نساء من السودان

استجابت الحكومة السودانية إلى ضغوطات تعرضت لها من الداخل والخارج لمواجهة تنامي المد الشيعي والنفوذ الإيراني على أراضيها، فاتخذت قرارًا بإغلاق أكثر من 26 مركزًا ومكتبة ومدرسة ورابطة أبرزها المركز الثقافي الإيراني في الخرطوم. وأرجع الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السودانية يوسف كردفاني أسباب هذا القرار لاكتشاف تجاوزات للملحقية الثقافية والمراكز في دورها الثقافي والدبلوماسي، كما أنه جاء استجابة لنداءات عدد من علماء الدين الإسلامي في البلاد، وتحذيرهم من إمكانية حدوث فتنة مذهبية.

هذه الحكومة لم تلق بالاً لصيحات التحذير التي تزامنت دائمًا مع نشاطات إيران لتشيع السودانيين، كما تقول المؤسسات الدينية السنية والجمعيات التابعة لأهل السنة بالسودان، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الشيعة شمال السودان وصل إلى 130 ألفًا عام 2013، ويضم هذا العدد فئات مثقفة إلى حد بعيد، كما وصل عدد الحسينيات الشيعية في البلاد إلى 15 حسينية، بالإضافة إلى سيطرة الشيعة على عدد من المساجد والزوايا بمختلف أنحاء السودان.

ويعتبر هذا المركز الثقافي الإيراني الذي افتتح عام 1988 بالخرطوم، الواجهة التي تتستر خلفها إيران للترويج للمذهب الشيعي في السودان، وقد نشطت المستشارية الثقافية في الفترة الماضية نشاطًا مكثفًا في إنشاء المكتبات العامة وتغذيتها بالكتب التي تساهم في نشر الأفكار الشيعية خاصة وسط الطلاب؛ مما أسهم في دخول أعداد كبيرة منهم في المذهب الشيعي.

أبعاد التشيع

مسلحون من جنوب السودان


يصنف التقارب بين الحكومة الإيرانية والحكومة السودانية كأبرز الأسباب للمد الشيعي في السودان، ويعود هذا التقارب إلى زمن سابق قامت فيه إيران بمحاولات عدة لبسط نفوذها في السودان، عن طريق توطيد العلاقات على أسس المصالح المشتركة.

وأتت هذه العلاقة ثمارها في السنوات الأخيرة مع التحولات السياسية الكبيرة في المنطقة العربية. ففي عام 2008م وقَّعت الدولتان اتفاقًا للتعاون الأمني والعسكري، وبعدها بعام واحد بدأت الزيارات المتبادلة بين أعضاء الحكومتين، ودانت الحكومة الإيرانية مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بشأن الرئيس عمر البشير، لترد الحكومة السودانية لها الجميل بتأييدها المشروع النووي الإيراني.

كما لا يغفل التعاون الاقتصادي في هذه العلاق ، حيث قامت إيران ببناء المصانع والتصنيع النفطي الذي ترعاه إيران، ويفرق تقرير أعدته “مفكرة الإسلام” بين أسباب ودوافع إيران والسودان من هذا التقارب، وتتمثل أهم أسباب السودان للتقارب مع إيران في معاناتها من التهميش العربي، وخاصة من دول الخليج التي لا تكترث لوضع السودان إضافة إلى فرض الانقسام السوداني الذي أدى إلى وجود دولة في الجنوب مدعومة من “إسرائيل”، وحليف له تحديات ومخاوف أمنية جديدة بالنسبة لحكومة الخرطوم. كما أن حاجة السودان إلى حليف قوي في المنطقة دفعها لتلك العلاقات.

وأما إيران فلها دوافع مذهبية واقتصادية وأطماع سياسية إقليمية نوجزها أيضًا، ومن أهمها تصدير الثورة الخمينية ونشر المذهب الشيعي، فعندما تستطيع إيران نشر المذهب الشيعي وتغليبه في السودان، فهي قد استطاعت بذلك فرط العقد السني في تلك المنطقة.

كما أن حصار ثورات الربيع العربي لسوريا حليف إيران الأول، دفع إيران لعمل تحالف مع قوى عربية بعيدة عن رياح الثورة، رغم أن هذا الحصار قد بات واهنًا اليوم بسبب فشل معظم هذه الثورات.

وتهدف إيران من هذا التقارب إلى تأمين وصول إيران إلى الممرات المائية، حيث يضمن لها نفوذها في السودان حرية الحركة في شرق أفريقيا للوصول إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم، والذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.

وسائل نشر التشيع

قبعة في السودان كتب عليها الحسين


تقول تقارير صحفية سودانية: “إن النشاط الشيعي في السودان يمضي في الخفاء بهمة، وشيعة السودان استقطبوا جماهير غير قليلة من أهل السنة في السودان بواسطة الأنشطة المتعددة”.

وجاءت هذه النتيجة بسبب كثرة وسائل التبشير بالتشيع التي مارسوها في السودان، ومن هذه الوسائل الندوات التي تقيمها المستشاريات من مناسبة إلى أخرى، وتنظيم المسابقات في مختلف مجالات الحياة في البلاد، وعبر المعاهد لتدريس اللغة الفارسية مجانًا، وتوزيع الكتاب والمطويات الشيعية بصورة واضحة على السكان مجانًا، خصوصًا في الأحياء النائية.

وقد أثار الجناح الشيعي بمعرض الخرطوم للكتاب جدلاً حول نشر المذهب الشيعي في البلاد، بإقامة ستة معارض إيرانية وأخرى لبنانية تابعة لحزب الله، تضم كتبًا تسيء لصحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فأعقبها إغلاق الجناح الشيعي من قبل الحكومة السودانية.

تطويق الأراضي السُنية

شخصيات إيرانية تزور السودان

يقول الكاتب د. عبد الله جمعة الحاج إن إيران لا تسعى إلى نشر التشيع في السودان من أجل عيون السودانيين، أو محبةً فيهم لضمهم إلى صفوفها، بل لأن لديها أجندات سياسية واستراتيجية محددة تسعى إلى تحقيقها على حساب سلامة المجتمع السوداني وبقاء صفوفه مرصوصة.

ويعدد الكاتب مطامع إيران من نشر التشيع في مقال له بعنوان “السودان والتشيع: وشهد شاهد من أهلها” فيقول أن لديها هدفًا استراتيجيًّا عميق الأبعاد، وهو تطويق الأراضي السُنية في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، وتحديدًا مصر، انطلاقًا من الأراضي السودانية بحزام شيعي. وثانيًا كما يقول الكاتب تريد إيران أن يكون السودان بوابتها الرئيسة للانتشار مذهبيًّا في الأعماق الأفريقية، وربما أن هذه مسألة لا يتم الإفصاح عنها علانية حاليًا لأسباب تتعلق بالإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية والتكتيكية، التي تدعم مثل هذا الانتشار.

ويؤكد الكاتب في بنده الثالث أن إيران تريد أن تكون لها قاعدة وموطئ قدم في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، حتى تستطيع من على أراضيها أن تقوم بتصدير الأسلحة وإرسالها إلى عملائها في شتى المناطق التي يتواجدون فيها في الجوار الجغرافي للسودان. وربما أن الغارة الجوية الإسرائيلية على أهداف محددة في الخرطوم قبل عدة أشهر بطائرات كانت «أضواؤها مطفية» يعزز من هذه الفكرة.

ضغط أهل السنة

الرئيس الإيراني السابق نجاد يعانق الرئيس السودان السابق البشير


رغم موقف الحكومة السودانية الأخير بإغلاق المركز الثقافي الإيراني، إلا أن البعض يراه موقفًا متأخرًا، وليس بالمستوى المطلوب، إذ تتهم الجهات السودانية المختصة بأنها تعلم بقيام إيران بنشر المعتقد الشيعي، ولم تُحرك ساكنًا للتصدي لما حدث في الفترة السابقة.

أهل السنة في السودان لهم مواقف عدة تنتقد الحكومة السودانية التي تقف صامتة إزاء تنامي المد الشيعي في السودان. لذا شكلوا ضغطًا كبيرًا على الحكومة السودانية. وقامت المؤسسات الدينية السنية والجمعيات التابعة لأهل السنة بدور مهم في مواجهة المد الشيعي من خلال تنظيم حملة موسعة لمواجهة انتشار المذهب الشيعي، حيث تنظم تظاهرات ضد زيارات القيادات الشيعية، وتعقد مؤتمرات وندوات للتوعية بخطر الشيعة.

وتقوم تلك المؤسسات بالحشد الإلكتروني لمواجهتهم، حيث تم تأسيس العديد من الصفحات المناهضة للشيعة على موقع “فيس بوك”، أبرزها صفحة بعنوان “معًا لمواجهة المد الشيعي في السودان”، وقد وصل عدد المشتركين بها إلى ما يقرب من 10 آلاف مشترك، بالإضافة إلى عدد من الصفحات الأخرى المناهضة للشيعة بعدد مشتركين أقل نسبيًّا.

هل تنجو السودان؟

نساء في السودان يعانين من قلة الماء


مما لا شك فيه أن تنامي المد الشيعي في السودان السني من شأنه أن يزيد من احتمالية نشوب صراع طائفي، بالإضافة إلى استغلال أطراف خارجية منها جنوب السودان ودولة الاحتلال الإسرائيلي هذا الصراع في تقويض دولة الشمال.

يقول المنسق العام لتيار الأمة الواحد محمد علي الجزولي أن انتماء السودان لمحيطه السني وارتباطاته مع الخليج العربي، سيخفف من أي تداعيات؛ لأن الدعم الإيراني للدول السنية والحركات السنية لا يعدو أن يكون ظاهرة صوتية، وعنتريات أكثر منها دعمًا حقيقيًّا. بينما حجم الاستثمارات الخليجية في السودان تجاوز 30 مليار دولار.

من جهته، يدعو الدكتور محمد العريفي الذي امتدح القرار السوداني الأخير الدول الإسلامية عامة، ودول الخليج وتركيا خاصة، للتعاون مع السودان اقتصاديًّا وثقافيًّا، ووصفها بأنها عُمق كبير للإسلام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد