13,973

إن الانسان بشكل عام دائما ما يتعرض لأفكار صادمة له أو على الأقل لا تتسق مع معتقداته واتجاهاته الراسخة في ذهنه، فمن الصعب بعد الانفتاح الثقافي والتكنولوجي أن يتقوقع الإنسان في التعرض للأفكار التي تتسق مع ذاته، وليس من السهل أن يعيش بمعزل عن أي أفكار مختلفة قد لا يتعرض لها.
وبعيدًا عن الأفكار المختلفة مع اتجاهاته، قد تتناقض سلوكيات الإنسان الظاهرة مع معتقداته الداخلية، أمور حياتية يتعرض لها معظمنا أو جميعنا.

وفي هذا التقرير نحاول تفسير كيفية تعاطي الإنسان مع هذه الأمور وفقا لنظرية علمية وإعلامية تسمى “التنافر المعرفي” ثم نعرض من خلالها أيضا أوقات حدوث هذا التنافر، والطرق المستخدمة للتخلص منه، والآثار المترتبة عليه بشكل عام، وبالأخص دراسة تلك الآثار إذا ما ارتبط التنافر بقضية سياسية شائكة، وكيفية الاستفادة من فهم تلك النظرية.

1- بداية ما هي نظرية التنافر المعرفي؟

هو حالة من القلق والتوتر والشعور بعدم الراحة تنشأ لدى الإنسان عندما يتعرض لأفكار متنافرة ومختلفة مع معتقداته المسبقة، أو عندما يكون هناك اختلاف وصراع بين معتقداته وسلوكياته الظاهرة، و يؤكد ليون فيستنجر مؤسس النظرية أنه دائما ما يدفع ذلك التوتر الإنسان لإحداث تغيير ما في المعتقد أو السلوك للحد من هذا التنافر، ويمكن تلخيص ذلك التعريف على أنه هو الموقف الذي يحدث فيه تصارع واختلاف في الأفكار أو الاتجاهات أو السلوكيات، يدفع الإنسان للحد منه.

وتتوقف درجة التنافر المعرفي على عدة عوامل منها: مدى ارتفاع قيمة الاعتقاد الذي نؤمن به، فكلما زادت قيمة ذلك الاعتقاد كلما زادت نسبة التوتر الدافعة للتخلص من التنافر الناتج عن تعرضنا لأفكار مخالفة له، وفي هذا السياق يعد أحد العوامل التي يتوقف عليها التنافر هو موقف التأييد الاجتماعي للاعتقاد الذي يؤثر فيه عدد ومكانة الأشخاص الذين نتفق معهم في الرأي.



2- من أين جاءت النظرية؟ وما هي العوامل المؤثرة فيها؟

على كل حال يبدو أن العنب لم ينضج بعد !

هذا ما ردده الثعلب عندما ترك الشجرة وما عليها من عنب كان هو في أشد الحاجة لأكله، بعدما يأس من الحصول عليه بعد قفزات متتالية دون جدوى، وقال الثعلب ذلك ليبرر عجزه عن الحصول على العنب.

استوحى “ليون” من هذه الأسطورة نظرية التنافر المعرفي، والمغزى الأخلاقي منها أن الإنسان كثيرا ما يبرر عجزه وقراراته المعيبة بـ “الظروف” لا بتقاعسه وعجزه، لخلق نوع من الراحة النفسية للحد من التنافر المعرفي وتأنيب الضمير، وهو بذلك يُطوع رغبته الداخلية كي تتسق مع سلوكه، مثل الثعلب الذي انتقص من رغبته في العنب كي يتسق مع سلوكه بترك الشجرة.

ويؤكد “ليون” أن هناك حاجة داخلية لدى الإنسان للتأكيد أن المعتقد و الشعور الداخلي يتسق مع سلوكياته الظاهرة، وفي كتابه “عندما تفشل النبوءة” كانت البدايات الأولى لتكوين النظرية، إذ ذهب “ليون” مع مساعديه إلى طائفة دينية ساد الاعتقاد بين أعضائها “بنبوءة” مفادها أن الفيضانات ستجتاح العالم وستدمر كل شيء ليكون 21 ديسمبر 1954 هو موعد نهاية العالم.

وذهب “ليون” مع فريقه البحثي ليحلل تصرفات أعضاء تلك الطائفة قبل ذلك التاريخ وبعده، فوجد أن الاعتقاد سائد ومتسع بشكل كبير عند الكثيرين هناك، لدرجة أن الناس بدأت في ترك وظائفها والتخلص من ممتلكاتها تمهيدا لتحقق النبوءة في تاريخها المحدد.

ولكن جاء ذلك التاريخ ولم يحدث شيء، وبدلا من أن تترك تلك الجماعات أفكارها الخرافية، فسروا ما حدث على أن قوة الخير جعلت أجَل العالم يتمدد، وربما يحصلون على نبوءة أخرى بميعاد جديد لنهاية العالم.

وهناك مثال أكثر شيوعا للتنافر المعرفي، يحدث في قرارات الشراء التي نتخذها على أساس منتظم. معظم الناس يريدون الاحتفاظ بالاعتقاد بأن يتخذوا قرارات جيدة. وعندما يتبين أن المنتج الذي اشتروه بمرور الوقت كان سيئا، فإن ذلك يتعارض مع معتقداتنا الموجودة مسبقا حول قدراتنا على صنع القرار، ونلجأ إلى تبرير ودعم قرارنا “المعيب” لعوامل أخرى ليست من بينها قدرتنا على صنع القرار.


3- لماذا يقوم الإنسان بأفعال يعلم أنها تضره؟

تتعدد الأمثلة والمواقف في هذا الإطار، فتقريبا كل المدخنين يعرفون الآثار الصحية الخطيرة الناتجة عن التدخين، ومع ذلك لا يقلعون عنه، والأكثر لفتا للانتباه أن بعض المدخنين هم من “الأطباء” الذين ينصحون المرضى بالتوقف عنه. لكن لماذا لا يقلعون عن التدخين إذا، لنحلل عناصر الصراع بشكل أكثر تحديدًا:
1- الاعتقاد الداخلي: أن التدخين مضر جدا بالصحة
2- السلوك الظاهر: الشخص لا يزال يدخن.

ويتحدث ليون عما يضعه الشخص المدخن من مبرررات ليستمر في التدخين برغم الضرر الناتج عنه، ليحد من التنافر المعرفي الناتج من أطراف الصراع، قائلا: ” لشخص الذي يستمر في التدخين بالرغم من إدراكه لخطره، يشعر بأن التدخين ممتع جدا لدرجة تستحق التضحية بالضرر الصحي الناتج عنه، يعتقد بأن التهديدات الصحية الناتجة عن التدخين ليست شديدة الخطورة كما يعتقد البعض، يعتقد بأنه حتى لو توقف عن التدخين سيزيد من وزنه وهذا يعادل الخطورة الصحية للتدخين، وبذلك فالاستمرار في التدخين بعد كل هذه المبررات يتسق مع أفكاره عن التدخين.”


4- كيف نحد من التنافر المعرفي؟

ويمكن بلورة السبل والوسائل التي يستخدمها الإنسان للحد من التنافر المعرفي، في 5 وسائل رئيسية:
1- التركيز على الجوانب الداعمة لاعتقاده ومحاولة تجاهل الجوانب المتناقضة مع اعتقاده.
2- التقليل من أهمية الجوانب المتعارضة مع اعتقاداته.
3- تغييرالاعتقاد المتعارض لديه كي يصبح أكثر اتساقا مع الاعتقادات أو السلوكيات الأخرى.
4- إعادة النظر في الاتجاهات التي يتبناها الفرد.
5- التوقف تماما عن التفكير في الموضوع الذي يختلف مع اتجاهاته منعا للتوتر.


5- ما هي الآثار الناتجة عن سعي الإنسان للتخلص من التنافر المعرفي؟

أحد أبرز الآثار الناتجة عن سعي الفرد للتخلص من التنافر المعرفي، هو التوقف تماما عن التفكير في الموضوع الذي يختلف مع اتجاهاته منعا للتوتر ومحاولة نسيانه، وهو ما يمكن تسميته التذكر الانتقائي.

وفي القضايا الإعلامية والسياسية الشائكة، قد يلجأ البعض لنظرية إعلامية تسمى “التعرض الانتقائي” والتي تعني في مجملها أن الإنسان يميل دائما للتعرض إلى وسائل الإعلام التي تعرض وجهة النظر التي تتسق مع توجهاته ويتجنب التعرض لوسائل الإعلام التي تعرض وجهات النظر المعارضة له.

وهذا يؤدي في بعض الأحيان إلى اتساع الفجوة بين الفرق المتصارعة والمختلفة في وجهات النظر، وزيادة التشدد والاستقطاب بين تلك الفرق المختلفة والمتصارعة في المجتمع الواحد، وهذا يتوقف على طبيعة القضية المختلف عليها، وطبيعة المجتمع في حد ذاته.
وبشكل عام تختلف توجهات الناس في المعلومات المتعارضة ونسبة تعرضهم، فمنهم من يرفض التعرض مطلقا، ومنهم من يتعرض ليحرف وينتقي ما يدعم موقفه واعتقاده، ومنهم من يتعرض لتلك الأفكار كي يستمع ويناقش ومن الأرجح أن آخر نوع هو الأفضل.

6- كيف نستفيد من نظرية التنافر المعرفي؟


التنافر المعرفي يلعب دورا في تحديد الأحكام القيمية ومدى الاتساق مع الذات واتخاذ القرارات وتقييمها. فمعرفة مدى تأثير المعتقدات المتضاربة على عملية صنع القرار، قد يساعدك في الفترة القادمة  لتحسين قدرتك على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، ووضع معايير محددة – غير مزدوجة – تستطيع أن تحكم بها سلوكياتك وطريقتك في التفكير وكيفية التعامل مع الأفكار المختلفة.

تعليقات الفيسبوك