تتصدر أيسلندا قائمة أكثر دول العالم أمانًا، وفقًا لمؤشر السلام العالمي. وتقل فيها معدلات الجريمة. حتى إنه كثيرًا ما يسخر الناس من عمل الشرطة؛ لأنها لا تجد ما تفعله. علاوة على ذلك، تعيش تلك الجزيرة الصغيرة في أمان وسلام، دون أن تمتلك جيشًا.

ومع أنها بلا جيش يدافع عنها، تمكنت أيسلندا من دحر مطامع البريطانيين في نهب ثرواتها السمكية، في سلسلة من الحروب، سُميت «حروب القد». فما قصة تلك الحروب؟ وكيف حققت أيسلندا النصر فيها دون جيش، ودون إراقة شلالات من الدماء؟ وهل يمكن أن يجدد التغير المناخي تلك النزاعات في مناطق أخرى من العالم؟

سمكة «القد».. سمكة حركت سفنًا وأشعلت حروبًا!

عندما يُذكر سمك القد، يمكن تصوره مطهوًّا ومقدمًا على مائدة الطعام. وربما يصعب تصور أن ذلك السمك ذا الزعانف الخمس، وألوانه المختلفة، وطوله الذي قد يصل إلى مترين، قد تحركت لأجله السفن الحربية، وأشعل حروبًا بين الأساطيل البحرية، وقُطعت بسببه العلاقات الدبلوماسية.

تعيش هذه الأسماك في المياه المالحة والباردة، في شمال المحيط الأطلسي، والمتجمد الشمالي، والمحيط الهادئ، وجرينلاند البريطانية، وتحظى بأهمية كبرى تجاريًّا على الصعيد العالمي. وتقع أهم مناطق صيد القد التي توجد في الجزء الشمالي الشرقي من المحيط الأطلسي حول أيسلندا، ومنطقة بحر بارنتس، وبحر النرويج، وبحر البلطيق، وبحر الشمال.

Embed from Getty Images

وهناك بعيدًا في شمال المحيط الأطلسي، توجد أيسلندا الجزيرة الصغيرة، التي كان يسكنها في البداية عدد قليل من السكان يعتمدون في دخلهم على الصيد، الذي كان يقوم عليه اقتصاد البلد بالأساس. وحتى الآن، تعد صناعة الصيد واحدة من الصناعات الرئيسية في البلاد، وتُوظف مباشرة حوالي 9 آلاف شخص، ما يُعادل تقريبًا 5.3% من إجمالي القوى العاملة. فضلًا عن ذلك، توفر صناعة المأكولات البحرية 11% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد مباشرة، و25% إذا أخذنا في الاعتبار الآثار غير المباشرة.

وعلى الجانب الآخر، توجد بريطانيا، التي زاد الطلب فيها على الأسماك ازديادًا كبيرًا، مع نمو عدد سكانها خلال العصور الوسطى المتأخرة، والفترة الحديثة المبكرة؛ ما أدى إلى الإفراط في الصيد في مناطق بالقرب من بريطانيا نفسها. وبحلول القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بدأ الصيادون البريطانيون في الإبحار بعيدًا إلى الغرب؛ في محاولة لإيجاد مناطق جديدة لصيد الأسماك. وقد وجدوا ضالتهم في مناطق الصيد الأيسلندية.

حرب القد الأولى.. الغلبة ليست دائمًا للأقوى

الصراع على سمك القد، أو حروب المياه الإقليمية، أو حروب القد، جميعها مسميات للصراع الذي نشب بين بريطانيا وأيسلندا منذ أواخر الأربعينيات وحتى عام 1976. في المياه الباردة بين هاتين الدولتين، وقعت عدة مواجهات بين بريطانيا العظمى، القوة العظمى العالمية، وأيسلندا، الجزيرة الصغيرة التي تضم بضع مئات الآلاف من الأشخاص، ولا تملك جيشًا يحميها. ومع ذلك، كان النصر حليفًا لأيسلندا في كل مرة.

بحسب الخبراء الأيسلنديين، وقعت 10 حروب قد غير رسمية، اندلعت الأولى بين إنجلترا والنرويج بين عامي 1415 و1425، بعد اتفاق بين النرويج وأيسلندا. ولكنها لم تكن الحرب الأولى فعليًّا، بل كانت تلك التي وقعت بين عامي 1958 و1961، التي أطلق عليها رسميًّا حرب القد الأولى.

شهد خريف عام 1958 وقوع حرب سمك القد الأولى، التي نشبت نتيجة النزاع حول أحقية الصيد في البحار المحيطة بأيسلندا. حدث ذلك بعد أن تعين تمديد المنطقة الاقتصادية الحصرية للبلد (EEZ)، وهي منطقة البحر التي يسيطر عليها البلد، ويمكنه الاصطياد فيها حصرًا، مسافة أربعة أميال فقط إلى البحر من ساحل البلد. ونتيجة ذلك؛ أصبح بإمكان سفن الصيد البريطانية الصيد بالقرب من أيسلندا، والاستفادة من أراضي الصيد الخصبة التي تحيط بالبلاد.

أثار ذلك حفيظة أيسلندا التي شعرت بالقلق من الإفراط في استغلال السفن الأجنبية لمصايد الأسماك الخاصة بها، ولمواجهة الأمر أصدرت قانونًا جديدًا مدد مناطقها الاقتصادية الحصرية إلى 12 ميلًا. وبالطبع لم تكن بريطانيا سعيدة بذلك، وقررت تجاهل القانون الأيسلندي، واستمرت في الوصول إلى الحد الأصلي البالغ أربعة أميال. وتصاعد الموقف عندما أرسلت بريطانيا سفنًا حربية؛ لحماية سفن الصيد التي تصطاد في المناطق المتنازع عليها.

ومع أنه كان نزاعًا غير متكافئ؛ إذ كان لدى بريطانيا في ذلك الوقت، ثاني أقوى قوة بحرية في العالم، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، في حين لم يكن لدى أيسلندا سوى القليل من قوارب الدورية، وسفن خفر السواحل العسكرية لحماية نفسها، فلم يمنع أيسلندا ذلك من الذود عن أسماكها، وشن الهجوم على السفن البريطانية. وقد شنت عددًا من المناوشات، منها إطلاق قوارب الدورية الأيسلندية النار تجاه سفن الصيد البريطانية؛ في محاولة لإجبارهم على مغادرة المنطقة الجديدة.

وفي المقابل، هددت بريطانيا بإغراق أي سفن أيسلندية تهاجم سفن الصيد البريطانية. ولكن في نهاية المطاف، تراجعت بريطانيا وقبلت أنه ليس من حقها منع أيسلندا من تمديد منطقتها الاقتصادية الحصرية. وجرى أيضًا الاتفاق على تسوية النزاعات المستقبلية في محكمة العدل الدولية؛ لتجنب المزيد من الصراع.

الحرب الثانية.. إطاحة الحصان الأيسلندي بيادق البحرية البريطانية

تجدد النزاع مرة أخرى بين الدولتين في سبتمبر (أيلول) عام 1972، عندما تجاهلت أيسلندا الاتفاق حول تسوية المنازعات بالوسائل الدبلوماسية، ومددت المنطقة الاقتصادية الحصرية الخاصة بها من 12 إلى 50 ميلًا، دون الرجوع إلى بريطانيا في ذلك القرار؛ الأمر الذي كان شرارة قيام حرب القد الثانية.

وبالطبع، رفضت بريطانيا الاعتراف بهذا الحد الجديد. وعلى الجانب الآخر، استخدمت أيسلندا زوارق دورياتها لمطاردة سفن الصيد البريطانية والألمانية الغربية خارج منطقتها الحصرية المعلنة حديثًا. وبدأ خفر السواحل الأيسلندي في استخدام أدوات القطع الشبكية؛ لتدمير شباك الجر الخاصة بسفن الصيد البريطانية. وردًا على ذلك، أُرسلت البحرية الملكية البريطانية؛ لحماية سفن الصيد البريطانية. واستمرت المواجهات لأكثر من عام، مع استمرار السفن الأيسلندية في قطع شباك سفن الصيد البريطانية، وتدمير زوارق خفر السواحل الأيسلندية لسفن البحرية الملكية.

في مارس (آذار) عام 1973 وقع حادث خطير، عندما رفضت سفينة النقل البريطانية «بروسيلا» اتباع توجيهات أحد قوارب الدورية الأيسلندية بمغادرة المنطقة الاقتصادية الحصرية. ونتيجة لذلك؛ صعد طاقم الدورية الأيسلندية على سطح السفينة البريطانية وبدأ بإطلاق النار عليها؛ ما أدى إلى اتلاف جسرها، وقوارب النجاة. وبعدها اتبعت «بروسيلا» تعليمات طاقم الدورية الأيسلندي بمغادرة المنطقة الاقتصادية الخالصة.

لم يصب أحد في ذلك الحادث، ولكن الأسوأ كان ما حدث في يوليو (تموز) من العام التالي، حين شاهد من جديد أحد قوارب الدورية الأيسلندية سفينة الصيد «سي. إس. فورستر»، إحدى أكبر سفن الصيد في الأسطول التجاري البريطاني، تصطاد على حدود 12 ميلًا. وأسرعت الدورية الأيسلندية بملاحقة السفينة البريطانية لأكثر من 100 ميل، ثم قصفتها بالذخيرة غير المتفجرة، وضربت قذيفتين على الأقل ما تسبب في تلف السفينة.

وفي نهاية المطاف، قُبِض على «سي. إس. فورستر» وسُحبت إلى ميناء أيسلندي، حيث احُتجِزت وسُجن كابتن السفينة لمدة 30 يومًا. ولكن أُطلق سراحه في النهاية، بعد أن دفع مالكو شركة «سي. إس. فورستر» 2300 جنيه إسترليني من أجله، بالإضافة إلى 26500 جنيه إسترليني آخرين لإطلاق سراح السفينة.

وبعد عقد اتفاق نص على السماح للسفن البريطانية بالصيد داخل مناطق محددة في منطقة الخمسين ميلًا، طالما أن بريطانيا لا تستهلك أكثر من 130 ألف طن من سمك القد سنويًّا، عُد ذلك مشهد الختام لحرب القد الثانية. ولكن القصة لم تنتهِ عند ذلك الحد؛ إذ كانت صلاحية ذلك الاتفاق سارية لمدة عامين فقط، وانتهى في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1975؛ ما يعني أن للقصة بقية.

«سي لاند».. دولة من 3 أفراد تعادي بريطانيا وتُقلق العالم!

حرب القد الثالثة.. الفصل الأخير في صراع الشباك

بمجرد انتهاء صلاحية الاتفاق، كُشف الستار عن الفصل الثالث والأخير من حروب القد. بدأت الحكاية في أواخر عام 1975، عندما وسعت أيسلندا المنطقة الاقتصادية الحصرية الخاصة بها مرة أخرى، وهذه المرة إلى 200 ميل. استشاطت بريطانيا، إلى جانب دول أوروبية أخرى غضبًا لذلك، ومع أنه كان يوجد اتفاق واسع بالفعل، ينص على أنه سيجري فرض حد الـ200 ميل في جميع أنحاء العالم، ولكن هذا الاتفاق كان ما يزال أمامه سنوات بعيدة حتى يُطبق. ورأت بريطانيا أن أيسلندا لم يكن لها الحق في تطبيق هذا الحد باكرًا هكذا.

وقد شهدت حرب القد الأخيرة هذه بعض المواجهات الأكثر سخونة خلال الحروب الثلاثة، فيما بلغ مجموعه 55 حادثة تصادم بين سفن البحرية الملكية والقوارب الآيسلندية. وقد شكل ذلك مشكلة بالنسبة للبحرية الملكية؛ إذ إن الفرقاطات التي كانت تستخدمها كانت مصممة لإطلاق صواريخ على سفن العدو البعيدة، أو صيد غواصات العدو في المحيطات المفتوحة. ولم تكن مناسبة للإنخراط في مناورات قريبة المدى مع القوارب الأيسلندية، التي طُلب منها التصدي لها.

Embed from Getty Images

كانت حرب القد الثالثة هي الأسوأ، مع قيام أيسلندا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المتحدة. وتصاعد الموقف مرة أخرى، عندما كُشف عن محاولة ألفور يوهانسون، وزير العدل الأيسلندي حينها، تعزيز قوة البحرية الأيسلندية عن طريق اقتراض عدد من القوارب الحربية القوية من نوع «آشفيل» من الولايات المتحدة، أو شراء فرقاطات من طراز «ميركا» من روسيا. وقد رفضت أمريكا طلب أيسلندا على الفور، إلا أن تلك المحاولة كان لها التأثير المنشود؛ لإظهار عدم وجود أي نية لدى أيسلندا للتراجع، وأنها على استعداد للقضاء على القوات البحرية الملكية.

ولم تكن تلك آخر أوراق أيسلندا في اللعب، بل كانت لديها ورقة أخرى رابحة استخدمتها في الضغط على الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي «الناتو»؛ من أجل بسط نفوذها. واستطاعت أن تلعب بها جيدًا في الوقت المناسب تمامًا، وفي ذروة الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو.

كيف استغلت أيسلندا الحرب الباردة في حسم النزاع لصالحها؟

في شبه جزيرة ريكيانيس، وبالقرب من بلدة كيفلافيك في غرب أيسلندا، كانت هناك قاعدة جوية بحرية تابعة لحلف الناتو وتديرها الولايات المتحدة. وقد ضمت تلك القاعدة المجموعة الجوية الأمريكية 85، ومحطات الرادار، ووحدات الحرب المضادة للغواصات، فضلًا عن استخدامها قاعدة لوحدات البحث والإنقاذ الأمريكية.

ونظرًا إلى وقوع حرب القد الثالثة في ذروة الحرب الباردة، كانت تلك القاعدة الجوية البحرية ذات أهمية بالغة بالنسبة للأمريكيين؛ في تتبع الغواصات السوفيتية ورصدها، وتحركات الطائرات عبر فجوة (GIUK)، التي تضم جرينلاند، وأيسلندا، والمملكة المتحدة. وتعد تلك الفجوة نقطة خنق رئيسية أمام وصول القوات السوفيتية إلى المياه الإقليمية المفتوحة لحلف شمال الأطلسي، والولايات المتحدة. ونتيجة ذلك، اكتسبت أيسلندا، التي وصفت بأنها «الحارس المحوري» لمجتمع شمال الأطلسي، أهمية كبيرة. وأصبحت حماية الطريق الجوي بين الولايات المتحدة، وأوروبا أولوية مهمة في تلك الفترة.

فجوة GIUK. المصدر: british sea fishing

وبدون تلك القاعدة، تصبح أمريكا عمياء حول ما يحدث في مناطق شاسعة من شمال المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى فقدانها عامل الردع المتمثل في وجود قوات متجمعة نسبيًّا بالقرب من الاتحاد السوفيتي. ومع علم أيسلندا بمدى أهمية تلك القاعدة، استخدمتها في الضغط على الولايات المتحدة، وهددت بإغلاقها، والانسحاب من حلف الناتو؛ ما يعني فتح المجال أمام الغواصات السوفيتية بين الكتلتين الشرقية والغربية.

واستجابة لتلك التهديدات، بدأت أمريكا تمارس ضغوطًا كبيرة على بريطانيا للامتثال لحدود المنطقة الاقتصادية الحصرية الجديدة في أيسلندا. وتدخل الناتو من أجل إجراء محادثات؛ لإنهاء حروب القد في أوسلو في ربيع عام 1976. ورضخت بريطانيا للقانون الأيسلندي، الذي يشمل توسيع حدودها البحرية إلى 200 ميل بحري حولها. وفي 28 مايو (آيار) من العام نفسه، جرى التوصل إلى اتفاق، سمح لـ24 سفينة صيد بريطانية حدًّا أقصى بالصيد داخل المنطقة الاقتصادية الحصرية الجديدة، طالما كانت كمية الصيد الخاصة بها تقتصر على 50 ألف طن.

ولكن تلك تلك الاتفاقية استمرت لمدة ستة أشهر فقط، وبعد ذلك وافقت بريطانيا على أنه لا يحق لها صيد الأسماك داخل الحدود البحرية الأيسلندية. وفي الوقت نفسه، أصبحت حدود منطقة أيسلندا الحصرية، التي يبلغ طولها 200 ميلًا هي المعيار العالمي الجديد؛ وساهم ذلك في حماية ثروات دول أخرى في جميع أنحاء العالم من الصيد الأجنبي في مياهها.

الروح القتالية الأيسلندية تُغرق بريطانيا في الكساد

ربما لم يكن الاقتصاد البريطاني يعتمد على سمك القد بقدر اعتماد اقتصاد أيسلندا، لكن الآثار كانت محسوسة بالتأكيد، بعد خسارة بريطانيا منطقة صيد رئيسية. وقد أدت تلك الخسارة إلى تدمير العديد من مجتمعات الصيد البريطانية، وإغلاق العديد من الموانئ الأسكتلندية. ومع إغلاق المصايد البريطانية، خيّم الكساد على موانئ الصيد الشمالية الكبيرة في البلاد، مثل جريمسبي، وهال، وفليتوود. وفقد الآلاف من الصيادين المهرة، والعاملين في المهن المتعلقة بالصيد وظائفهم.

أما عن أيسلندا، فقد ظلت خارج الاتحاد الأوروبي؛ وبالتالي لا تُطبق عليها سياسة مصائد الأسماك المشتركة. وقد سمح ذلك لأيسلندا بإدارة مخزوناتها السمكية بطريقة مسؤولة ومستدامة؛ مما يعني أنها تمتلك اليوم أعلى مخزونات سمكية في أوروبا، وتملك واحدة من أكثر صناعات الصيد إنتاجية وحداثة في العالم.

رسم تخطيطي يوضح تنامي حجم المنطقة الاقتصادية الحصرية لأيسلندا على مدى حروب القد الثلاثة. المصدر: british sea fishing

ومع أن حروب القد لم تكن حروبًا بالمعنى التقليدي، فإنها أظهرت مدى اقتراب البلدين من القتال حول حقوق الصيد. وربما يبدو أن أيسلندا انتصرت عبر منعها القوى الأجنبية من الصيد في مياهها، ولكن النصر يحمل معاني أعمق من ذلك؛ ويتجلى فيه مدى قدرة الروح القتالية لدولة صغيرة، في الحفاظ على كنزها الوطني اللذيذ.

وعلى مدى ما يقرب من 30 عامًا من النزاع، الذي تضمن العديد من حوادث العنف بين سفن الصيد والسفن الحربية، لم تُخلف تلك الحروب سوى قتيل واحد، هو مهندس أيسلندي تُوفي بعد تلقيه صدمة كهربائية، في أثناء إصلاحه سفينة خفر سواحل أيسلندية، بعد  أن تلقت ضربات من الفرقاطة البريطانية «أبولو».

وإلى جانب الحفاظ على الأرواح البشرية، ساعد النصر الأيسلندي في إبطاء الصيد الجائر لسمك القد. وفي عام 1998، وضعت مؤسسة «الحياة البرية العالمية» سمك القد على قائمة الأنواع المهددة بالانقراض، وفرضت قيودًا على كمية  سمك القد التي يمكن للأشخاص اصطيادها، بغض النظر عن مكان وجود تلك الأسماك في العالم.

هل يشعل التغير المناخي نيران الحرب من جديد؟

توجد مخاوف متنامية تخشى ألا تكون حروب القد بين المملكة المتحدة وأيسلندا الأخيرة من نوعها، وقد تشهد دول أخرى صراعًا مماثلًا في المستقبل القريب. يحذر الخبراء من أن التهديدين المتصاعدين: تغير المناخ، والقومية المتزايدة، قد يؤديان إلى اندلاع نزاعات على الأرصدة السمكية، والتي يمكن أن تهدد الإمداد العالمي بالأغذية، والنظم البيئية البحرية.

حذر فريق من الخبراء في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لتقدم العلوم في بوسطن، من أن ارتفاع درجات الحرارة يدفع العديد من أنواع الأسماك إلى الانتقال إلى أجزاء مختلفة من البحر؛ مما قد يهدد اقتصادات بعض البلاد، وأمنها الغذائي. وبالإضافة إلى نمو المشاعر القومية، يمكن أن يشهد العالم حقبة جديدة من حروب الأسماك، تتنافس فيها الدول على مناطق الصيد.

وعلى غرار حروب القد بين بريطانيا وأيسلندا، اندلعت حرب تجارية أكثر حداثة في عام 2010 على سمك الماكريل في شمال المحيط الأطلسي، بين الاتحاد الأوروبي، وأيسلندا، والنرويج، وجزر فارو. وقال مايكل هارت، أستاذ الجغرافيا البحرية بجامعة ولاية أوريجون، والباحث في آثار تغير المناخ على مصائد الأسماك، أن العالم سيشهد على الأرجح استئناف الحروب السمكية، وانهيار الأرصدة السمكية نتيجة الصيد الجائر لبعض الدول، التي ستحرص على الخروج بأقصى ما يمكنها اصطياده قبل الدول منافسة؛ ما يضر بالنظم البيئية البحرية، ويؤدي لتبديد الموارد الغذائية والاقتصادية المهمة.

وأضاف هارت، أنه من أجل إدارة المخزونات إدارة فعالة، ومنع التغير المناخي من الحد من المخزونات السمكية؛ ستكون هناك حاجة إلى تعاون دولي. وقال: «إذا نجحنا في القيام بذلك جيدًا؛ يمكن لمصايد الأسماك في العالم أن تكون أفضل مما هي عليه اليوم. لكن إذا فشلنا في تحقيق ذلك، فإن الخاسرين هم الذين يعتمدون على مصائد الأسماك في الغذاء والدخل، وليس لديهم العديد من البدائل الأخرى. وإذا اختفت الأسماك؛ فهم في ورطة».

وقد أشار هارت أيضًا إلى تزايد القومية في السياسة العالمية الحالية، وعلّق بأنها قد تعيق التغييرات الضرورية التي نحتاجها؛ لإدارة مصايد الأسماك جماعيًّا بطريقة عالمية. ولكن إذا لم تتمكن الدول من الاتفاق على إدارة المصايد في جميع مياهها؛ عندئذ ستكون العواقب الإفراط في صيد الأسماك، تحمل مكاسب محتملة على المدى القصير بالنسبة لدولة ما، يعقبها خسائر طويلة الأجل للجميع، وتقل كمية الأسماك في المستقبل.

وحتى تتفادى الدول المجاورة غير الصديقة بعضها لبعض، الحروب التجارية، أو النزاعات العسكرية على الموارد السمكية، أوصى هارت بضرورة تنظيم الإدارة الصحيحة، والتعاون الدولي؛ ومن شأن هذا أن يزيد عدد الأسماك في البحر، والكمية التي تصطادها أساطيل الصيد خلال العقود القادمة.

كيف تحولت بريطانيا من إمبراطورية «لا تغيب عنها الشمس» إلى مجرد تابع؟

المصادر

تحميل المزيد