها الإنسان. وأضاف ماتر أن ثاني أكسيد الكربون، لم يعد في هذه الحالة في صورته الغازية، لكنه تحول بشكل أساسي إلى صخور.

مفاجأة غير متوقعة

الأمر الأكثر إثارة للدهشة، أنه بعد مرور عامين فقط وجد العلماء أن 95% من الغاز سُيطِر عليه وحُوِّل، وهي نسبة أسرع بكثير من التوقعات الأولية التي بناها العلماء عند بداية المشروع، والتي اقترحت أن عمليات التقاط الكربون، وتخزينه، يمكن أن تستغرق آلاف أو حتى مئات الآلاف من السنين.

وقال «ديفيد غولدبيرغ»، وهو فيزيائي في جامعة «كولومبيا»، والذي كان قد أشاد بهذه التجربة، إن هذا ما كنا نأمل، أن نجد بعض الطرق الأفضل في هذا المجال، وهو ما وجدناه في عملية التحويل الطبيعية هذه، وما صاحبها من تطوير لها بهدف تسريعها.

لكن المشكلة هنا هو أن هذه العملية التابعة لمشروع كاربفيكس، يمكن أن تكون مكلفة جدًا؛ إذ تصل إلى حوالي 10 مليون دولار، أضف إلى هذا إضافة كبيرة جدًا، تتعلق بانتزاع غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ليُخزَّن بعد ذلك. وتتطلب عمليات التقاط وتخزين غاز ثاني أكسيد الكربون التقليدية، عملية فصلها عن مزيج الغازات المنبعثة من محطات توليد الكهرباء والمنشآت الصناعية، وهو أمر مكلف. ولكن هذه عملية تخزين الكربون على أساس البازلت لا تتطلب ذلك بصورة كبيرة جدًا.

الغاز يمكن تخزينه، بعد جمعه، تحت الأرض، ويحقن أحيانًا في آبار النفط، التي نضبت واستهلكت كمية النفط والغاز الطبيعي بها، ولكن أثيرت مخاوف بشأن القدرة على رصد الغاز، وإمكانية منعه من الهرب.

وقال ماتر، إنه عبر حقن ثاني أكسيد الكربون في البازلت، والذي يعد موردًا وفيرًا في جميع أنحاء العالم، وترك الطبيعة تأخذ مجراها، يمكن أن تحل المشكلة. وأضاف أن القبض والسيطرة على الكربون، ليس بمثابة الرصاصة الفضية، ولكنها وسيلة يمكن أن تسهم إلى حد كبير في الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

فيما قال غولدبرغ، إن أكثر المناطق الواعدة بهذه التجربة ستكون قيعان المحيطات، والتي تتميز بأنها مليئة بالكامل بالبازلت، مما يجعلها أفضل مكان لتخزين غاز ثاني أكسيد الكربون.

الاحتباس الحراري

دول العالم طبقًا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون


مشكلة السياسة

قال ماتر في تصريحات لصحيفة «الغارديان» البريطانية، إن المشكلة الوحيدة التي تقف عقبة في سبيل تنفيذ عملية التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، تكمن في عدم وجود أي فعل إيجابي من قبل رجال السياسة، وهم المنوط بهم تحويل مثل هذه التجارب الهامة إلى مشاريع قومية وعالمية لخدمة العالم.

وأضاف أن عملية هندسة تخزين الكربون والتقنيات اللازمة لإتمام الأمر، متوفرة ، فلماذا لا نرى المئات من هذه المشاريع حول العالم؟ ماتر نفسه أجاب قائلًا «ليس هناك حافز للقيام بذلك».

يذكر أن هذا المشروع الخاص بدولة أيسلندا، جرى زيادته وتطويره، بحيث يكون قادرًا على تخزين كمية قدرها 10 آلاف طن من غاز ثاني أكسيد الكربون كل عام. ويذكر أيضًا أن هناك اختبارات تتعلق بعملية تخزين ثاني أكسيد الكربون في صخور البازلت في منطقة «نهر كولومبيا»، وهي منطقة واسعة ومليئة بصخور البازلت موجودة في ولايتي «واشنطن وأوريغون».

وقال الفريق الحكومي الدولي المعني بمتابعة تغير المناخ التابع للأمم المتحدة، إن فكرة هذا المشروع مهمة جدًا على نطاق واسع في معالجة تغير المناخ، في حين قال أيضًا إن تكلفة وقف «الاحترار» العالمي تتضاعف في غياب عملية التقاط وتخزين ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي فإن تكلفة المشروع، ولو كانت مرتفعة، فإنها لن تقارن بالتكلفة التي ستدفعها البشرية مع استمرار تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

لكن ومع ذلك، فقد ألغت حكومة المملكة المتحدة منافسة رائدة بقيمة مليار جنيه إسترليني تتعلق بالتقاط وتخزين الكربون (يطلق عليها اسم CCS) في شهرنوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وعلى الصعيد العالمي، فإن عمليات الـ«CCS» لم تتطور بالسرعة المأمولة، على الرغم من أن بعض الشركات تستخدم حقن ثاني أكسيد الكربون، لدفع المزيد من النفط والغاز من الحقول القديمة. وكان هناك أكثر من 100 عملية حقن لثاني أكسيد الكربون في مختلف البلدان في جميع أنحاء العالم منذ عام 1972، والمذهل أنه لا وجود لأية عملية حقن نتج عنها أي تسرب لاحق.

الاحتباس الحراري وصل لمعدلات قياسية


تجارب واعدة

ويجري استكشاف أساليب مبتكرة أخرى لاحتجاز الكربون وتخزينه، بما في ذلك المشروع الذي تدعمه شركة «إكسون موبيل» باستخدام خلايا الوقود لجعل عملية التقاط ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي أرخص. كما أن هناك المشروع الذي تدعمه شركة «فورد»، والذي يستخدم ثاني أكسيد الكربون لإنتاج رغوة معينة تستخدم في سياراتهم. كما توجد مجموعات أخرى تعمل ـ أيضًا ـ على أبحاث كيميائية لالتقاط ثاني أكسيد الكربون بصورة أكثر سهولة.

وقال «ستيوارت هازلدين»، أستاذ الـ«CCS» في جامعة «إدنبرة» بالمملكة المتحدة، والذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، إن هذه النوعية من المشاريع تعد أمرًا واعدًا، فهي قد توفر أيضًا علاجًا منخفض التكلفة، وآمنًا جدًا، لأجزاء من العالم؛ حيث توجد الصخور مناسبة.

وأضاف أن هذا يحتاج إلى أن نستخدم جميع المقترحات القائمة لحل مشكلة الاحتباس الحراري؛ لأن المشكلة التي يتعين حلها هي مشكلة تتعلق بمليارات الأطنان من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون سنويًا في العالم، وهذه كمية هائلة، لا يكفيها علاج واحد فقط، سواء على مستوى الكمية المراد التخلص منها أو القيام بالأمر بالسرعة الكافية.


عرض التعليقات
تحميل المزيد