في غرفةٍ مُلحقة بدار الحرس الجمهوري، جلس الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، إلى جانب تسعةٍ من مُساعديه على طاولة الاجتماعات، لمتابعة البيان الأخير الذي أعلن فيه قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح السيسي تعطيل الدستور وانتهاء حياة النظام، وبينما كانت الأنظار تحدق في وجومٍ صوب الشاشة الكبيرة، كان ثمّة رجلٌ وحيد دلف إلى الغرفة في صمت، وقد لفت انتباه الجميع ببذلته العسكرية، وحين طلب منه الرئيس الاقتراب، أجابه: «جميعكم رهن الاعتقال».

قبل يومين من المشهد أعلاه، كان هذا الرجل العسكري في قصر الاتحادية، وقد بثّ شكوكه إلى مرسي بشأن مؤامرةٍ تُحاك من الجيش؛ وبصفته قائد الحرس الجمهوري المُكلف بحماية الشرعية الدستورية من انقلابات المؤسسة العسكرية، طلب اللواء محمد زكي من الرئيس سرعة الانتقال لدار الحرس الجمهوري، كونه القلعة الآمنة والحصينة التي سيستطيع فيها حمايته؛ ليكتشف الأخير بعد فوات الأوان أنّ حارسه لم يكن سوى سجّانه الذي أودى به على حين غرّة.

زميل السيسي المتورط في قتل ثوار يناير

قبل 46 عامًا التقى الضابط عبد الفتاح السيسي برفقائه في الكلية الحربية من الدفعة 69، التي تضم اليوم كبار قادة الجيش، ومهندسي خُطة إطاحة الرئيس محمد مرسي، بداية بالفريق أول محمد زكي – رفيق السيسي في سلاح المشاة – الذي احتجز الفريق الرئاسي داخل دار الحرس الجمهوري، ثم سلّمه للفريق أسامة الجندي، قائد القوات البحرية آنذاك، الذي أخفى مرسي في قاعدة بحرية، مرورًا بمدير المخابرات الحربية الفريق محمود حجازي، الذي تولى مهمة تعقب الضباط الرافضين للانقلاب العسكري وقمعهم.

وزير الدفاع المصري الذي خدع محمد مرسي

وزير الدفاع المصري الحالي، الفريق أول محمد زكي

يصفه المقربون منه بأنه هادئ ومُستمع جيد، ومُخلص لقيم المؤسسة العسكرية، لكنه يتحفَّظ على جزءٍ من شخصيته، إلا إنه وعلى عكس زملاء دفعته، صعد مُبكرًا إلى سُدة المناصب في الجيش، عقب مشاركته في حرب الكويت عام 1991، والتي أهلته بعدها لتعيينه عام 2008 قائدًا لوحدات المظلات في القوات الخاصة، التي تضم أكفأ الضباط العسكريين، بينما كان صعود البقية عقب 2013؛ فالفريق محمود حجازي صار رئيسًا للأركان على سبيل المثال، والفريق صدقي صبحي وزيرًا للدفاع، -قبل إطاحته لصالح زكي-، بينما صار الفريق أسامة الجندي قائدًا للقوات البحرية.

ربما أنّ الوحيد الذي كان يسبق الفريق أول محمد زكي في مسيرته العسكرية من أبناء دفعته، هو السيسي نفسه، الذي كان المشير طنطاوي يعدِّه ليكون وزيرًا للدفاع -وفقًا لمصادر خاصة أدلت بذلك إلى صحيفة الأخبار اللبنانية على عهدتها- وفي عام 2010 أصبح السيسي أصغر أعضاء المجلس العسكري بتعيينه مديرًا للمخابرات الحربية، وسط رفض رئيس الأركان وقتها، سامي عنان.

وعقب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، تولت قوات المظلات التي يرأسها زكي تأمين المؤسسات التشريعية والدستورية، ومجلس الوزراء، وماسبيرو، ومجلسى الشعب والشورى، والمحكمة الدستورية، وبالرغم من كونها أقوى وحدات القوات المسلحة في الجيش وأعلاها تدريبًا، فإنها تورطت –بحسب تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الرئيس المعزول محمد مرسي- في قتل المتظاهرين أثناء أحداث محمد محمود، والتي راح ضحيتها أكثر من 50 شخصًا فيما جُرح المئات، بحسب منظمات حقوقية محلية ودولية.

عقب وصول الرئيس محمد مرسي إلى الحُكم في 2012، اختار من المؤسسة العسكرية، الفريق عبد الفتاح السيسي ليكون وزيرًا للدفاع، بينما اختار محمد زكي قائدًا للحرس الجمهوري، وبينما كانت مبررات الجماعة لاختيار الأول بأنه كان ضد سياسات التوريث، ويمتلك رصيد عداوات كبير مع الحرس القديم، كان سبب اختيار الثاني على خلفية واقعة جنازة شهداء رفح، والتى لم يستطع مرسي حضورها؛ بسبب إبلاغ الحرس الجمهوري بأنه لا يُمكن تأمينه، لذا قرر الأخير الاستعانة بمحمد زكي الذي يرأس المظلات، باعتبارها أقوى الوحدات في الجيش.

ولا يبدو أنّ محمد زكي ومرسي كانا على وفاق كامل طيلة فترة الأخير الرئاسية؛ فعقب أحداث قصر الاتحادية، رفض الحرس الجمهوري التدخل لمنع المتظاهرين الذين بدأوا في تسلق الأسوار، لتتهمه جماعة «الإخوان المسلمين» بعدها بالتخاذل عن حماية الرئيس، وعقب عزل مرسي روجت الصحف المُقربة من النظام الجديد رواية أنّ مرسي عقب احتجازه، عرض على محمد زكي تعيينه وزيرًا للدفاع مقابل تغيير قواعد اللعبة، لكنّ الرئيس نفسه لم يكن يعلم أنّ قائد الحرس الجمهوري شريك عملية الإطاحة به على الأرض.

قصة «الفريق» و«المشير» لم تبدأ الآن.. ما لا تعرفه عن الصراع بين عنان والسيسي

الشاهد الأول ضد مرسي في المحكمة

عقب إطاحة مرسي، حصل قائد الحرس الجمهوري على رتبة فريق؛ وذلك لأول مرة في التاريخ، فهي الرتبة التي لم يحصل عليها قائد قبله في منصبه، بينما استمرّ عمل زكي خلال عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور، فيما أُسندت إلى قواته مهمة فض اعتصام جماعة «الإخوان المسلمين»، التي وصلت إلى دار الحرس الجمهوري، وبعد أسبوعٍ فقط اشتبكت عناصره بالرصاص الحي مع المتظاهرين لتنتهي الاشتباكات بمقتل 51 شخصًا وإصابة أكثر من 400، بحسب بيانات «هيئة الإسعاف المصرية»، وهي الأحداث التي انتهت بانسحاب عدد من الأحزاب السياسية من خارطة الطريق، ومطالبة الرئيس المؤقت بالتنحي.

محمد زكي وزير الدفاع المصري

الفريق أول محمد زكي

 دور الرجل الحقيقي لم يقتصر فقط على القبض على مرسي، ومحاولة فض جموع أنصاره، فعقب ظهور الرئيس المعزول أمام المحكمة بعد خمسة أشهر من إخفائه، كان الفريق محمد زكي حاضرًا في منصة الشهود الذين استندت إليهم النيابة في توجيه الاتهام التي تعلقت بالخيانة، وهي الشهادات نفسها التي اعتمدتها المحكمة في حيثياتها، حين حكمت على مرسي بالإعدام والمؤبد في قضيتي «التخابر مع قطر، وقتل المُتظاهرين».

وبحكم منصبه في تأمين القصور الرئاسية، شهد زكي بأن مرسي أمره بفض المتظاهرين الذين احتشدوا أمام قصر الاتحادية على خلفية رفضهم الإعلان الدستوري أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012، وجاءت شهادته التي سُجلت في محاضر الجلسات: «في حوالي الساعة الثانية فجرًا، تلقيتُ اتصالًا هاتفيًّا من مرسي يأمرني بفض الاعتصام خلال ساعة واحدة بالقوة، فرفضتُ تنفيذ الأمر»، يقف لحظة ثم يستدرك: «حاولتُ الاتصال بمرسي بعد ذلك فلم أتمكن، فاتصل بي أسعد الشيخة نائب رئيس ديوان رئيس الجمهورية، وطلب مني مهلة 24 ساعة لفض الاعتصام من دون عنف؛ فأخبرتُه بأنني اتصلت بالرئيس الذي أصدر أوامره بعدم وجود أي من المعتصمين عند حضوره صباحًا».

الضربة الأخرى التي وجهها محمد زكي لمرسي تمثلت في شهادته بأنه سلَّم لمرسي وثائق أعدتها المخابرات حول قوات متعددة الجنسيات موجودة في شبه جزيرة سيناء وخريطة عسكرية، وأخرى تحمل إشعار «سري جدًّا» بعنوان «المعابر المصرية الفلسطينية الإسرائيلية». وبحسب زعم زكي، فإن الرئيس المعزول احتفظ بها من دون أن يستعيدها مكتب المستشار، ورجح زكي أن مرسي أرسلها لـ«جماعة الإخوان» لتنفيذ «مخططات إرهابية» وفق وصفه.

وبينما اتهم مرسي قائد الحرس الجمهوري بالخيانة الكبرى أمام قاعة المحكمة، فإن قضية قتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية انتهت بمعاقبة الرئيس المعزل بالسجن 20 عامًا، بينما حُكم عليه في قضية التخابر بالسجن المؤبد، قبل أن يموت في 17 يونيو (حزيران) الماضي، في ذكرى يوم تنصيبه رئيسًا للجمهورية عام 2012.

الخطة مستمرة.. هكذا نجح السيسي في إخضاع أجهزة الدولة المتضاربة

محمد زكي.. وزيرًا للدفاع بالمخالفة للدستور

لا تقف سطوة الفريق أول محمد زكي عند مسيرته العسكرية متنقلًا من سلاح المشاه إلى قيادة المظلات، ثم الحرس الجمهوري، نهاية بأرفع منصب عسكري في الجيش، إلا أنّ اللافت أن مساعي السيسي للتخلص من جميع رفاقه استثنت الرجل الذي يبدو أنه يحظى بثقة الرئيس الذي لا يثق بأحد، فكل أعضاء المجلس العسكري الذين شاركوا في إدارة الفترة الانتقالية، وعزلوا مرسي، ثم أيدوا ترشُّح السيسي، وكان لهم ظهورٌ خاص على الشاشات التلفزيونية، قد أطاحهم تدريجيًّا بخطة بطيئة بدأت منذ عام 2013.

 السيسي ووزيري الدفاع السابق والحالي

والدفعة 69 نفسها التي تسلمت القيادة من بعد 2013، تعرضت هي الأخرى للعزل والإقالة؛ بداية بالفريق محمود حجازي، صهر الرئيس الذي أُطيح من رئاسة الأركان، إضافة إلى الفريق صدقي صبحي الذي شارك في إطاحة مرسي، ثم أُطيح من وزارة الدفاع لصالح الفريق أول محمد زكي، بالمخالفة للدستور. فبعدما حصن دستور 2013 منصب وزير الدفاع من العزل لمدة دورتين رئاسيتين، لم يمنع الدستور الرئيس السيسي من إطاحته في يونيو الماضي، وتعيين محمد زكي، الذي لم ينفد رصيده بعد.

وعقب التظاهرات الأخيرة التي شهدتها المحافظات المصرية، استجابة للدعوات التي أطلقها المقاول محمد علي في فيديوهاته، عقب اتهامه عددًا من قيادات الجيش، وعلى رأسهم السيسي، بالفساد، وإهدار المال العام، وجه الفنان المقاول خطابًا إلى وزير الدفاع داعيًا إياه لإجبار الرئيس على التنحي، أو اعتقاله في حال الرفض.

يرتسم هذا النفوذ الكبير للرجل داخل الجيش، إلى جانب النبوءة التي يروجها أعداؤه أنفسهم، والتي عاودت الظهور إثر تنامي الاحتجاجات، فبحسب التسريب الصوتي لمرسي من داخل محبسه، توقع أن ينقلب محمد زكي على السيسي قائلًا: «هو ما يعرفش إن اللي بينقلب، بيُنقلب عليه»، لكن تظل العلاقة – حتى الآن- بين المشير والفريق أول أبعد من النبوءات.

«ريفي لم تبهره أضواء أمريكا».. محمد مرسي الذي لا نعرفه

المصادر

عرض التعليقات