قال المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الروسية إن بلاده ستستخدم «تدابير للرد» إذا قررت السويد الانضمام إلى حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وحذرت من أن ذلك قد يؤدي إلى عواقب سياسية وعسكرية خطيرة. في المقابل قامت الحكومة السويدية بسحب السفير السويدي من روسيا كتعبير عن استقلالها. بل يمكننا القول إنه تم طرده، الأمر الذي جعل السويد تقرر عودة التجنيد الإجباري «خوفًا» من التحركات الروسية في المنطقة. جاء ذلك بعد العديد من «المغازلات» بين روسيا ودول الجوار، تحديدًا السويد.

نستعرض في هذا التقرير تاريخ «الحرب الباردة» بين البلدين، والنتائج التي ترتبت عليها، كما نتعرض لعناصر القوى السياسية والاقتصادية التي يمكن أن ترجح كفة على حساب أخرى، ونحاول الإجابة على السؤال الرئيسي: ماذا لو تطور الصراع إلى حرب؟ من تنصفه الحسابات العسكرية؟ ولماذا؟

روسيا والسويد.. تاريخ من الصراع

خاضت روسيا والسويد العديد من الحروب على مدار التاريخ. فقدت السويد جرّاء ذلك جزءًا من شمال حدودها التي تعرف الآن بـ«دولة فنلندا»، وعلى الرغم من أن آخر حروب السويد كانت في 1814 لكنه بعد أكثر من 200 عام لازال السويديون في خوف من الاحتكاك بالقوى الروسية، وما ينتج عن ذلك من حرب رُبما تخسر فيها الكثير. علينا أولًا أن نعلم لماذا هذا الصراع المتكرر؟

تمتلك السويد جزيرة «جوتلاند» الاستراتيجية التي تتوسط «بحر البلطيق» والتي تتشارك والحدود الروسية أيضًا من خلاله، وهو ما يتسبب في وجود علاقات مضطربة بين الدولتين؛ فالخوف الذي تشعر به روسيا من التقارب الذي يحدث بين الغرب (حلف الناتو) والسويد قائلةً إنه يشكل خطرًا كبيرًا على أمنها القومي خصوصًا إنها ليست عضوه فيه، يوجد في مقابله تخوّف من السويد التي تشعر إنها من الممكن أن تكون هدفًا لأي تحركات عسكرية تستهدف روسيا، بالتحديد من الغرب.

إذن تشارك روسيا القوات السويدية في وجودها العسكري في بحر البلطيق، وتوجد لدى روسيا أماكن «اصطياف» على ساحل البحر الأسود في الجنوب وساحل بحر البلطيق في الشمال، وعلى مدارالسنوات الثلاثة المنصرمة تحدثت السويد بشكلٍ مباشر عن اقتراب بعض الأجسام الغريبة والغواصات من حدودها البحرية وأراضيها، وقال مسؤولو السلطة السويدية إنهم في حاجة شديدة إلى الجيش «لمواجهة التواجد العسكري الروسي في بحر البلطيق».

الأمر الذي جعل السويد التي كانت قد أوقفت بالفعل العمل بنظام التجنيد الإجباري في 2010 تتراجع عن قرارها «نتيجة إعتبارات أمنية جديدة» وفقًا لتصريحات هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أو إنه «يرجع لتغييرات على الساحة الأمنية بالدول المجاورة».

بينما قالت صحيفة الإندبندنت إن الهدف من إعادة التجنيد الإجباري هو قلة عدد المتطوعين الذين هم بحسب بحث نشره مركز للدراسات الأمنية في السويد 52000 عسكري، من بينهم 20000 في وظائف دائمة، أما معظم الآخرين فمن أعضاء الحرس الوطني، حيث تقول الحكومة إن الجيش ينقصه 7500 فرد على الأقل؛ نتيجة ذلك سيذهب ما يقرب من أربعة آلاف شاب وفتاة لأداء الخدمة العسكرية اعتبارًا من أول يناير (كانون الثاني) المقبل، ومن المفترض أن فترة التجنيد بالنظام الجديد ما بين تسعة إلى 12 شهرًا للذكور والإناث.

خطوة للوراء.. لماذا يحدث كل ذلك؟

صرح وزير الدفاع الروسي «سيرجيه شايجو» في ديسمبر (كانون الثاني) 2014 إن القوات البحرية لحلف الناتو زادت ثمانية مرات في دول بحر البلطيق ورومانيا وبولندا، وزادت القوات العاملة أيضًا 13 مرة، وجميعها دول تقع على الحدود الروسية. أيضًا أعلنت بريطانيا عن إرسال 150 عسكريًا للتمركز شمالي شرقي بولندا أي على الحدود الروسية؛ وعلقت الحكومة البولندية على ذلك بأنها «تؤمن بلادها» من التوتر الذي يحدث بين روسيا وقوات الناتو.

في المقابل جاء في تقرير الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»: «إن روسيا قامت بما يزيد عن 18 مناورة عسكرية بموجب 100 ألف جندي في المناورة على حدود بحر البلطيق وهو ما يثير رعب السويديين وغالبية الدول المجاورة، بينما ينفي الروس ذلك ويتهمون الغرب بترويج «الشائعات» معلنين «أنه لا يوجد أي طرف في الغرب يريد الحوار معنا».

نتيجة ذلك أعلن وزير الدفاع الروسي «سيرجي شويجو» عن تدشين وحدة عسكرية مخصصة لتنفيذ «عمليات معلوماتية ودفاعية» ضد الدول المعادية، مقابل ما قاله مسؤولون ودبلوماسيون في بروكسل لوكالة رويترز من أن دول الاتحاد الأوروبي ستتخذ قرارًا رسميًا لإقامة مركزًا لقيادة المهام العسكرية المشتركة للتكتل في خطوة رمزية تجاه المساعي المتجددة لتعزيز التعاون الأمني والدفاعي.

وفي وقت سابق قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن حلف الناتو أقر في قمة وارسو وللمرة الأولى منذ سنة 1989 بأنه يعتبر روسيا التهديد الأول لأعضائه؛ والذين أعلنوا في قمتهم المذكورة عن أن ردع روسيا صار يمثل مهمة جديدة منوطة بحلفهم. بالتالي توسع الناتو خلال السنوات القادمة سوف يستند إلى هذا الطرح مباشرة، رغم أنه لم يكف عن التوسع في السابق وهو ما يثير استفزاز الروس، بحسب بويتن.

الناتو في وارسو.. هل يقود العالم لحرب عالمية جديدة؟

فيما أكد بعد ذلك قائد القوات البرية السويدية «أندرس برينستريم» بشكلٍ واضح أن قيادة القوات المسلحة في البلاد تستعد بجدية؛ لصراعٍ مفتوح قد يندلع خلال السنوات المقبلة، ووصف القائد العام للقوات المسلحة السويدية روسيا بأنها: «تعتبر التهديد العسكري الرئيسي للمملكة».

وكان المندوب الروسي الدائم لدى الناتو «ألكسندر غروشكو» قد وضح لـ«واشنطن بوست» أن اتساع رقعة حضور الأطلسي في البحر الأسود على حدود روسيا، يسهم بشكلٍ كبير في تأجيج التوتر وزعزعة الأمن في المنطقة خصوصًا مع نتيجة استطلاع مركز ليفادا الذي قال إن 23% من الروس يعتبرون حلف الناتو خصمًا صريحًا لهم، فالروس يعتبرون أن البنية التحتية العسكرية للحلف تحاول الإحاطة بالفيدرالية الروسية متى استطاعت ذلك.

على ما يبدو يتجاهل الجميع أن تكوين حلف الناتو أساسًأ جاء ردًا على توحد القوات السوفيتية في منطقة شرق أوروبا قديمًا، وهو ما جعل الدول الأوروبية الأخرى تشعر دائمًا بقرب وقوع هجوم «سوفياتي» (روسي الآن) عليها، حيث يعتبر الأوروبيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع روسيا كما أن الوضع في أوكرانيا يقلقهم خشية تكرار نفس السيناريو، فيظهر السبب الرئيسي للصراع الذي يتخد الغرب «الناتو» من السويد واجهة له، وتتعامل روسيا على تأجيجه أيضًا.

ربما تريد روسيا أن تنشئ غربًا مقسمًا فاقدًا لإيمانه بقدرته على تحديد ملامح العالم على حد قول الخبراء في الغرب، وربما أيضًا بحسب «كوستانتين كوزاتشيف» رئيس لجنة الشؤون الخارجية لا تريد غير «المساواة» والتأثير الحقيقي على عملية صنع القرارات الدولية مثل «الاتحاد الأوروبي وأمريكا»، وهو ما جعلها تصرح بما تراه «حقها» في الحد من سيادة الدول المجاورة، الذي يعتقد الغرب أنه يحتاج إلى «رد صارم وموحد».

إذا أردنا أن نحلل الوضع أكثر لابد أن نضيف للمعادلة موزانات القوى وأسبابها بشكل أكثر وضوحًا، روسيا التي تريد وضع يدها في تفاعلات العالم مرة أخرى، والطرف الآخر من المعادلة هو الغرب والاتحاد الأوروبي الذي يعد أول تماس جغرافي وتاريخي لها، ويقف تحت يديها الحلف الأطلسي.

من ينتصر.. الغرب مجتمعًا أم روسيا وحدها؟

كل من روسيا والناتو أتم أو استنفد أجندته الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب الباردة ولا بد لهما من أن يقررا الهوية الخاصة بكلٍ منهما الآن من جديد، فبحسب الروس أنفسهم «يعتبر وجود قوة عسكرية على الحدود مع بعض دول حلف الناتو يجعلهم في تهديد مباشر من الروس» ولا يريد الغرب إعادة سيناريو جورجيا.

لكن خلال الفترة القليلة المنصرمة قطعت روسيا خطوات تخبرنا عن مدى القوة الفعلية لها، حيث ضمت شبة جزيرة القرم رغمًا عن الغرب وأمريكا، واستطاعت بوضوح أن تنتصر على جميع أطراف الصراع في سوريا وتصبح الطرف الأقوى والأهم هناك.

ربما يمتلك الروس خطة واضحة تساعدهم على بناء تحالفات قوية في المنطقة العربية، وربما لذلك يعتقدون بأنهم أخطأوا عندما سمحوا للغرب بالتدخل العسكري في ليبيا، وإن «الكارثة» في ليبيا كانت نتيجة غياب التخطيط بحسب دانيال دافشينسكي النائب المحافظ في مجلس العموم البريطاني.

وكان «سيرجي شويغو» وزير الدفاع الروسي قد أوضح أن المعادلة يمكنها أن تتغير إذا كانت الأمور تحت سيطرة الروس، وأن الغرب لا يملك صلاحية أن يقول ماذا تفعل روسيا في ليبيا أو غيرها.

يأخذنا ذلك إلى استعراض الميزانيات العسكرية للطرفين؛ بالنسبة للناتو فالموازنة العسكرية لدول الحلف التي توجد في عضويتها حتى الآن 28 دولة؛ ولديها 3.9 مليون جندي، وأكثر من 6000 طائرة حربية، وحوالي 3600 مروحية، و17800 دبابة، و62600 بالإضافة إلى 15 ألف مدفع، و16 ألف مدفع هاون، و2600 منصة إطلاق صواريخ، و302 من السفن الحربية الأساسية والغواصات بحسب بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

بالرغم من ذلك أعلن الأمين العام لحلف الناتو «أندرس فوغ راسموسن» خلال قمة حلف شمال الأطلسي من التخفيضات المبالغ فيها من الإنفاق الدفاعي الأوروبي.

روسيا تعد أكبر بلد في العالم من حيث المساحة، والتي تجمع 160 جماعة عرقية وتتحدث نحو 100 لغة، لكن ذلك لا يرجح كفتها وربما لا يخبرنا بالحقيقة كاملة؛ فالموازنة العسكرية الروسية تمثل حوالي 90 مليار دولار والقوة العسكرية لها تمثل حوالي 776 ألف عسكري، و15.398 دبابة و31.298 مدرعة و462 مروحية قاتلة و352 سفينة حربية، وهي بذلك خفضت من إنفاقها العسكري 5%، وهو ما قد يوضح تفوق الغرب أو حلف الناتو «مجتمعين» على الروس «وحدهم» عسكريًا.

على ما يبدو فإن الإتحاد الأوروبي يفتقد «الثقة» في روسيا التي تحاول بشتى الطرق السعي وراء مصالحها الشخصية، التي تعتقد أنها تضعها كقوة عظمى مرة أخرى؛ ما يمكن أن يأتي على حساب الغرب عمومًا، بينما تفتقد روسيا المساواة على طاولة اللاعبين الدوليين الكبار وتعاني من التهميش الذي لا ترى فيه أنه تقليل من شأنها، لكن ربما الغريب في الأمر الحساسية المفرطة أو «الخوف» الذي يتعامل به الغرب أمام الدب الروسي.

إذًا.. لماذا يخاف الغرب من روسيا؟

بالرغم من أن الاتحاد الأوروبي نجح في الضغط على أوكرانيا لإحالة الولاية القضائية على الجرائم الخطيرة إلى «المحكمة الجنائية الدولية»، من خلال المادة الخاصة بالإحالة الذاتية، ولكن في وقت كتابة هذا الملخص لم يستطع الاتحاد الأوروبي ضمان وفاء أوكرانيا بالتزامها بالتصديق على نظام روما الأساسي، كما هو مطلوب في اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا التي يجب أن تلتزم بها.

يخبرنا مركز المستقبل للدراسات إن الاتحاد الأوروبي أبقى مجموعة من العقوبات ضد الأفراد والكيانات الروسية بخصوص الصراع الأوكراني واحتلالها لشبه جزيرة القرم. تتمثل العقوبات في تجميد الأصول وحظر تأشيرات السفر ضد 149 شخصًا و37 كيانًا، وفي تقرير صدر في يوليو (تموز) قام »نيلز مويزنيكس« مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان بدعوة روسيا إلى جعل تشريعها الخاص بالمنظمات غير الحكومية متسقًا مع معايير مجلس أوروبا.

كانت شبه جزيرة القرم انتصارًا واضحًا للروس، لكن الانتصار الأكبر كان «خسارة» السياسات الغربية الدولية في انتزاع شرعية الدفاع عن أوكرانيا.

أيضًا يعتبر صعود اليمين المتطرف الذي استفاد من الإرهاب المستشري في العالم في دول أوروبا سببًا في تداعي النظام الدولي الحالي نتيجة الأزمة المالية العالمية الذي يقف على قمته الغرب (حلف الناتو) وأمريكا، ويسعى اليمين المتطرف إلى التدخل القسري واستخدام «العنف» و«القومية»، و«التعصب الديني» ومعاداة المهاجرين على حد قول «هيومن رايتس ووتش»، بالتالي يمكن أن يؤدي كل ذلك إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي القوى إلى قوى أحادية لا تسطيع بالكاد مواجهة روسيا منفردة.

بينما قال مركز الجزيرة للدرسات «إنه نظريًا يمكن لحلف الناتو أن يستعيد قوته السابقة لدى تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه هدف مكلف جدًا، وسيكون على شعوب أوروبا وأمريكا أن تتحمل أولًا تخفيض مستوى معيشتها لنحو20% أو 25%، بكل ما يعنيه ذلك من فوضى وإضرابات وثورات داخل بلدانها، وهو أمر تخشاه أمريكا وأوروبا أكثر من خشيتهما من مواجهة حرب باردة جديدة مع روسيا، التي لم تعد تخشى لا الحرب الباردة ولا الحرب الساخنة».

في المقابل توجد روسيا التي لا تقدم أي مساعدات للاجئين في العالم، وتهاجم بوضوح ما يعرف بحقوق الإنسان، ولا تسمح بحرية التعبير داخل بلادها مثل الاتحاد الأوروبي. بالتالي لا يمكننا أن نعتبر روسيا هي ذلك «الطفل المظلوم» الذي يعاني من سلطوية وتحكمات الغرب.

لكن الواضح أن «الدب الروسي» لا ينام إلّا ويذكر سقوطه القديم، يركض يومًا تلو الآخر إلى استعادة مجده، يحقق انتصارات نسبية ومهمة (مثل سوريا وأوكرانيا). بينما الغرب مشغول بصراعاته الداخلية، بالتالي إذا سارت الأمور إلى حرب عالمية أخرى ربما يقف الظرف التاريخي أولًا بالإضافة إلى اليقظة السياسية والأجندة المدروسة في صف روسيا أمام الغرب (السويد) لكن يبقى السؤال هل تندلع الحرب التي ربما لن تضر الغرب فقط؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد