يبدو أنه لا يمكننا الاعتماد على نوعية طعام معينة حتى نحظى بالجسم المتناسق والوزن المثالي الذي نريده. السكَّر الأبيض يسبب الكثير من المشاكل في زيادة الوزن وتراكم الدهون، وعندما اكتشف العلماء مادة الأسبارتام المحلية، كانت بمثابة حلٍ رائع للاستغناء عن السكر.

بعد ذلك ظهرت لهذه المادة بعض الآثار الجانبية السيئة على الصحة، ليستبدل بها منتجو المواد الغذائية موادَّ أخرى، لكن يبدو أنه لا يوجد شيء كامل بالفعل. فإذا كنت تعتقد أنك تستمتع بالحياة مع الحد من تناول السكر إلى الصفر عن طريق التحول إلى النظام الغذائي الخاص بالمشروبات الغازية الخالية من السعرات الحرارية، فليس الأمر بهذه السهولة.

دراسة أخرى جديدة

فقد أشار بحثٌ جديد إلى أن هذه المشروبات التي قد لا يستطيع البعض الاستغناء عنها قد تؤدي إلى مشاكل لعقلك في وقتٍ لاحق. وكجزٍء من سلسلة من التحقيقات في كيفية تأثير المشروبات الغازية الحلوة على أدمغتنا، استخدمت كلية الطب بجامعة بوسطن الدراسات الاستقصائية لتحديد ماهية الآثار العصبية طويلة الأمد لاستهلاك المشروبات المحلاة اصطناعيًا بمواد مثل الأسبارتام أو الساكارين.

وقد أخذ المشاركون في هذا البحث من دراسةٍ طويلة الأمد كانت تتم في الوقت ذاته والخاصة بأبحاث القلب (دراسة فرامنغهام)، وشارك بها مجموعة من حوالي 5 آلاف من الرجال والنساء الذين تطوعوا لتوفير البيانات على مدى حياتهم منذ عام 1971.
ودرس الفريق البحثي
2888 من أفراد المجموعة العمرية الذين تجاوزوا 45 عامًا للكشف عن علامات إصابتهم بالسكتة الدماغية، ووجدوا أن 97 حالة أصيبت بها بالفعل (بينهم 87 حالة جلطة تقيد تدفق الدم، وتسمى سكتات نقص الأكسجين الدماغية).

وعثر الباحثون على 81 حالة من حالات الخرف بين 1484 من الأعضاء الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، وكان 63 منهم يعانون من أعراض تتفق مع مرض ألزهايمر. بعد ذلك استخدموا الاستبيانات التي كان المشاركون قد ملؤوها في عدة نقاط في حياتهم على مدى سبع سنوات لتحديد طبيعة نظامهم الغذائي.

وعبر دمج الأرقام وحساب عوامل مختلفة مثل العمر والتعليم وكمية السعرات الحرارية والتدخين وممارسة التمارين الرياضية، اكتشف الباحثون أن شرب زجاجة واحدة من المشروبات الغازية ذات السعرات الحرارية المنخفضة يوميًا يزيد من احتمالية الإصابة بالسكتة الدماغية ثلاثة أضعاف، وهي الحالة التي يمكن أن تؤدي لاحقًا إلى الإصابة بالخرف أو تطوير مرض ألزهايمر.

لكن.. السكريات جيدة

من ناحيةٍ أخرى، فشلت دراسة موازية في العثور على أدلة على أن شرب المشروبات السكرية العادية يزيد من خطر السكتة الدماغية أو الخرف على الإطلاق. وبالتالي يقول لنا العلماء إن كوكاكولا زيرو قد تسبب لك ألزهايمر بينما الكوكاكولا العادية آمنة على صحة دماغك!

لكن هنا لا بد من الانتباه لعدة أمور، وقبل فتح باب ثلاجتك لتناول كمية من «كوكاكولا زيرو» أو«بيبسي ماكس»، عليك أن تضع بعض النقاط في حسبانك.

أولًا، تضاعف الاحتمالات ثلاث مرات هي نسبة صغيرة بالفعل، ويجعل احتمالية إصابتك بالسكتات الدماغية نتيجة تناول مثل هذه المشروبات ضئيلة نسبيًا. فقد
قال الباحث الرئيسي في الدراسة
، ماثيو بيس: «في دراستنا، كان 3% من الناس يعانون من السكتة الدماغية الجديدة و5% من الخرف المطور، لذلك نحن ما زلنا نتحدث عن عدد قليل من الناس الذين يصابون إما بالسكتة الدماغية أو الخرف».

ثانيًا، هناك قاعدة مهمة جدًا تتعلق بالعلم لا ينتبه لها الكثير من الناس، «الترابط ليس السببية». ففي حين أن الإحصاءات تشير إلى أن شيئًا ما يمكن أن يحدث، فإنه لا يعني بالضرورة رسم خط مستقيم بين التحلية الصناعية باتجاه السكتة الدماغية. بمعنى أن الدراسات الإحصائية تظلّ كما هي، مجرد إحصائيات واحتمالات، لكن لا يعني ذلك أن هناك سببًا مباشرًا بين السبب والمسبب كما يظن الكثير من الناس، وذلك لأنه قد تكون هناك عوامل أخرى لم يأخذها الباحثون في الحسبان أو لم ينتبهوا إليها وتؤدي إلى هذه النتيجة نفسها.

نحن نظنّ أن صناعة الأغذية بشكلٍ عام، مثلها مثل كل الصناعات، تتطور إلى الأمام بشكل أكثر فائدة لنا، عبر منحنا أفضل تغذية في أبسط صورة ممكنة. لكن هذه المثالية لا توجد دائمًا في هذه الصناعة، وكما تحدث حالات فساد ضمن كبريات شركات صناعة الدواء العالمية، تلاعب في نتائج بعض الأدوية أو تجربة أدوية بشكل غير أخلاقي وغيرها، يمكن أن يتواجد أيضًا فساد من نوع آخر ضمن شركات الغذاء العملاقة التي تبحث عن الربح المادي في النهاية.

فقد أظهرت تقارير أن شركات صناعة الأغذية نفسها هي التي تقوم بتمويل بعض الأبحاث، وهو ما يشكك بالطبع في مصداقية مثل هذه الأبحاث التي تأتي لتصب في صالح منتجات الشركة بشكل أو بآخر. نظرية المؤامرة يمكن أن توجد بقوة: من قال إن شركات الأغذية تبحث عن زيادة صحة طعامنا، ربما هي فقط تبحث عن زيادة الأرباح.

في الدراسة التي بين أيدينا، من الصعب حاليًا تتبع الجهة الممولة لها، لكنّ هذا لا يمنع وجود بعض القصور فيها. فبالإضافة لما ذكرناه سابقًا، اقتصر المسح على البيانات التي جرى جمعها بالفعل كجزء من دراسة فرامنغهام للقلب، والتي كانت تتألف من أشخاص من خلفيات عرقية قوقازية في الغالب. وبالتالي يمكن للاختلاف الحضاري أو العرقي أن يخفي بعض التفاصيل الهامة، خاصة بالنظر إلى الاختلافات في المشروبات السكرية المستهلكة عبر التركيبة الديمغرافية.

كما لم يكن هناك أي مؤشر على ما إذا كان هناك مادة تحلية اصطناعية محددة يمكن أن نلقي اللوم عليها، نظرًا لأن المشاركين لم يحددوا في ملاحظاتهم طبيعة كل مياه غازية قاموا بشربها خلال حياتهم.

حاليًا يتجه الكثير من الناس إلى تناول المشروبات الغازية بدون سكر مدفوعين برسائل صحية عامة تشجع الناس على فقدان الوزن، لذلك فقد يكون بالطبع من المفيد النظر في التأثير المحتمل للتناول الكبير لهذه المشروبات الخالية من السكر على صحة البشر. يقول بيس: «تبين دراستنا الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث في هذا المجال نظرًا إلى عدد الأشخاص الذين يشربون المشروبات المحلاة بشكل مصطنع».

هذا التصريح نفسه يشكك في أن تكون نتائج الدراسة هي نتائج مؤكدة ونهائية، ولا يمكننا حتى أن نكون متأكدين من حيادية هذه الأبحاث في ظل عدم معرفة الجهة الممولة للدراسة والغرض الرئيسي منها.

مشكلة السكر.. والأبحاث المموَّلة

عام 1967، أرادت مجموعة صناعية تسمى «مؤسسة أبحاث السكر» دحض الاتهامات التي أحاطت بالسكر عن دوره المحتمل في الإصابة بأمراض القلب. وقامت المؤسسة بتمويل أبحاث أجراها علماء من جامعة هارفارد المرموقة، وخرجت بهذه النتيجة، التقليل من مخاطر السكر وتسليط الضوء على مخاطر الدهون المشبعة. ونُشرت هذه النتائج في جريدة نيو إنجلاند للطب دون إشارة إلى الجهة الممولة.

في ذلك الوقت بدأت تنتشر أمراض الشريان التاجي، وكانت
المجموعة الصناعية مستمرة في تمويل الأبحاث والدراسات
التي تؤكد أن تجنب تناول الدهون هو الطريقة الأفضل لتجنب الإصابة بأمراض القلب. وبذلك نجحت هذه الأبحاث في الفوز بالمعركة لصالح السكر على حساب الدهون على مدى العقود الخمسة الماضية، وعرقلة جهود البشر للحد من انتشار هذه الأمراض.

جدير بالذكر أنه في هذا الوقت ومع انتشار السمنة، توصلت شركات صناعة الأغذية إلى حل سريع يكمن في الطعام القليل أو الخالي من الدسم، وهي الأنواع التي غزت الأسواق بشكلٍ ملحوظ بالفعل. لكن المشكلة أن هذه الأغذية كانت مليئة بالسكر على حساب الدهون.

وأشارت ماريون نستله، أستاذة التغذية والصحة العامة بجامعة نيويورك إلى استمرار تلاعب شركات صناعة الأغذية حتى يومنا هذا بنتائج الأبحاث لتكون في صالحهم، خاصةً وأن صحيفة النيويورك تايمز حصلت في العام الماضي على رسائل عبر البريد الإلكتروني تكشف عن علاقة بين شركة كوكاكولا للمشروبات الغازية وباحثين يقومون بإجراء أبحاث تقلل نتائجها من آثار المشروبات السكرية على السمنة.

وحصلت وكالة الأسوشيتدبرس أيضًا على رسائل بريد إلكتروني تكشف عن تمويل صناعة الحلوى لدراسات تؤكد أن الأطفال الذين اعتادوا تناول الحلوى كانت أجسامهم «أخفّ وزنًا وأكثر صحةً» من أولئك الذين لا يتناولونها. وكانت ماريون قد تناولت هذه الحقائق عن المنافسة الشرسة بين شركات الأغذية في كتابها «سياسات الغذاء».

ليس هذا فحسب، لكن مجموعات السكر أو ما يعرف بـ«لوبي السكر» تمكنت أيضًا حتى عام 1970 من إبعاد الأنظار عن العلاقة بين السكر وبين تسوس الأسنان.

وفي عام 2014، اتهم تقرير جمعية السكر بالتصدي للأبحاث التي تظهر الأثر السلبي للسكريات المضافة في الأغذية، ومن بين الوسائل التي استخدمتها الجمعية كانت التهديد بوقف تمويل منظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى تمويل باحثين يروجون فكرة تساوي شراب الذرة والسكر في التمثيل الغذائي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد