الكوكايين من المواد المخدرة المحظورة والمحرمة قانونًا في كل دول العالم، وهو من المهلوسات العقلية شديدة الخطورة على الإنسان جسديًّا ونفسيًّا. لكن المثير للاهتمام أن التاريخ القريب للكوكايين يوضح أنه لم يكن محرمًا حتى أوائل القرن العشرين، بل وصفه الأطباء بصفته دواءً سحريًّا بإمكانه علاج الكثير من الأمراض.

فبعد عقود طويلة من الاستخدام اتضح أن الكوكايين مسؤول عن أعدادٍ كبيرة من حالات الوفاة، لتشن الحكومات حربها على ذلك العقار، وفي هذا التقرير نتناول التاريخ المثير لنبتة «الكوكا» التي يعود تاريخ استخدامها إلى 3000 سنة قبل الميلاد، وكيف تحولت إلى عقار طبي ثم إلى مخدر مُدمِّر يتهافت عليه الأثرياء والفنانون وملايين من المدمنين حول العالم.

الكوكا في «حضارة الإنكا».. تداوٍ وطقوس دينية

تحكي إحدى أساطير جبال الأنديز عن امرأة تدعى «كوكا» عاشت في الأزمان الغابرة كانت بالغة الجمال، استخدمت تلك المرأة سحرها وجمالها في الاستفادة من الرجال بعد إغوائهم، حتى وصلت أخبار أفعالها إلى مسامع الإنكا العظيم، والذي أمر بقطعها إلى نصفين وتقديمها ضحيةً للآلهة، لكن على حافة قبر السيدة الجميلة نشأت نبتة سحرية تعطي قوة ملحوظة لكل من يتناولها وتخفف عنه الألم والمعاناة، فسُميت النبتة بـ«كوكا» على اسم تلك المرأة الجميلة.

إنتاج الكوكايين في كولومبيا

ولعل هذا ما يفسر ارتباط مصدر الكوكايين في عصرنا الحالي بأمريكا الجنوبية؛ إذ استُخدم في البداية بين أثرياء إمبراطورية «الإنكا» التي تأسست في القرن الثاني الميلادي بأمريكا الجنوبية وتحديدًا في البيرو بمنطقة جبال الأنديز، واستمرت حتى دخول الغزاة الإسبان إليها عام 1532، وحين ذاك كانت الكوكا السلعة الأكثر قيمة بين الناس؛ إذ عُدَّت مكافأة للجنود الشجعان، فكانت بمنزلة الذهب والفضة والأحجار الكريمة، لكن بمرور الوقت تمكنت الطبقات الشعبية من الحصول على النبتة ومشاركة المقتدرين في استخدامها.

فكان شعب الإنكا يمضغون أوراق الكوكا الجافة لتسريع عملية التنفس ليتمكنوا من التأقلم مع العيش فوق الجبال؛ إذ يعمل العيش في المناطق بالغة الارتفاع عن سطح البحر (فوق الجبال الشاهقة) على تبطئة عملية التنفس، فكان نبات الكوكا بالنسبة إليهم حلًّا مناسبًا لتلك المشكلة، فكانوا يحفظون أوراق الكوكا الجافة ويتناولون منها وقتما شاءوا؛ وخصوصًا في الاحتفالات والطقوس الدينية التي ارتبطت بها هذه النبتة؛ فكانوا يحرقون أوراقها ويدخنونها باتجاه الشمس (إله حضارة الإنكا) وكذلك استخدموها في علاج المرضى.

Embed from Getty Images

زراعة أوراق الكوكا

وعن طريق شعب الإنكا عرف المستكشفون الأوروبيون طريقة استخدام أوراق الكوكا؛ وقلدوهم في طي أوراق الكوكا بشكلٍ معين ووضعها بين الأسنان والخد؛ وكانوا يلوكونها أو يضعون مادة قلوية داخل الورقة المطوية مثل مسحوق صدف البحر أو رماد الخشب، لتحفيز المادة الفعالة. 

حينها كان مضغ الكوكا جزءًا من الحياة اليومية لساكني جبال الأنديز؛ إذ عرف عنها تخفيف التعب والقضاء على الجوع، كما استخدموا الكوكا لعلاج أمراض الجهاز الهضمي وتخفيف آلام المفاصل، والصداع، والكسور، وعلاج العجز الجنسي.

لم يدرك القدماء حينها أن ما يتناولونه سيتحول لاحقًا لواحدٍ من أكثر المواد المخدرة إدمانًا على وجه الأرض. بالطبع لم يكن تأثير مضغ أوراق الكوكا يعادل تأثير الكوكايين المستخرج من النبتة، والذي يعد أكثر قوة وتركيزًا؛ إذ أن تأثير مضغ الأوراق الطبيعية لا يتعدى 1% من تأثير جرعة واحدة من العقار.

فرويد أدمن الكاوكايين وشركات الأدوية روَّجت له

لم يجر عزل المادة الفعالة عن نبات الكوكا حتى عام 1859، عندما تمكن الكيميائي الألماني، ألبرت نيمان، من استخراج الكوكايين من أوراق النبات. حينها لم يكن هناك استخدام طبي معتمد لهذا العقار الجديد في أوروبا، وذلك حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر.

حينها قرأ فرويد تقريرًا نُشر في مجلة طبية ألمانية عام 1884، ذكر فيه طبيب في الجيش الألماني تعليقات إيجابية عن الكوكايين، بعد أن زاد من طاقة الجنود الألمان خلال إحدى المعارك في بافاريا أثناء الحرب الأهلية، وأعجب فرويد بخصائص هذا العقار السحري، حتى إنه شرع في تجربته على نفسه، لاختبار آثاره الجانبية وقابليته للإدمان بحسب ما جاء في مقالٍ نشرته «نيويورك تايمز» عام 1972.

كان العقار يمنح القوة والحيوية والقدرة على العمل؛ وقد وصفه فرويد بأنه «يعطي بهجة ونشوة»، بعد ذلك أوصى فرويد بهذا العقار لأصدقائه وزملائه وأفراد أسرته. 

Embed from Getty Images

إعلان عن مادة الكوكايين بالقرن التاسع عشر

لم يلحظ فرويد أي تأثيرات سيئة للعقار، حتى إنه أشاد به في إحدى رسائله، متباهيًا بأن العقار سمح له بمواصلة العمل والكتابة، ومنعه من النوم حتى الرابعة صباحًا بعد أن أخذ جرعة كوكايين للقضاء على نوبة صداع نصفي.

لم يكن فرويد وحده من آمن بالكوكايين وعمد إلى وصفه طبيًّا لعلاج الاكتئاب والآلام، بل كان هناك كثيرون ممن جذبتهم دعاية شركات الأدوية التي أطلقت على العقار «دواءً سحريًّا» يعالج كل شيء من عُسر الهضم حتى الاكتئاب. 

فحظي الكوكايين بفترة رواج بين عامي 1860 و1900، وكان العلماء والكيميائيون يدرسون الاستخدامات والفوائد المحتملة للعقار؛ ومن ثم بدأت شركات الأدوية في ألمانيا والولايات المتحدة تنتج كميات منه، وروجت إحدى شركات الأدوية الألمانية وتدعى «ميرك» للعقار بوصفه علاجًا مناسبًا لإدمان المورفين الذي عانى منه الجنود العائدون من الحرب الأهلية حينذاك.

منوعات

منذ سنة واحدة
مخدرات ما قبل التاريخ.. كيف كان «الكيف» في حياة الإنسان الأول؟

وكذلك استخدمه بعض الأطباء عام 1884 في جراحات العيون لقدرته على التخدير وتقييد النزيف مما تسبب في رفع شعبية الكوكايين، وزاد استهلاكه وإنتاجه، ففي تلك الفترة لم يعتقد الأطباء في الخصائص الإدمانية لهذا العقار؛ إلا أنه سرعان ما بدأت الآثار المدمرة لاستخدام العقار في الظهور على نطاق واسع.

فعلى سبيل المثال، حين كان إرنست فون فليشل صديق فرويد يعاني من إصابة في اليد جعلته مدمنًا على المورفين؛ فوصف له فرويد عقار الكوكايين بديلًا آمنًا للمورفين، فانتهى الحال بفليشل مدمنًا عليه وتوفي في غضون سبع سنوات، عانى فيها من الهلاوس وجنون العظمة، وفي النهاية قرر فرويد التوقف عن تناول العقار الذي طالما روَّج له في تسعينيات القرن التاسع عشر، بعدما ساءت إحدى الجراحات التي حضرها بسبب تعاطيه الكوكايين.

«الكوكاكولا» احتوت على مادة الكوكايين لمدة 44 عامًا

من المؤكد أنك تذوقت مشروب الكوكاكولا الغازي من قبل؛ لكن ما لا تعرفه عنه أن مادة الكوكايين كانت أحد مكوناته الأساسية، قبل أن تصبح مادة محرمة ويثبت الطب الحديث آثارها الإدمانية المدمرة، وتستطيع أن تستنتج ذلك من اسم المشروب الذي اخترعه الصيدلاني الأمريكي، جون بيمبيرتون، في فناء منزله عام 1885، في وقتٍ كان فيه العقار يشهد رواجًا ويحوز شعبية كبيرة.

حينذاك تعامل بيمبيرتون مع ما اخترعه بوصفه دواءً لمعالجة الصداع وعسر الهضم والإرهاق، وقد كان لهذا المشروب تأثيرات مبهجة بالفعل؛ فلاقى رواجًا بين الناس، وبدأ استخدامه على نطاق واسع؛ خاصةً بعدما اشترى رجل الأعمال آسا كاندلر حق إنتاج الكوكاكولا من بيمبيرتون وبدأ في الترويج للعقار الطبي بوصفه مشروبًا غازيًّا عام 1892.

Embed from Getty Images

شركة كوكاكولا

ومثل عقار الكوكاكولا احتوت أغلب أدوية القرن التاسع عشر على بعض المواد المخدرة والمركبات الغريبة التي ثبت لاحقًا سمِّيتها مثل الزئبق والرصاص، ولم يكن الأطباء حينذاك يعتقدون أنهم بحاجة إلى إثبات فاعلية الأدوية التي اخترعوها كما يحدث اليوم؛ بل كان يمكن لأي شخص أن يذهب إلى الجهة المختصة ويسجل براءة اختراعه لأحد الأدوية بتعديد ميزاته الصحية دون الحاجة إلى الكشف عن مخاطره.

لكن بحلول القرن العشرين تسبب الكوكايين في أزمة كبيرة في الولايات المتحدة بعدما زادت شعبيته وبدأ استهلاكه على نطاق واسع؛ إذ بدأت تظهر الآثار المدمرة للعقار، وحينذاك أبلغت حكومة الولايات المتحدة عن 5 آلاف حالة وفاة سنويًّا تأتي نتيجة تناول العقار؛ وبحلول عام 1922 جرى تجريمه قانونًا.

لكن ظلَّ الكوكايين مكونًا أساسيًّا في مشروب الكوكاكولا حتى عام 1929، فبعد ضغط الحكومات اضطرت شركة «كوكاكولا» وشركات الخمور إلى إزالة المادة المخدرة من الصيغة الكيميائية لمركباتهم، وعندها تحول مشروب الكوكاكولا إلى ذلك الذي نتناوله حاليًا.

حين اكتشف العالم آثاره المدمرة

في أواخر القرن التاسع عشر كان الكوكايين يتمتع بشعبية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لدرجة أن الآثار السلبية للمخدر جرى تجاهلها، لكن بداية من القرن العشرين ساءت سمعة «الدواء السحري»، حتى تحول من عقار تجده بحوزة المشاهير والأغنياء في القرن التاسع عشر، إلى مادة مخدرة تحفز جنون العظمة ونوبات الهلوسة السمعية، والغضب والعنف، والموت المفاجئ، وزيادة ضربات القلب.

وبحلول عام 1902 كان لدى الولايات المتحدة وحدها نحو 200 ألف مدمن للكوكايين، كما تجاوزت أعداد ضحايا العقار المخدر الآلاف، وتضاعفت واردات الكوكا ثلاث مرات بين عامي 1900 و1907؛ مما جعل آثاره الإدمانية والجسمانية والنفسية واضحة للعيان، حتى هؤلاء ممن روجوا له في البداية.

من بين هؤلاء ويليام هالستيد، الجراح الأمريكي الذي استخدم الكوكايين وروج له حتى طور إدمانًا شديدًا أجبره على اعتزال الطب وإنهاء مسيرته المهنية. وقد كشفت بعض الدراسات آنذاك عن الضرر الذي يسببه الاستخدام المنتظم للكوكايين صحيًّا؛ من الهلوسة إلى مضاعفة خطر الوفاة لدى الأشخاص أربع مرات.

Embed from Getty Images

استنشاق الكوكايين

وبحلول العقد الثاني من القرن العشرين لم تستطع الحكومة تجاهل آثار الكوكايين السلبية، بعد أن رأت فيه مخدرًا خطيرًا يجب كبح جماحه، وفي عام 1914 بدأت الولايات المتحدة أولى حروبها على العقار، عندما وضعت قوانين للمخدرات مثل قانون هاريسون، الذي أدرج قائمة بالعقاقير جرى وصفها بالمخدرة، كان من ضمنها الكوكايين، وكانت تلك هي البداية لاعتباره عقارًا محرمًا قانونًا، وحينذاك جمعت العقاقير والمركبات الصيدلانية وبراءات الاختراع التي سجلت الكوكايين أحد مكوناتها، ووضعت تحت السيطرة الفيدرالية.

وجاء قانون هاريسون في الأساس لتقييد الصين من بيع الأفيون بطريقة غير شرعية، وتنظيم وفرض ضرائب على استيراد وتصنيع المواد الأفيونية ومنتجات الكوكا ما لم تتوفر وصفة طبية تستدعي ذلك، ليصبح حجر الأساس لتحريم الكوكايين ومنعه دوليًّا. 

وبعد ثماني سنوات نجح قانون ميلر الذي وضع عام 1922 في الحدِّ من استخدامات الكوكايين المتفشية من خلال وضع ضوابط فيدرالية على تصدير المواد الضارة واستيرادها، وقد كانت تلك هي بداية تأسيس مجلس مكافحة المخدرات الفيدرالي، والذي أنشئ خصيصًا للقضاء على الاستخدام الترفيهي للمواد المخدرة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
استُخدم باعتباره نقودًا و«علاجًا إلهيًّا».. تاريخ التبغ قبل أن يصبح نباتًا قاتلًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد