أثار قرار مجلس الوزراء المصري مؤخرًا بالموافقة على استخدام الفحم كمصدر لتوليد الكهرباء وكوقود بديل في الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة كالإسمنت جدلاً واسعًا بين مؤيد ومعارض، فمن ناحية يراه المؤيدون الحل الأمثل لتجاوز مشكلة الطاقة في مصر في ظل النقص المتزايد في كميات الغاز الطبيعي اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء ومصانع الإسمنت إضافة إلى ارتفاع التكلفة المادية لاستيراده ثم تقديمه بالسعر المدعم.
أما المعارضون فيشيرون بوضوح إلى الأثر السلبي لاستخدام الفحم على البيئة وما يرتبط به من ارتفاع معدلات تلوث الهواء والمياه وما ينتج عنه من تغييرات بيئية وبيولوجية.

وكانت الحكومة المصرية قد شرعت منذ يناير الماضي في تقليص إمدادات الغاز الطبيعي لمصانع الإسمنت وإعادة توجيهه نحو محطات الكهرباء في محاولة لتجنب السخط الشعبي الناجم عن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في مصر، مما دفع مصانع الإسمنت الكبرى في مصر لتجديد مطالباتها باستخدام الفحم؛ حيث إن إمدادات الغاز الحالية لا تكفي لتشغيل المصانع بأكثر من نصف طاقتها.

 

(1) هل الفحم قادر على حل مشكلة الكهرباء في مصر؟

بشكل مباشر، لا يستطيع الفحم حل مشكلة الكهرباء في مصر؛ حيث إن أغلب محطات توليد الكهرباء في مصر هى محطات غازية وليست بخارية، أي أن تصميمها غير مهيأ للتعامل مع وقود غير الغاز، واستخدام أي وقود آخر يخفض إنتاجية هذه المحطات ويقلص من عمرها ويرفع تكاليف صيانتها، بما يعني أنه في حال رغبت السلطات في مصر في استخدام الفحم بشكل مباشر في توليد الكهرباء فإن عليها أن تشرع في إنشاء وتصميم محطات جديدة مهيئة للتعامل مع الوقود الحراري.

 

(2) إذًا كيف يمكن أن يؤثر قرار استخدام الفحم على وضع الكهرباء في مصر؟

التأثير المنتظر هو تأثير غير مباشر بشكل كبير، ويعتمد على استخدام الفحم كبديل للغاز ليس في محطات توليد الكهرباء وإنما في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة كالإسمنت من أجل تخفيف إنتاجها من الغاز لتوجيهه نحو محطات توليد الكهرباء.

فوفقًا لإحصاءات عام 2012، فإن مصانع الأسمنت تستهلك ما يقرب من 20% من إنتاج مصر من الغاز الطبيعي، وهي النسبة التي ربما ترغب الحكومة في تقليصها وتوجيهها نحو محطات توليد الكهرباء بينما تعتمد صناعة الإسمنت على الفحم بشكل رئيسي.

 

(3) إذًا.. مشكلة الكهرباء في مصر هي مشكلة وقود فقط؟

بالطبع هي مشكلة وقود في المقام الأول، ولكن هذا لا يمنع أن طاقة محطات الكهرباء في مصر تعجز عن تلبية الحد الأقصى للاستهلاك حتى لو تم تشغيلها بكامل قوتها، ففي أشهر الصيف الحالى عام 2014، يتوقع أن تصل ذروة استهلاك الكهرباء إلى 29 جيجا وات بينما لا يستطيع قطاع الكهرباء في مصر سوى توليد 26 جيجا وات كحد أقصى في حال تشغيل جميع المحطات بكامل قوتها- بعجز مقداره 3 جيجا وات – وهو الأمر غير الممكن عمليًّا؛ حيث إن إنتاج مصر من الغاز الطبيعي لا يكفي لتوليد أكثر من 19 جيجاوات فقط وبعجز أكثر من الثلث، بما يعني أن الكهرباء لا بد وأن يتم قطعها في ثلث مصر على الأقل في ساعات الذروة خلال فصل الصيف.

(4) مصر صنفت كإحدى الدول المصدرة للغاز، فكيف لا يكفي إنتاجها لتوليد الكهرباء.. فلتوقف تصدير الغاز إذًا؟

دعنا نرجع للوراء خطوة، ففي عامي ٢٠١١ و٢٠١٢ وصل إنتاج مصر من الغاز حوالي ٢,٢ تريليون قدم مكعب كل عام، وقامت مصر بتصدير 0.4 تريليون قدم مكعب في عام ٢٠١١ وتم خفض التصدير إلى 0.2 تريليون قدم مكعب في عام ٢٠١٢ وتوجيه باقي الاستهلاك للإنتاج المحل قبل أن يتم إيقاف تصدير الغاز نهائيًّا عام 2013.

وفي عام ٢٠١١ بلغ الاستهلاك المحلي من الغاز ١,٨ تريليون قدم مكعب ولكنه بلغ في عام ٢٠١٢ حوالي ٢ تريليون قدم مكعب بزيادة تقريبية مقدارها 10% رغم ثبات الإنتاج في العامين، وبتطبيق نفس معدلات الزيادة السنوية في الاستهلاك “10%” فإن مصر ستكون بحاجة إلى 2.4 تريليون قدم مكعب من أجل تغطية الاستهلاك المحلي وهي الزيادة التي لا يستطيع الإنتاج المحلي للغاز في مصر توفيرها، لأنه بدلا من أن يتزايد فإنه على العكس من ذلك يتراجع بشدة.

 

(5) كيف يتراجع إنتاج مصر من الغاز؟

يمكن تصنيف ثبات كمية إنتاج الغاز في مصر بين عامي 2012 و2013 كمؤشر على بدء تراجعه في ٢٠١٣ وما بعدها بسبب عزوف شركات البترول نظرًا لأجواء عدم الاستقرار السياسي، بينما في المتوسط ينقص إنتاج الآبار التي لا يتم صيانتها بمعدل ١٠٪ كل عام بما يعني أن إنتاج مصر المتوقع من الغاز الطبيعي عام 2014 لن يزيد عن 1.8 تريليون قدم مكعب، وهو ما لا يكفي سوى لتوليد 19 جيجاوات من الكهرباء فقط بعجز كلي حوالي 30% في أوقات الذروة، وبين 10-15% في الأوقات العادية.

 

(6) ما الحلول المتاحة إذًا؟

على المدى القصير، ومع ارتفاع سنوي متوقع في استهلاك الكهرباء بنسبة 10% تقريبًا، ومع تأثير الوقود البديل “المازوت” السلبي على حالة المحطات وكفاءتها لا يبقى هناك حل أمام الحكومة المصرية سوى استيراد كمية العجز المتوقع من الغاز “حولى 0.6 ترليون قدم مكعب”، لذا ترددت أنباء في بعض وسائل الإعلام العربية عن اتجاه أوساط مصرية لاستيراد الغاز من إسرائيل أسوة بالأردن التي فعلت ذلك مؤخرًا، خاصة في ظل توتر العلاقة بين النظام المصري ودولة قطر التي تعد أكبر منتج ومصدر للغاز المسال في المنطقة.

وتبقى الحلول الأخرى متوسطة إلى طويلة الأمد، ويأتي على رأسها استثمارات أوسع في مجال التنقيب عن الغاز في مصر لسد الفجوة الاستهلاكية الحالية والمستقبلية، مع إنشاء محطات غازية جديدة وهو الحل الأقرب ويستغرق عامين في تقدير الخبراء من أجل تعديل الوضع المصري في مجال إنتاج الغاز.

الحل الثاني هو الشروع في إنشاء محطات بخارية تعتمد على الفحم وهو الأمر الذي يحتاج إلى 5 سنوات على الأقل في حال شرعت الإدارة المصرية في تنفيذه مباشرة، كما أنه يواجه مشكلة عدم توفر الاحتياطيات الكافية من الفحم لتوليد الكهرباء بشكل مستمر بما يعني اعتماد دائم على الفحم المستورد.

وتبقى الحلول طويلة الأمد هي البحث عن استخدام وسائل الطاقة المتجددة وهو الأمر الذي يحتاج وقتًا طويلاً واستثمارات كبيرة، خاصة وأن الدول الكبرى لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الحيوي لتوفير احتياجاتها من الطاقة.

 

(7) بالعودة للفحم والجدل حوله.. هل هناك دول بالفعل لا تزال تعتمد على الفحم كمصدر رئيسي للطاقة؟

بالرغم من الاتجاه العالمي نحو تقليص الاعتماد على الفحم بسبب ما يسببه من أضرار بيئية جسيمة ومتزايدة، فلا تزال الكثير من الدول الكبرى تعتمد بشكل كبير على الفحم كمصدر للطاقة ولتوليد الكهرباء.

ففي تقرير لجريدة الإيكونومست – نُشِر منذ عام تقريبًا – فإن محطات الطاقة التي تعمل بالفحم توفر 40% من كهرباء العالم، بل إن ثلثي الزيادة العالمية في إنتاج الكهرباء على مدار العقد الماضي – وتقدر بالضعف – تأتي من الفحم، ووفقًا لتلك المعدلات وبدون تغييرات على السياسات الحالية فإن الفحم سينافس البترول كأكبر مصدر رئيسي للطاقة في العالم خلال عشر سنوات.

وأضاف التقرير أنه من المتوقع أن يتجاوز الطلب على الفحم الطلب على البترول والغاز الطبيعي وذلك كمحرك للاقتصاد والصناعة في دول العالم الأعلى استهلاكًا لهما بحلول عام 2017، وقد ذكرت الوكالة في تقرير حديث لها أنها تتوقع زيادة الطلب على الفحم في جميع مناطق العالم ما عدا الولايات المتحدة؛ حيث تتم الاستعانة بالغاز الطبيعي.

وبسبب اكتشاف كميات كبيرة من الغاز الصخري في الولايات المتحدة فإنها بدأت بالفعل في تقليص اعتمادها على الفحم كمصدر للطاقة الذي تراجع من 42% عام 2010 إلى 37% أواخر عام 2012 في مقابل ارتفاع للغاز الطبيعى بلغ 30% من الإنتاج الكلي للطاقة في الولايات المتحدة أواخر عام 2012.

الصين – منتجة الكهرباء الأولى في العالم – كذلك لا زالت تعتمد على الفحم بشكل كبير خاصة مع انخفاض أسعاره بعد محاولات الولايات المتحدة لاستبداله لتصل إلى نسبة تراوح بين 70-80%، إضافة إلى استخدامه بشكل متزايد في العديد من دول أوروبا كبولندا وألمانيا لعدم توفر الغاز الصخري.

 

(8) ما هي أكثر دول العالم اعتمادًا على الفحم في توليد الكهرباء؟

وفقًا لإحصاءات عام 2012 فهذه نسب تقريبية توضح حجم اعتماد دول العالم على الفحم من أجل إنتاج الكهرباء.

 

جدول

ويوضح الشكل الآتى نسبة الفحم إلى مصادر توليد الكهرباء الأخرى حول العالم والتي تبلغ 41%

بياني

 

(9) يبدو الاعتماد على الفحم خيارًا مناسبًا على المدى المتوسط؟

حسنًا، الأمر ليس بهذه البساطة؛ ففيما يخص مصر فإن مصر لا تمتلك احتياطيات الفحم المناسبة للاعتماد عليه بشكل رئيسي وتحمّل التكاليف الباهظة لبناء محطات توليد كهرباء بخارية، من ناحية أخرى فالتأثيرات البيئية لاستخدام الفحم لا يمكن الاستهانة بها أو التقليل من شأنها، ففي السنوات الأخيرة دعت وكالة ناسا أكثر من مرة إلى إيقاف تشييد محطات الفحم بسبب تأثيرها الشديد على البيئة والذي يرتبط بتغييرات مناخية كبيرة في غضون أقل من 10 سنوات أبرزها ذوبان الجليد الشمالي وما يرتبط به من زيادة مناسيب البحار مما يهدد مناطق شاسعة من البلدان الساحلية حول العالم.

الفارق في انبعاثات الغازات بين استخدام الفحم والغاز الطبيعي

 

بياني 2

على المستوى البشري، يرتبط استخدام الفحم بجملة من الأمراض المزمنة كالالتهاب الرئوي المزمن والنوبات القلبية والذبحات الصدرية، إضافة إلى السرطانات وأقلها عدم القدرة على العمل، وتشير دراسات إلى أن تكلفة معالجة الآثار الجانبية للفحم على المستوى البيئي والبشري أكبر من العائد الذي ينتج عن استخدامه كمصدر رخيص للطاقة.

 

(10) هل يمكن الحد من الآثار السلبية لاستخدام الفحم؟

في الواقع توجد جملة تقنيات مستحدثة تحاول تقليل الآثار الناتجة عن استخدام الفحم، ولكنها في الغالب لا تزال قيد التجربة، ولم تثبت نجاحها بعد في الدول الكبرى التي تمتلك إمكانات وميزانيات ضخمة للبحث فما بالك بالدول النامية والفقيرة ودول العالم الثالث.

أحد أشهر هذه التقنيات هي تقنية الفحم النظيف (IGCC) والتي تهدف إلى تقليل كمية الضباب الدخاني الناتجة عن عمليات استخراج وتصنيع الفحم، وهناك أيضًا تقنية احتجاز الكربون (CCS) والتي تهدف إلى تقليص ظاهرة الاحتباس الحراري المرتبطة بعمليات احتراق الفحم ولا زالت جميع هذه التقنيات قيد التجربة ولم يتم تعميمها بعد للاستخدام التجاري.

عرض التعليقات
تحميل المزيد