على طول الساحل البحري، يتوزع صيادو قطاع غزة الذين لونت وجوههم بـ«السمرة» من جراء شمس يوليو (تموز) الحارة. بعضهم منهك في إعداد شباك الصيد قبل أن يحل موعد ركوب البحر من أجل الرزق، وآخر اقتنص فرصة صغيرة لتناول طعام الغذاء مع زوجته وصغاره، فيما يبدو الآخرين الذي حضروا للاستجمام بحارةً أيضًا ولدوا في البحر وتناغمت أجسادهم مع أمواجه المتصارعة.

هناك من يرى المشهد السابق لكنه لا يسره، إنهم الجنود الإسرائيليين الذين يدققون عبر الشاشات العملاقة والأدوات التقنية الحديثة في وجه الصيادين الفلسطينيين، ويكرهون اقتراب قواربهم من الحدود البحرية المحددة، خوفًا من أن تتطابق صورة أحدهم مع أسماء وصور غواصي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الذين وصلتهم من سجل الاستخبارات الإسرائيلية، فهم «الكوماندوز البحري» الذين يعدون أنفسهم بشكل جيد لمعركة قد يفرضها الصراع في أي وقت.

ولأن البحر ليس كاليابسة، فالإسرائيليون يعلمون أنه بمقدور عناصر البحرية التابعة لـ«حماس»، الذين أصبحوا يمتلكون معدات متقدمة وأسلحة قتال تحت الماء؛ الوصول إلى منصات الغاز قبالة سواحل غزة أو التسلل إلى «ميناء إسدود» أو محطة الكهرباء وزرع عبوات فيها أو تنفيذ عمليات باستخدام الألغام البحرية واستهداف القوارب الإسرائيلية.

الآن، وفي الوقت الذي تُكابد فيه الحركة من أجل تطوير الوحدة الأهم والأقوى في جناحها العسكري؛ وحدة «الكوماندوز البحري»، عليها أيضًا أن تخوض حربًا إعلامية ضروسًا مع «خصمها اللدود»؛ وسائل الإعلام السعودية، التي نشرت قبل أيام خبرًا يفيد بأن مسؤولاً في تلك الوحدة فرّ من قطاع غزة لإسرائيل، عبر زورق بحري بعد اكتشاف تخابره مع الإسرائيليين منذ عام 2009، وهو ما نفته الحركة.

كيف أسست حماس «الكوماندوز البحري»؟

تعتبر حركة حماس أن «أول كوماندوز قسامي بحري» لديها هو الشهيد حمدي انصيو، ابن مخيم الشاطئ (غرب غزة) الذي نفذ أول عملية في عمق البحر ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في شهر نوفمبر (تشرين الأول) عام 2000. فخلال انتفاضة الأقصى قاد انصيو قاربه المحمل بـ120 كيلو من مادة من مادة «تي إن تي» شديدة الانفجار، واستهدف به زورقًا إسرائيليًّا من نوع دبور.

بيد أنه يمكن القول إن الكوماندوز البحري لحماس تشكل فعليًا قبل أكثر من 10 سنوات، فقد حدث ذلك بالتزامن مع معركة «الرصاص المصبوب» التي شنها الاحتلال الإسرائيلي في ديسمبر (كانون الأول) عام 2008. ذاك الوقت الذي أخذت فيه الحكومة المصرية بتشديد قبضتها على الأنفاق الحدودية مع غزة، والتي بقيت لسنوات منفدًا هام للحركة.

أيقن قادة حماس – آنذاك – أمثال يحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى أن المعركة داخل جوف البحر المحاصر للقطاع يمكنها أن تكون ورقة قوية في ميزان الردع ضد الاحتلال الإسرائيلي، فتطوير القدرات البحرية للحركة بمثابة وسيلة هامة لتفادي ما فرضه سلاح الجو الإسرائيلي وأنظمة القبة الحديدية من إحباط لصواريخ الحركة.

وفيما يؤرخ الإسرائيليون أنفسهم إلى أن النواة الأولى لتشكيل «الكوماندوز البحري» لحماس، كانت في مارس (آذار) عام 2010، حين اكتشفت الاستخبارات الإسرائيلية أن أربعة من عناصر حماس تلقوا تدريبات خاصة في فنون القتال في البحر في إيران ويحاولون العودة إلى القطاع عبر الأنفاق مع مصر، لكن الخير الأكبر لنشأة هذه الوحدة، آتى أُكله في شهر يوليو عام 2014، وتحديدًا خلال عملية «الجرف الصامد» التي شنتها إسرائيل في صيف ذاك العام على قطاع غزة.

فقد كان الحدث الأعظم في هذا العدوان هو ما عرف بعملية «زيكيم» والتي تمكنت فيها أربعة عناصر كوماندوز بحري من التسلل إلى شاطئ زيكيم العسكري، الذي يبعد 4 كيلومترات عن الحدود الغربية الشمالية لقطاع غزة، ثم قاموا بتفجير دبابة إسرائيلية بأسلحة أوتوماتيكية وقنابل شظايا ومتفجرات كانت بحوزتهم.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«ي. أحرونوت»: ماذا تعرف عن مجندات الجيش الإسرائيلي اللاتي يراقبن مقاتلي حماس؟

وبرغم أن المقاومين الأربعة قد لقوا حتفهم، إلا أن مقاتلي «الضفادع البشرية» أظهروا باعتراف الإسرائيليين أنفسهم مهارات عسكرية فذة ولأكثر من 20 دقيقة اختفوا عن كل الوسائل التقنية الحديثة التي تستخدمها البحرية الاسرائيلية للمراقبة، واضطرت إسرائيل للإقرار بأن: «رد الجيش (الاحتلال) كان أبطأ، وأن هجوم الكوماندوز كان أكثر نجاحًا، مما كان يعتقد سابقًا».

ومع احتفاظ حماس بسرية كبيرة عن وحدة «الضفادع البشرية»، تحدث الإسرائيليون أكثر من مرة عن أن مقاتلي الكوماندوز الفلسطينيين، والذين يقدرون بالعشرات، سافروا للتدريب البحري وخضعوا لدورات غوص قتالية طورت مهاراتهم في كلّ من لبنان وإيران.

وفي المجمل عكفت حماس بعد وقف إطلاق النار مع الاحتلال إثر عدوان عام 2014 على تكثيف تطوير قدرتها القتالية البحرية، فكونت عناصر هذه النخبة الأكبر في جناحها العسكري من أفضل مقاتليها الخاضعين لقيادة مشددة وتدريبات صارمة في البحر وعلى الأرض، وقسمتهم إلى مجموعات جغرافية موزعة في جميع أنحاء غزة، إذ تتراوح أعمار «الضفادع البشرية» ما بين 18 إلى 20 سنة.

وكما جاء في تقرير موقع «ميدل إيست مونيتور»: «يشمل تدريب غواصي حماس تدريبات سريعة في البحر لحمل انفجارات عالية الجودة ضد السفن الحربية الإسرائيلية، وتشغيل السفن التي تحمل متفجرات بالقاذفات وبدونها، والانتقال من البحر إلى البر والعكس في الخلايا المنظمة، كما يتم تدريبهم على إطلاق صواريخ موجهة مضادة للدبابات من الساحل إلى البحر ضد السفن باتجاه قلب إسرائيل».

وتؤكد إسرائيل على أن كوماندوز حماس الذي يسعى لشن هجمات على البنية التحتية الاستراتيجية الإسرائيلية في البحر المتوسط، يمتلك مرافق تدريب ومستودعات ذخيرة ومعدات عسكرية على طول الساحل في قطاع غزة، الذي يعد بمثابة نفق طويل يربط بين غزة في الجنوب، وحتى رأس الناقورة على الحدود اللبنانية، كما تم استخدام مهارات كوماندوز البحرية التابعة لحماس للعمل في نظام الأنفاق المتفرعة تحت الأرض.

«كوماندوز حماس البحري».. هجمات في البحر ومن البحر

مساء الثالث من يونيو (حزيران) عام 2018، وعلى ذات وتيرة الاشتباكات العسكرية بين حركة حماس وإسرائيل، قصف سلاح الجو التابع للأخيرة، مجموعة من المواقع الميدانية والعسكرية المحسوبة على الحركة ردًا على قصف فصائل المقاومة لمناطق إسرائيلية من غزة.

بقيت الجولة القتالية السابقة من حيث استهدافها لمواقع عسكرية برية للحركة في إطار المعتاد، حتى أعلن الإسرائيليون بعد مُضي أسبوع أن تلك الجولة وللمرة الأولى، استهدفت نفقًا بحريًا استراتيجيًا لحماس، وكذلك مجمعًا عسكريًا تابعًا للقوة البحرية للحركة، وقد حددت تلك المواقع مسبقًا بفضل العمل الاستخباراتي المكثف الذي قامت به المخابرات البحرية والاستخبارات العسكرية في إسرائيل.

وقد أذهل هذا النفق الذي يقع على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من الحدود مع قطاع غزة، الإسرائيليين، لكونه امتد عشرات الأمتار تحت الماء داخل الحدود الإسرائيلية، وهي مسافة تُمكِّن عناصر الكوماندوز الفلسطينيين من الوصول من قاعدتهم على الشاطئ إلى البحر، لأهداف إسرائيلية تحت أو فوق الماء، وبرغم أن ثلاثة كيلومترات هي مسافة طويلة للسفر من قبل الضفادع البحرية لحماس، إلا أن: «القوات البحرية التابعة لحماس لديها معدات غطس مدنية جاهزة لمساعدتها في الوصول إلى الساحل الإسرائيلي، بما في ذلك أنظمة الدفع، المعروفة أحيانًا باسم الدراجات البخارية، وكذلك أنظمة التنفس المغلقة التي لا تطلق فقاعات لجعل الكشف أكثر صعوبة» بحسب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، المقدم جوناثان كونريكوس.

قبل اكتشاف النفق السابق وبعده كان الإسرائيليون قد قرورا منذ عملية «زيكيم» التي كشفت أن الكوماندوز تمتعوا بلياقة بدنية عالية وقدرات غوص تقلل إمكانية اكتشافهم، أن يضعوا قدرات حركة حماس البحرية تحت أعينهم بدرجة كبيرة وأن يوسعوا حملتهم السرية الكاملة في الساحة البحرية، لكونهم أيقنوا أن حماس التي رفعت لتوها أصبعها عن الزناد في عدوان عام 2014 ماضية بجد نحو إعادة بناء ترسانتها على كل المستويات وبالأخص على الجبهة البحرية.

وعليه، يوضح الخبير العسكري الإسرائيلي أمير بوخبوط، أن: «قادة الجيش ركزوا جهودهم على جمع المعلومات الاستخبارية في الأنفاق والصواريخ بحلول صيف 2016، ثم تم تعيين الجنرال إسحق ترجمان رئيسًا لقسم العمليات، وحدد كمية المعلومات التي جمعتها القوات البحرية والجهاز الأمني حول أنشطة حماس المتزايدة في المجال البحري، وبناء على ذلك، ساعد ودفع بشن هجمات بموافقة رئيس الأركان السابق جادي إيزنكوت، على البنية التحتية البحرية في قطاع غزة».

في ضوء ما سبق، جندت دولة الاحتلال طاقاتها لمنع أي هجمات في البحر ومن البحر، فكانت «سرية المراقبة اشدود» التي تضم مجندات مهامهن مراقبة الحدود البحرية مع قطاع غزة عبر الكاميرات ومصفوفات الرادار واحدة من أهم الوحدات التي تستخدمها إسرائيل لضمان إغلاق محكم على ساحل غزة، إذ يتولى عناصر السرية مهام تتعلق بمراقبة ورصد تحركات الصيادين الذين تحاصرهم إسرائيل دومًا بقرارات تحديد مساحة الصيد لهم.

وهذه الوحدة مسؤولة عن مياه البحر الممتدة من غزة حتى الشاطئ القريب من مدينة أم خالد الفلسطينية (نتانيا)، في حين أن بقية الساحل يخضع لمراقبة جنود من سرية المراقبة حيفا، و«تعمل السرية من مركزي تحكم ساحليين، تراقب من فوق مياه البحر، وبشكل متزايد، من تحتها أيضًا 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، بحثًا عن عمليات تسلل إلى داخل إسرائيل من البحر وعمليات تهريب وهجمات على ممرات الشحن وحقول الغاز» كما جاء في تقرير «إسرائيل أوف تايمز».

لم تكن تلك التحركات لِتوقف التخوفات الإسرائيلية التي رأي قياداتها، أن هناك حاجة ماسة لإيجاد عقبة كبيرة أمام طموح ضفادع حماس في البحر وتعقيد اختراقها للأهداف الإسرائيلية من البحر، وإفقادها القدرة الاستراتيجية الجديدة التي استثمرت فيها الحركة أموالًا كبيرة، ولذلك قررت إسرائيل بناء حاجز بحري من الصخور والخرسانة. يتكون هذا الحاجز من ثلاث طبقات: طبقة تحت البحر، والثانية مصنوعة من الصخور، والثالثة مصنوعة من الأسلاك الشائكة، ويمتد هذا الحاجر الذي بني قبالة ساحل زيكيم على الحدود الشمالية لغزة، ويصل ارتفاعه لأكثر من ستة أمتار وزود الحاجز أيضًا بأجهزة استشعار متطورة مهمتها رصد تحركات البحرية التابعة لحماس.

لكن.. لمن الغلبة في البحر؟

في ذلك الوقت الذي واجهت فيه إسرائيل تهديدات الدول العربية إثر احتلالها للأراضي الفلسطينية، عجلت القيادة الإسرائيلية إلى إنشاء وتطوير قوة بحرية يهودية في يناير (كانون الثاني) عام 1948.

وبرغم أن هذه الوحدة هي أصغر فرع في الجيش الإسرائيلي، إلا أنها بقيت طيلة السنوات الماضية ذات أهمية استراتيجية هائلة، فالبحرية الإسرائيلية التي تعمل في بحرين منفصلين، البحر الأبيض المتوسط ​​مع قواعد رئيسية في حيفا وأسدود وخليج العقبة، مع قاعدة في إيلات يخدم فيها ما يقرب من 10 آلاف رجل وامرأة، وعليهم تقع مهام حفظ الأمن الساحلي وحماية المياه الإسرائيلية من تسلل الأعداء ومنع تهريب الأسلحة.

ويُظهر تقرير مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية أن: «البحرية الإسرائيلية تملك سفنًا حربية قوية، أهمها ثلاث طرادات من فئة (Saar 5)، صنعتها الشركة الأمريكية (Northrop Grumman). مجهزة بصواريخ هاربون وغابرييل من البحر إلى البحر، وصواريخ (باراك 8) من البحر إلى الجو، وحظيرة مروحيات، وهي أكبر وأثقل السفن الموجودة تحت تصرف إسرائيل».

ويضيف التقرير: «في قلب القدرات البحرية لإسرائيل الغواصات من فئة (دولفين) المصنعة في ألمانيا، ويمكن للغواصات أن تحمل ما يصل إلى 16 صاروخًا أو طوربيدًا، نظرًا لأن دولفين يمكن أن تعمل في المياه الضحلة أيضًا، فهي مجهزة تمامًا لجمع المعلومات الاستخبارية في عمق المنظار من شواطئ العدو، وتوفير قاعدة عمليات أمامية مثالية للقوات الخاصة».

في نهاية المطاف، تستمر إسرائيل في تحديث أسطولها البحري، وتبذل جهدًا كبيرًا في محاولة إفشال جهود البحرية التابعة لحماس، لكن من الصعب عليها منع هجمات الكوماندوز الفلسطيني، لأنها لن تستطيع إغلاق المنطقة البحرية بالكامل، أو منع نجاح الغواصين المحترفين أو المعدات المتطورة التي تطورها البحرية في غزة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 8 شهور
دون رصاصة واحدة.. كيف طورت «حماس» حربًا سيبرانية مخيفة ضد إسرائيل

فعلى سبيل المثال يرى المراقبون أن هذا الجدار الذي بني عقبةً بحرية أمام حماس لن يحقق جملة الأهداف التي أقيم من أجلها، إذ من السهل أن تجد ضفادع حماس بدائل لمواجهة هذا الجدار، كأن تصل الى محطة الطاقة في عسقلان التي تقع على بعد أربعة كيلومترات شمال غزة من خلال طرق الغوص المتقدمة المتاحة لعناصر حماس، بمعنى آخر بإمكان عناصر حماس الذين يمتلكون روحًا قتالية جبارة زيادة المسافة التي يحتاجونها للغوص، إذ يمتلكون بالفعل معدات تتيح المضي لمسافات تحت الماء أطول.

والإسرائيليون وإن بالغوا في الحديث عن قوة حماس البحرية؛ فهم على علم بصعوبة تعرضهم للضربات التي تلقوها على ساحل البحر في السبعينات وأبرزها عملية إيلات، لكنهم على جانب آخر بحاجة إلى أفكار جديدة لمواجهة تهديدات الساحل الغزي الآن، إذ يمكن لعناصر حماس الذين قضوا سنوات في حفر الأنفاق الحدودية أن يصلوا خلال دقائق في قارب صيد أو بالغوص إلى خط أنابيب النفط في عسقلان (إيلات) ويمكنهم خلال دقيقة واحدة فقط الوصول إلى زيكيم في أي مواجهة قادمة.

المصادر

تحميل المزيد