في مايو (أيار) 2016، أنشأت السعودية «الهيئة العامة للترفيه»، وهي هيئة مختصة بكل ما يتعلق بالنشاط الترفيهي والثقافي، تماشيًا مع إعلان المملكة لرؤية «السعودية 2030» المستقبلية وما يمثله قطاع الترفيه من أهمية اقتصادية وفقًا لتطلعات الرؤية، رغم اتهامات البعض بإفساد هذه الفعاليات للمجتمع.

مع ذلك، يبدو أن اهتمام المجتمع السعودي، أو قطاعات منه، بالترفيه، والكوميديا تحديدًا، ليست وليدة رؤية 2030، وهو ما نرصده في هذا التقرير.

 

مواقع التواصل الاجتماعي.. أول الغيث

فد يكون أبسط تعريفات الكوميديا، هو سرد حكاية بغرض السخرية والإضحاك، سواء كان السرد بفيلم أو رسوم كارتونية أو «stand up comedy»، أي عرض الشخص الواحد. وبعد الانتشار الكبير الذي حققته البرامج السعودية الكوميدية الساخرة المعروضة عبر موقع يوتيوب، بدايةً من ببرنامج «التاسعة إلا الربع»، جاء الاهتمام لاحقًا ببرامج لها نفس الصبغة مثل «على الطاير» و«لا يكثر» وغيرهم، مع ذلك يُمكن القول إن بداية الاهتمام باتجاهات الكوميديا الحديثة في السعودية، وبشكل مدروس، في عام 2012، عندما أسس كل من رائد الأعمال أنمار فتح الدين مع الكوميديانين ياسر بكر وبدر رضوان، ما يُعرف بـ«نادي جدة الكوميدي» لاختيار مواهب فنية كوميدية.

ويُعتبر «نادي جدة الكوميدي» الأول من نوعه في السعودية في تقديم عروض وحفلات فنية بشكل دوري، ثم في 2014 انطلقت النسخة الثانية من «مهرجان الكوميديا الأوّل»، وكان آنذاك أبرز منصة سعودية لإنتاج الكوميديا. واستهدف المهرجان كبار نجوم الكوميديا، كما ألقى الضوء وفتح الباب أمام مواهب صاعدة، وأقام عددًا من الندوات حول فن الكوميديا. وفي مارس (آذار) 2015، في النسخة الثانية من المهرجان، زاد عدد الحضور المشاركين بشكل ملحوظ، كما ازدادت أعداد الجماهير السعودية المقبلة على الكوميديا، بوتيرة سريعة.

 

هناك أيضًا معارض وبرامج فنية أُخرى لاختيار المواهب الكوميدية في السعودية مثل برنامج الكوميديان، أو برنامج لفلفة وهو برنامج سعودي يُعرض على يُوتيوب يقدمه ثامر الحازمي. يقوم ثامر في كل حلقة بمقابلة أحد مشاهير الوطن والخليج العربي داخل سيارته يتناقشون فيها عن مختلف المواضيع بطريقة غير رسمية ومختلفة عن بقية البرامج الحوارية وبشكل كوميدي.

وتأتي الفتاة ذات 23 عامًا تحت اسمٍ مستعار «آيمي روكو» كأشهر امرأة كوميدية سعودية، حيث تقوم آيمي «المنتقبة» بعرض بعض المواقف اليومية التي تقابلها المرأة في السعودية بشكلٍ ساخر، وتلقى هذه الفتاة إعجاب الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي. أيضًا هناك العديد من البرامج الساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تلاقي تفاعلًا كبيرًا مثل برنامج «شفاف» أو برنامج «يشلك» وبرنامج «أنا أبخص»، وهي برامج تتعرض بشكل كوميدي ساخر للعديد من المواقف التي تواجه المواطن السعودي، وللعديد من مظاهر المجتمع السعودي.

«رؤية 2030» الاقتصادية: الفنون في الصدارة

في خطوة وصفها البعض «بالجريئة» تستضيف السعودية للمرة الأولى المهرجان العالمي «كوميك كون» الذي يحضره عدد كبير من الممثلين المحليين والعالميين، بالإضافة إلى ما يقرب من 25 ألف زائر من مختلف البلاد.

اقرأ أيضًا: السعودية والإمارات.. وصناعة وهم السعادة والترفيه

يعود تاريخ مهرجان كوميك كون الدولي (San Diego comic-con International) إلى مدينة سان دييجو بولاية كاليفورنيا بأمريكا، قبل أن يتكرر في عدد كبير من المدن العالمية. واشتهر بعرض أفلام ومسلسلات خيال علمي وكتب مصورة. ويضم المهرجان أكبر عناصر الثقافة الشعبية كالإنمي والمانغا وبطاقات ألعاب الفيديو، ويوصف بأنه أكبر مهرجان من نوعه، وفقًا لمجلة «فوربس».

هذا وشددت «هيئة الترفيه» في السعودية على ضرورة الالتزام بالثوابت الدينية والاجتماعية خلال المهرجان، في الوقت الذي أُلغي فيه عرض لممثل كوميدي أمريكي (مايك إيبس) في ديسمبر (كانون الأول)، عقب التحذير من ردود أفعال من وصفوا بـ«الإسلاميين المتشددين»، كما هاجم إمام وخطيب المسجد النبوي، حسين آل شيخ، فعاليات هذا المهرجان بالتحديد ووصفه «بالعار» على السعوديين، أيضًا حذر مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ مما أسماه «فسق» السينما والحفلات الموسيقية والمهرجانات، في الوقت الذي تناقش فيه «هيئة الترفيه بالسعودية» إمكانية وجود دور سينمائية مختلفة.

ودشّن عدد من السعوديين وسم (هاشتاج) «#أوقفوا_حماقات_هيئة_الترفيه» للهجوم على ما تضمنه «رؤية 2030» من وضع ثقافة الترفيه في الاعتبار، الأمر الذي اعتبره معارضوه «فسادًا للأخلاق، وانحطاطًا بالقيم»، ولاقى الهاشتاج تفاعلًا كبيرًا على تويتر.

وفيما يرى البعض في خطة الترفيه السعودية إعلان معاداة لرجال الدين السعوديين، ترى وكالة بلومبيرج الإخبارية أنها تأتي ضمن خطة عامة للتعافي من الصدمة الاقتصادية السعودية، وقد يُعزز من ذلك أنها جاءت ضمن رؤية 2030 الاقتصادية بشكل أساسي.

«مسامير» قناة كوميدية تخترق جدران الوطن العربي

على ما يبدو أصبح من المعتاد نجاح الأعمال الفنية ذات وجهات النظر الواحدة، من قبل المؤلف ومخرج العمل الفني، وهذا تحديدًا ما حدث مع الكاتب فيصل العامر والمخرج مالك نجر.

بدأت القصة عندما أخبر المصمم ومنتج الرسوم المتحركة مالك نجر صديقه فيصل أو «فاصل» كما يسميه، برغبته في إنتاج مسلسل كارتوني بحلقات متصلة تحمل اسم «حارة مسامير»، تيمنًا بحارة يذكرها المخرج حين كان طفلًا. لكن فيصل كان يرى أن فكرة الحلقات المتصلة قد تحتاج وقتًا أكبر في الكتابة وذلك صعب، ثم اتفقا على إذاعة البرنامج عبر الإنترنت «لعدم جدوى التليفزيون وقلة مشاهديه»، على حد قولهم، وتحت اسم «مسامير» وفقط، فأسسوا لذلك شركة «Myrkott» التي أنتجت حلقات المسلسل.

الآن إذا تصفحت قناة مسامير السعودية لأفلام الكرتون، ربما ستكون ضمن ملايين المتابعين لهذه القصة السعودية الثائرة على أوضاع المجتمع، والتي تحوّلت من خلالها مقالات مؤلفها فيصل العام، التي كثيرًا ما واجهت اعتراضات رقابية من داخل الصحيفة التي كان يعمل بها، إلى برنامج كرتوني تخطى حاجز 250 مليون مشاهد.

وربما بمشاهدتك ستشعر أن البرنامج ليس مُوجهًا للسعوديين فقط، وإنما كل شعوب العالم العربي ومشاكلهم، وفقًا لقول مذيعة قناة سكاي نيوز، فستجده يتناول بالفكاهة الأغنية المصرية القديمة «بابا فين» أو المشهد الشهير للممثل المصري أحمد زكي وهو يركض في الشارع نصف عارٍ، أو من ظاهرة التعصب الكروي، أو عندما حاكى الفيلم الأجنبي الشهير «cast away» بشكل فكاهي، أو حين قال على لسان شخصية الكلب في المسلسل، الجملة الشهيرة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي «ما يصحّش كده».

ولم تكتف شراكة الثنائي الكوميدي ببرنامج مسامير فقط، إذ أنتجا الفيلم الكارتوني «الموت مرتين» وكذا برنامج «سنبر» الكوميدي، وكلاهما جاء بنفس الطابع الثوري الذي لم تعهده السعودية من قبل.

«تلفاز 11».. والغناء بطريقة كوميدية

«تلفاز 11» هي شبكة لعرض البرامج على موقع يوتيوب، أُسست عام 2011 بمبادرة شباب سعوديين صنعوا أفلامًا تجمع بين الفكاهة والنقد البناء للمجتمع، كونهم «أصحاب مبادرة لتحفيز الثقافة والإبداع». كانت البداية مع برنامج «لا يكثر»، بعدها أنتجت الشبكة العديد من البرامج التي لاقت انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرت من التجارب الشبابية الناجحة في السعودية.

تجمع شبكة «تلفاز 11» عددًا كبيرًا من البرامج الكوميدية مثل «خمبلة» و«التمساح» و«هامش خسارة» وغيرها، لكن ربما كانت أشهر تجاربها قناة «FOLAIM YA GHOLAIM» التي تطرح نقد القائمين عليها بطريقة كوميدية بمقاطع فيديو قصيرة وكذلك بالأغاني في بعض الأحيان.

على ما يبدو إذًا استطاع شباب سعوديون إثبات وجودهم بقوة على ساحة صناعة الترفيه والكوميديا، وحققوا في ذلك نجاحًا على المستوى الفني والريادي أيضًا بإنتاجهم المدروس.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد