لم تكن المحاولة الأولى لك في اتباع حمية غذائية قاسية لإنقاص الوزن الزائد، لكنها أخفقت مثل سائر المحاولات، وها أنت تنتهك حميتك، وتتجاوز نصائح الصحة الغذائية ريثما يغلبك الجوع، وتقرصك أمعاؤك.

في اليوم الأول تلتزم بالمهمة بسلام دون أية انتهاكات، أو اختراق لقوانين الحمية، في اليوم الثاني تحلم ليلًا بمائدة مليئة بأصناف الطعام الشهية، في اليوم الثالث تتردد عن فتح المبرد، وتناول الأطعمة الدسمة التي تشتهيها، في اليوم الرابع خارت قواك تمامًا، سمعت أصوات الطعام تناديك، للأسف قد خسرت المعركة تمامًا.

تناول اللحوم

لم تجد الحمية نفعًا، لذا توجهت إلى الخطوة التالية: تعاطي الأدوية التي تساعد على إنقاص الوزن، استشرت طبيبًا مختصًا، وأديت مئات التمارين، وفعلت الأفاعيل، وحاولت صنع المعجزات، إلا أن للطعام سطوة لا يعلوها شيء، لم تتمكن من الصمود في حلبة المعركة لأكثر من أسبوع أو أسبوعين، ثم تعود «ريما إلى عاداتها القديمة»، إلا أن عزاءك الوحيد أنك لست وحدك.

 تشير الإحصاءات أن واحدًا على الأقل من كل خمسة أفراد على مستوى العالم يؤازرك السعي لإنقاص وزنه، وأظهرت نتائج إحدى الأبحاث التي أجريت خلال يناير (كانون الثاني) 2017 أن 26.8% من الأفراد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يسعون لفقدان وزنهم. وفي تقرير نشره مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، عام 2018 يقارن بين الوسائل المستعملة لفقدان الوزن، إذ ذكر أن 62.9% يلجأون لأداء التمارين الرياضية، و52.9% يتناولون كميات أقل من الطعام.

لكن بعد فقدان عشرات الكيلوات يكتسبون ضعفها بعد فترة من الزمن، فقد صدمتنا المجلة الطبية لأمريكا الشمالية في العام نفسه عندما نشرت بحثًا يثبت أن هؤلاء الذين نجحوا فى فقدان الوزن الزائد يكتسبون 80% من الوزن الذي فقدوه خلال خمسة أعوام! ولهذا، ألا تعتقد أن إنقاص الوزن يتخطى الالتزام بالحمية، أو أداء التمارين، أو اتباع أي من تلك الوسائل السحرية، فالأمر كله يكمن في عقلك، إن المفتاح السحري للتخلص من وزنك الزائد هو «مرونتك المعرفية» التي سنتناولها في السطور التالية، لعلك تنجح هذه المرة في خسارة وزنك.

أولًا.. ما هي المرونة المعرفية؟

 أثناء استعدادك للخروج بصحبة أعز رفاقك تهندم مظهرك الخارجي أمام المرآة، تصفف شعرك بعناية وأنت تدندن، لكن صوت المكالمة الواردة يفصلك عن عالمك الخيالي، يبلغك رفيقك أن موعد اليوم ليس مناسبًا، وأنه لن يستطيع الحضور، فماذا ستفعل في تلك الحالة؟

إما أن تنزعج، ثم تفكر في الاستمتاع اليوم بمفردك، أو دعوة صديق آخر للخروج، أو ربما تمضي اليوم في بيتك، وتمارس أنشطة ترفيهية تعوض الموعد الملغي، وإما أن تصاب بالإحباط واليأس، فتتجمد في مكانك، تشعر وكأن أحدهم فصل الكهرباء عن عالمك، أو أن الكون يتآمر ضدك.

إذا كنت من النوع الأول الذي يحاول إيجاد البدائل، فأنت تتمتع بـ«المرونة المعرفية»، وإن كنت من النوع الثاني الذي يتخشب عند تغيير خططه فأنت تتصف بـ«التعقيد المعرفي».

نشر الدكتور ويليام إل سكوت بحثًا في المؤسسة الأمريكية لعلم الاجتماع عام 1962، يعرف المرونة المعرفية بأنها قابلية الدماغ على التأقلم مع الظروف المختلفة، والنظر للأمور من زوايا متعددة، وأداء العديد من المهام مع الحفاظ على تركيزك وانتباهك في كل مهمة.

وتعد المرونة المعرفية إحدى الوظائف التنفيذية للدماغ، وتشمل هذه الوظائف الذاكرة، والتخطيط والتنظيم والاستقرار العاطفي. وهذه الوظائف تحديدًا ما تساعد المرء على حل المشاكل ببراعة، والتعلم، وتختلف مرونة الفرد المعرفية باختلاف عمره، وربما من الأفضل قياسها بمقدار تجاربه وخبراته الحياتية.

إذًا.. كيف تنمي مرونتك المعرفية؟

 أجريت تجربة علمية على بعض الفئران لتعليمهم قيادة سيارات صغيرة مناسبة لأحجامهم على أربع مراحل. اتضح أن بعضهم أجاد القيادة في المرحلة الأولى، وفي الثانية سرعان ما أتقنوا الأمر، وقبلوا خوض تحديات جديدة، ثم قل توترهم تمامًا في المرحلة الثالثة، وفي الأخيرة تبين أن الفئران الذين أتيحت لهم فرص عديدة وكُوفئوا بالألعاب أجادوا القيادة إجادة تامة في وقت قصير.

قد لا تفهم المغزى من هذه التجربة الغريبة، إلا أنها تمنحك أملًا لإدراك أن تنمية المرونة المعرفية ليست بالمهمة المستحيلة، إلا أنها تتطلب بعض الصبر والجهد. فقط اتبع هذه الخطوات:

أولًا: اكسر روتينك الممل، افعل أمورًا غير مألوفة بالنسبة إليك، الروتين يكسبك البلادة ويعطل مرونتك، لذا أعد طعامك المفصل بوصفة مختلفة، رتب غرفتك ترتيبًا مغايرًا لما اعتدت عليه، تعلم الأشياء بوسائل مختلفة.

ثانيًا: جرب نشاطات جديدة، امنح نفسك فرصة اكتساب الخبرات، يمكنك تعلم لغة جديدة، أو السفر إلى بلد تحبها، أو ممارسة رياضة مناسبة لك، أو تعلم مهارة لا تجيدها.

ثالثًا: تعرف على أناس جدد، ليس في محيطك فقط، إن ركنت بمكانك، ستقتصر نظرتك للحياة على الأبيض والأسود، لكن الاختلاط بالثقافات المختلفة والشخصيات المتباينة، يفتح أفاق عقلك لتقبل الاختلافات البشرية، وربما تتغير قيمك وأفكارك، وتتغير منظومة الصواب والخطأ بالنسبة لك.

احترس.. الأطعمة المشبعة بالدهون والسكريات تؤثر على المرونة المعرفية

لا تخلو منصة علمية مختصة بالتغذية من إرشاد روادها الابتعاد عن استهلاك كميات كبيرة من الأطعمة المشبعة بالسكر والدهون. ولعل أهم أضرارها وأكثر شيوعًا السمنة وزيادة الوزن. لكن علماء الأعصاب يرون الأمر من زاوية مختلفة، إذ اتضح أن هذا النوع من الأطعمة يؤثر على المرونة المعرفية؛ مما يتسبب بصعوبة التعلم، وعطب الذاكرة الطويلة المدى، والذاكرة القصيرة المدى.

وهذا بالفعل ما توصلت إليه دراسة حديثة منشورة في مجلة علم الأعصاب، وقد اعتمدت الدراسة على المقارنة بين مجموعتين من فئران التجارب صغيرة السن لتفادي التأثيرات البيئية، إحداهما حصلت على طعام صحي والأخرى تناولت طعامًا مشبعًا بالدهون والسكريات. ثم أداء بعض الاختبارات العقلية والبدنية لملاحظة تأثير الطعام على المرونة المعرفية. فاكتشف الباحثون أن الفئران التي حصلت على طعامًا مشبعًا بالدهون والسكريات تراجع أداؤها في الاختبارات مقارنة بالمجموعة الأخرى.

كذلك صرحت الدكتورة كاثي ماجنسون، المشرفة على الدراسة لمجلة علم الأعصاب، موضحة السبب خلف هذا التأثير: «من الواضح جدًا أن البكتيريا المعوية أو الميكوبكتيريا تتواصل مع الدماغ البشري. إذ تطلق البكتيريا مواد تعمل نواقل عصبية، فتحفز الأعصاب الحسية والجهاز المناعي، كما تؤثر على العديد من الوظائف الحيوية». مضيفة: «قد لا نكون متأكدين من مغزى الرسالة المرسلة، إلا أننا نتعقب المسارات والتأثيرات».

لكن.. ما هي العلاقة بين البكتيريا المعوية والمرونة المعرفية

لفهم هذه العلاقة، يجب التطرق أولا إلى الصلة التي تربط الدماغ في الأعلى بالأمعاء في الأسفل، فقد أكدت العديد من الدراسات أن العلاقة بينهما علاقة تبادلية، فالدماغ يؤثر على الأمعاء والعكس صحيح.

فالعصب المبهم (vagus nerve) ينقل الإشارات من أمعائك إلى دماغك والعكس. إذ أثبتت إحدى الدراسات أن المصابين بمتلازمة القولون العصبي أو مرض كرون (crohn’s disease)، لا يعمل العصب لديهم بكفاءة. كما أثبتت تجربة أخرى أن تناول المعززات الحيوية (probiotics) يقلل من معدل هرمون التوتر الكورتيزول في الدم، وعند قطع العصب ثبطت فاعلية المعززات. بالإضافة إلى قدرة البكتيريا المعوية على التحكم في شهيتك للطعام، فهي تعمل على هضم الألياف لتصنيع الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة المسئولة عن سد الشهية عند الشبع.

 لكن المثير للاهتمام حقًا، قدرة الأمعاء على التحكم في جهازك المناعي، فهي المسئولة عن تحديد المواد التي تصل لدمك وإخراج الأخرى التي تضر بصحتك، وإذا سمحت الأمعاء بمرور نسبة كبيرة من السكريات الدهنية والبكتيريا إلى دمك، فإنها تسبب الالتهابات. وترتبط هذه الالتهابات ببعض أمراض الدماغ، مثل ألزهايمر، والخرف، والفصام.

وبعد ملاحظة الترابط بين الدماغ والأمعاء، أفادت دراسة أخرى أجرتها جامعة أوهايو أن البكتيريا تؤثر على نوم المرء ومرونته المعرفية، فبعد تحليل عينات البراز 37 شخصا تبلغ أعمارهم 65 عامًا، أوضحت الدراسة أنه كلما زاد معدل البكتيريا المعوية، حظي بنوم أفضل.

أما عن المرونة المعرفية فلم تكن النتائج حاسمة، لكن رجح المشرفون أن تراجع المرونة المعرفية قد يكون بسبب الأرق. فعندما لا يحظى المرء بنوم كاف تتغير الميكروبات المعوية؛ مما يسبب اختلال الميكروبيوم، والذي يؤدي إلى السمنة واختلال تحمل الجلوكوز.

إذًا.. كيف تعزز مرونتك المعرفية لإنقاص وزنك؟

بعد فشل محاولاتك في انقاص وزنك وشعورك بالإحباط، فغالبًا ستكون أول قراراتك بعد تكرار فشلك، هو التخلى عن حميتك والشراهة مجددًا في تناول الطعام. في هذا السياق فإن هذا الموقف، ليس إلا صورة من صور التعقيد المعرفي الناتج عن السمنة.

فعند النظر أيضًا للعلاقة بين السمنة والمرونة المعرفية نلاحظ أن السمنة تجمد دماغك وتمنعك عن حل المشكلة ومراجعة الأسباب المؤدية لها، وكذلك التعقيد المعرفي وإحباطك وشراهتك في تناول الطعام سيكسبك المزيد من الوزن، ويفاقم مشكلة السمنة.

رمضان

قد لا تكون هذه العلاقة بين السمنة والتعقيد المعرفي مفهومة تمامًا، لكن ما لا يخفى عن الأعين أن السمنة تسبب زيادة علامات الالتهابات، واختلال تحمل الجلوكوز، علاوة على ارتفاع ضغط الدم، والإصابة بأمراض القلب، ومرض السكري، وهذا بدوره ما يؤثر على المرونة المعرفية. كما أن قلة الحركة والنشاط البدني الناجم عن السمنة يضر بمرونتك المعرفية. وعند نقص الوزن تنتعش المرونة المعرفية مجددًا.

والمفارقة أن لكسر هذه الحلقة المفرغة، عليك أولا تعزيز مرونتك المعرفية، وعلى هذا الأساس، أجرى مجموعة من الباحثون بجامعة استرالية على عينة عشوائية مكونة من مجموعتين، انتهجت إحداهما العلاج السلوكي لإنقاص الوزن وانتهجت الأخري العلاج المعرفي.

اعتمد العلاج المعرفي على تعزيز المرونة المعرفية، إذ تعلم الخاضعون للدراسة كيفية التفكير في المشكلة من زوايا مختلفة لاتخاذ القرار المناسب، مع إعادة النظر في المشكلة للعثور على حلول أخرى لم يعهدها.

وقد كانت النتائج واعدة، إذ نقص وزن 68% من الخاضعين للعلاج المعرفي بنسبة 5% أو أكثر، بينما نقص وزن 15% فقط ممن لم يخضعوا للعلاج المعرفي. واستنادًا على هذه الدراسة، كيف تعزز مرونتك المعرفية لإنقاص وزنك؟

أولًا: العقلية المرنة والعقلية الجامدة: تصف كارول الفرق بين العقلية الجامدة والعقلية المرنة، فالأولى لا تتمتع بالمرونة الكافية للنهوض من فشلها؛ إذ يعتبر أصحابها أن فشلهم في أداء مهمة ما، يعني فشلهم في الحياة كلها، لكن على خلافهم تنظر العقلية المرنة للفشل، وكأنه تحدٍّ وفرصة جديدة للعثور على حلول إبداعية.

ثانيًا: ممارسة التأمل: يساعد التأمل على التركيز وصفاء الذهن؛ مما يتيح لك الفرصة لإعادة التفكير في مشكلاتك، والبحث عن حلول أفضل.

ثالثًا: تعديل السلوك: يعتمد هذا البرنامج على الوعي بصحتك ووضع خطط لإنقاص الوزن، وتعليمات لحمية غذائية مناسبة، التخطيط لأداء التمارين، هذا البرنامج ناجح بفضل تفهمه لصعوبة المشكلة وإتاحة الفرصة للمشارك لإتباع الوسيلة المناسبة له.

رابعًا: اتباع التعليمات الآتية: لحل المشكلات البسيطة: صف المشكلة، إيت بخيارات وحلول مناسبة، اختر الحل الأنسب، أعد خطة وتقدم، جرب الحل.

المرونة المعرفية تساعد أيضًا في علاج اضطرابات الطعام

وسط اهتمام الجميع بالحصول على جسم متناسق وقوام ممشوق، يشبه عارضات الأزياء، انصب الاهتمام على علاج السمنة، حتى طفت مشكلة النحافة على السطح مجددًا، وبدأ الاهتمام بعلاج سائر اضطرابات الطعام، وخصوصًا فقدان الشهية العصبي.

وقد بينت الأبحاث أن المصابين بمرض فقدان الشهية، يفتقدون أيضًا المرونة المعرفية، ومشكلة عدم التماسك المركزي، فهم لا يبصرون الصورة الكلية، إنما يدققون على التفاصيل الدقيقة. كما أشارت العديد من الدراسات أن العلاج المعرفي قد يكون حديث الاستخدام، إلا أنه أظهر نتائج مبشرة.

ولتعزيز المرونة المعرفية لعلاج فقدان الشهية العصبي، يستعان الإستراتيجيات الآتية:

أولًا: كسر الروتين اليومي، فمثلًا غير ملابسك قبل غسل أسنانك، وليس بعدها.

ثانيًا: الجلوس في مكان مختلف أثناء تناول الطعام.

ثالثًا استعمال اليد الرئيسة (سواء كنت أيمن، أو أعسر) واليد الأخرى لأداء حركات بسيطة.

رابعًا تشتيت الانتباه أثناء تناول الطعام بين أسماء التوابل وعناوين الأفلام على الشاشة أمامك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد