ما أن هم خطيب صلاة الجمعة الماضية في أحد مساجد «أم الفحم»، بإسرائيل، بانتقاد نظام بشار الأسد، حتى عاجله مصلون بالوقوف أثناء الخطبة، والصراخ في وجهه، هؤلاء المصلون كانوا أنصارًا ـ عربًا ـ للحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح».

ويعد الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي يضم يهودًا وعربًا في إطاره الحزبي، مؤسسة تضم ما يعتبره البعض تناقضات، برزت بشكل كبير مع أحداث حلب الأخيرة، فالحزب الذي يضب بقايا ماركسيين ولينينيين، يجمع بين جدرانه عربًا يُؤيدون النظام السوري، لحد الطعن في شرف من اتخذ موقفًا إنسانيًا بالتضامن مع حلب، كما يضم يهودًا مؤيدين للأسد من جهة، وضد الصهيونية، والممارسات الإسرائيلية من جهة أخرى، ومبررهم في ذلك، الاعتقاد بوجود مؤامرة كونية ضد «سوريا الممانعة»، تقودها الإمبريالية والصهيونية العالمية.

انحياز شيوعي للأسد

«يتقدم الجيش العربي السوري في الأحياء الشرقية للمدينة (حلب) ويطهّرها من رجس الإرهابيين التكفيريين»، هذا ما جاء نصًا في جريدة «الاتحاد» الصادرة في حيفا، والتابعة لحزب راكاح، تحت افتتاحية معنونة بـ«من حلب إلى القدس.. البشائر السارة من سوريا».

ووصف سكرتير عام الحزب، «عادل عامر»، ما حدث في حلب بأنّه «نقطة تحوّل في صدّ الإرهاب التكفيري»، قائلًا: إنّ «توحيد مدينة حلب من براثن المنظمات الإرهابية، هو نقطة تحوّل مفصلية في صدّ قوى الإرهاب التكفيري في سوريا، وإفشال الهجمة الاستعمارية الرجعية على شعوب المنطقة«، معتبرًا أن المعركة في حلب قطعت الطريق بشكل نهائي على مخططات تقسيم سوريا، وأفشلت استراتيجية الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر، وعجزهم عن مواصلة الدفاع عن «المنظمات الإرهابية التي عاثت بالبلاد وبالمواطنين فسادًا وإرهابًا»، على حد تعبيره.

ولا يُعد غريبًا ذلك الموقف لحزب راكاح وأعضائه، الذي لم يتوان عن اتهام المعارضة السورية بأنها مُؤيّدة من قبل الحكومة الإسرائيلية، فهو يعتبر أن «إسرائيل تظهر ورعًا مزيفًا، وبأنها متعاطفة مع ما يسمى الصراع على الحرية في سوريا»، كما يرى أن ما يحدث في سوريا «ليست حربًا أهلية من أجل الحرية، إنما محاولة لإزاحة نظام قائم في حرب دولية تعبِّر عن اختلاف في المصالح بين الدول العظمى العالمية والإقليمية.«

ويؤكد الأكاديمي العربي في جامعة تل أبيب، «محمد عبد الرؤوف» على أن موقف الحزب الشيوعي الإسرائيلي «كان واضحًا بانحيازه للأسد وسلطته منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السورية، وهو موقف لم يتغير، حتى بعد ارتكاب المجازر العديدة في سوريا»، مُوضحًا أن «اليهود في راكاح كالعرب يؤيدون النظام السوري، وهم ضد الثوار؛ لأنهم يدعون أن الثورة السورية مدعومة من أمريكا».

وأضاف عبد الرؤوف في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن «إسرائيل التي تصنع السياسة الغربية، لا تخشى وجود الأسد؛ فهي على مدار أربعين عام آمنة»، كما قال، مُبيّنا أن الأسد قد يكون مُفضلًا بالنسبة إلى الإسرائيليين، مُدللًا على ذلك بما تقوله الصحافة الإسرائيلية صراحة بأن «الجبهة السورية بقيادة الأسد، كانت وستكون آمنة»، لذا فإنه يعتقد أنه ليس ثمّة تضارب في المواقف بين حزب راكاح، وبين القيادة الإسرائيلية، «كليهما مؤيد للأسد؛ الشيوعيين علنًا، والحكومة من وراء الأكمة»، على حد تعبيره.

التعصب للأسد وابتزاز المعارضين

وبعيدًا عن أرض حلب، كانت هناك معركة تدور عن حلب، لكن في حيفا، فجّرتها محادثة بين سكرتير حزب راكاح في حيفا، «رجا زعاترة»، وعضوة في الحزب، هي «نصال مهنا حداد».

إذ إنّ زعاترة، الذي كثيرًا ما كتب دفاعًا عن حقوق المرأة، توعد نصال، لمجرد اعتراضها على مواقفه المؤيدة لنظام الأسد وممارساته في حلب، ووصل الأمر به إلى سبها وقذفها بقوله: إن «تاريخها يُؤهلها لأن تكون قائدة ثورة جهاد النكاح».

السكرتير السابق لحزب راكاح بحيفا رجا زعاترة، قبل عزله

من جانبها، عقّبت نصال التي نشرت محادثة زعاترة معها، قائلةً «هكذا تكون أساليب الشاباك وأجهزة الأمن الإسرائيلية بالتهديد والوعيد، هنا قمة الانحطاط الأخلاقي تتجلى على لسان سكرتير فرع الحزب الشيوعي في حيفا».

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ توسعت الاتهامات ضد زعاترة، عندما كشفت مجموعة من النساء العربيات في إسرائيل، مواقف مشابهة منه ضدهن، وهو أمر دفع الحزب الشيوعي الإسرائيلي لإقصائه، وفقًا لما جاء في بيان الحزب «قررت هيئات الحزب والجبهة، إقصاء الرفيق رجا زعاترة من كل وظائفه الحزبية، وتحويل الموضوع للفحص أمام لجنة المراقبة الحزبية، وذلك في أعقاب التصرفات غير المسؤولة للرفيق رجا زعاترة في سياق نقاش سياسي».

اليهود «أكثر إنسانية»

يُعرف عضو الكنيست، اليهودي «دوف حنين»، بأن له مواقفه المغايرة تمامًا عن مواقف «الرفاق العرب» في حزبه راكاح؛ فـ«حنين» منحاز لـ«حرية الشعب السورية»، ويدين ممارسات النظام السوري. جعله هذا الموقف في مواجهة دائمة لأسئلة الإعلام الإسرائيلي، للرد على تأييد زملائه العرب في الحزب لنظام الأسد.

هذا الأمر، دفع العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية، إلى اعتبار أن الموقف اليهودي «أكثر إنسانية» من الموقف العربي، فيما يخص القضية السورية، وهو أمر أقرب إلى الصواب، إذا ما كان النظر في حالة حزب راكاح، الذي اتخذ أعضاءه اليهود موقفًا مُختلفًا للأعضاء العرب فيما يخص تأييد بشار الأسد في سوريا.

يُوضح ذلك الباحث في تاريخ الحركات الشيوعية في فلسطين، «نبيل دوحا»، قائلًا: إنّه «بعد معركة حلب، زاد الشرخ بين الرفاق اليهود والعرب، ووصل إلى مستوى القواعد الحزبية، وقاد رفاق يهود وناشطين في اليسار الراديكالي الإسرائيلي وفي اليسار الصهيوني، حملة ضد موقف الرفاق العرب وقيادتهم، فقاموا بترجمة ما يكتب حول القضية السورية من قبل الرفاق العرب وقيادة الحزب العرب، إلى العبرية وتداولوه عبر صفحات فيسبوك».

محور الخلاف بين الطرفين، كما يراه دوحا، حول دور الشيوعيين، واليسار عامة، ففي حين يعتبر الشيوعيون اليهود، أن حرية الشعوب والديمقراطية ومجابهة «الأنظمة القمعية»، هي أولويات اليسار، يرى الشيوعيون العرب، أن الأولوية لمجابهة «المشاريع الإمبريالية الغربية في المنطقة»، وفقًا لدوحا.

وأضاف دوحا لـ«ساسة بوست»، أن الشيوعيون العرب، ومن هذا المنطلق، يعتبرون أن نظام بشار الأسد نظام «ممانع»، بمعنى وقوفه في وجه ما يسمونه بالإمبريالية الغربية. «ولا يُقرون بالوضع المتردي للشعب السوري تحت حكم بشار ووالده، بل يُعددون إنجازات هذا النظام، بتوفير الغذاء والتعليم، وفوق ذلك جميعًا بالنسبة إليهم، كرامته في مواجهة المؤامرات الغربية«، يقول نبيل دوحا.

ضد الممارسات الصهيونية وتأييدًا للممارسات الأسد

جاء في البند الثالث من المبادئ المعلنة لحزب راكاح، أن «الحزب الشيوعي الإسرائيلي هو حزب ماركسي لينيني، مبني على أفكار الاشتراكية الثورية، ويطبقها ويطورها بشكل خلاق وفقًا لمرحلتنا وللظروف الخاصة بإسرائيل، وفي أبحاثه ونشاطه يستعين الحزب بالتراث التقدمي للشعبين وينفتح على كل الأفكار التقدمية في التراث الإنساني«، أما في البند الخامس فجاء أن الحزب هو «حزب النضال الطبقي، حزب الطبقة العاملة وكل الشرائح المستغلة. حزب الأممية والوطنية الحقيقيتين، حزب يهودي عربي يكافح من أجل قضايا إسرائيل الحقيقية لمصلحة كل مواطنيها، ويعبّر عن مصالح الشعبين».

وتمحور النشاط المناهض للصهيونية عقب إقامة إسرائيل عام 1984 في أوساط المجتمع اليهودي، حول حزب راكاح، سليل الحزب الشيوعي الفلسطيني، القائم على أساس مناهضة الصهيونية.

يُعبّر عن ذلك، أحمد مفكري الحزب، وهو «وولف إيرليخ»، قائلًا: إن «نشاط الصهيونية يشكل جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية العالمية للإمبريالية، وبموجب منظوره، قد تكون للصهيونية مصالحها الخاصة والمنفصلة عن المشروع الإمبريالي، لكنها غير قادرة على تحقيق مشروعها، إلا في إطار وفي سياق المشروع الإمبريالي في المنطقة، وكجزء منه».

ويرى إيرليخ أن الصهيونية استطاعت الاستيلاء تاريخيًا، بشكل نهائي، على حق تقرير المصير للشعب اليهودي في فلسطين، وأنها عملت على فرض تماهٍ بين الصهيونية وبين هذا الحق، كما استولت أيضًا على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، «مستميةً في مصادرته نهائيًا»، على حد تعبيره، مُؤكدًا على أنّ تحرير حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، هو الأساس لتحرير حق المصير للشعب اليهودي نفسه من المصادرة الصهيونية، حسبما قال.

وعليه يرى إيرليخ أن الحزب الشيوعي، هو من يقف وفقًا لهذا المنهج، في وجه الصهيونية، مدللًا على ذلك، بتحريض ما أسماها بـ«بالقيادة الصهيونية» ضد الحزب الشيوعي.

يتضح من ذلك الموقف الواضح للحزب الشيوعي الإسرائيلي، من الصهيونية، لكن هناك ما قد يراه البعض تناقضًا بين هذا الموقف، وبين مواقف أُخرى للحزب، انطلاقًا من نفس المبدأ، وهو ما يُوضحه الكاتب «مهدي عامل»، في كتابه «نقد الفكر اليومي»، قائلًا «أن تكون مواقفك السياسية مشبعة بالرفض والاستنكار والشجب للاحتلال الصهيوني أمرًا، وأن تمارس الفعل الثوري من على أرضية التناقض الطبقي والسياسي مع السلطة، أمرًا مختلفًا تمام الاختلاف، تلك الأرضية التي ينفى فيها النقيضان أحدهما الآخر».

ربما ذلك التناقض كما يُوصف، داخل أجندة الحزب، هي ما تدفع أغلبية أعضائه، وبخاصة قيادته، إلى تبني موقفًا مُعاديًا في الثورة السورية، مُؤيدًا للنظام السوري في الحرب الجارية هناك، في حين رفضه للصهيونية، انطلاقًا من مبدأ تحرير تقرير المصير!

محطات تأسيس «راكاح»

خلال عشرينات القرن الماضي، تأسس الحزب من الشيوعيين اليهود في الأراضي الفلسطينية، قبل أن يتحد اليهود الذين تنظموا في الحزب تحت اسم «ماكي»، مع أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني مع الثلاثينات، بعد التوجهات السوفيتية بقيادة ستالين إلى تعريب الحزب، ففرض «رضوان الحلو»، كأوّل أمين عام عربي للحزب.

دعوة من الحزب للاحتفال باستقلال إسرائيل عام 1950

ثُمّ في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، وعلى إثر تأييد الاتحاد السوفييتي لقرار تقسيم فلسطين، وإقامة إسرائيل، حدث أوّل انشقاق بين الشيوعيين العرب، ما بين مؤيد للتقسيم، وما بين معارض، ترك بسببه كثيرٌ من الشيوعيين الفلسطينيين الحزب، منضمين للمقاومة الفلسطينية، بخاصة مع بدايات عام 1948.

في المقابل، ووفقًا للباحث «نبيل دوحا»، تشكّلت مجموعة من الشيوعيين العرب، الموالين بشكل كامل للاتحاد السوفييتي، ومعظمهم من مناطق الشمال، بخاصة حيفا والناصرة وقرى الجليل، وتزعّمهم «توفيق طوبي» و«إميل حبيبي».

واكتسب الحزب قوّته في الوسط العربي، ابتداءً من منتصف الخمسينيات، قبل أن تجتاحه العديد من الأزمات، من بين أهمها المواقف المؤيدة أو المعارضة للرئيس المصري الراحل «جمال عبد الناصر»، وقد بلغت الأزمات وقتها درجة الانشقاق في صفوف الحزب عام 1965؛ ليعلن عن تأسيس القائمة الشيوعية الجديدة (راكاح)، وتتمكن في منتصف السبعينات من تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، كإطار عام يضم عدة قوى عربية ويهودية متحالفة؛ لخوض الانتخابات المحلية والبرلمانية في إسرائيل.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!