وافق مجلس الوزراء المصري، الخميس الماضي، على مسودة مشروع قانون الجمعيات الأهلية، ليحال إلى مجلس النواب، وذلك بعد إحالته من قبل مجلس الوزراء بداية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي إلى مجلس الدولة لمراجعته، لتسير المسودة التي أعدتها الحكومة إلى المحطة الأخيرة قبل الإقرار، وهي محطة البرلمان المصري.

يأتي هذا القانون ليحل محل القانون رقم 84 لسنة 2002، والذي ينظم عمل الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، بداية من إشهارها وحتى مراجعة عملها والتفاصيل المالية الخاصة بعملها، وهو القانون الذي كافح عددٌ كبير من منظمات المجتمع المدني والجمعيات لتغييره، خاصة بعد الثورة.

فمنذ العام 2011، أُطلقت العديد من المسودات لمشاريع قوانين تحل محل القانون 84 لسنة 2002 الذي يحمل الكثير من العيوب من وجهة نظر حقوقيين، أهمها احتياج تصريح وزارة التضامن بدلًا من الإخطار لإشهار المؤسسات، إلا أن حقوقيين يرون أن المسودة الجديدة التي وصلت بالفعل إلى البرلمان المصري تعود بالمجتمع المدني والعمل الأهلي إلى محطة ربما أسوأ من القانون 84 لسنة 2002، مشيرين إلى فترة الستينيات.

وبحسب صحيفة «فيتو» المصرية، فإن الاتحاد العام للجمعيات الأهلية يقوم باتصالات مع النواب منذ إحالة القانون لمجلس الدولة في بداية سبتمبر (أيلول) الماضي للاتفاق حول المشروع الجديد، والتنسيق بشأن إدخال بعض التعديلات على القانون.

تطور قوانين العمل الأهلي في مصر

أول القوانين التي أصدرت بشأن العمل الأهلي في مصر كان في أربعينيات القرن الماضي (القانون رقم49 لعام 1945)، والذي قضى بتسجيل الجمعيات وجعلها تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية وأنظمتها الإدارية وتشجيعها على المضي في جهودها الاجتماعية.

وبعد قيام ثورة23 يوليو (تموز)1952 صدر القانون رقم (384 لسنة 1956)، بهدف تنسيق الخدمات الاجتماعية، وقد نص على إنشاء الاتحادات الإقليمية للقيام بتنظيم العمل مع الجمعيات، وتنسيق خدماتها مع بعضها البعض.

وبعد ذلك صدر قانون الجمعيات الأهلية رقم32 لسنة1964 ، الذي استمر العمل به فترة طويلة حتى صدور القانون رقم153 لسنة 1999 ، وفي عام2002 صدر القانون84 لسنة 2002، وهو القانون الحاكم حاليًا لعمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مصر، حتى صدور القانون الجديد.

maxresdefaultوبحسب دراسة للمركز المصري لدراسات السياسات العامة للقانون الحالي، فإنه يقيّد العمل الأهلي في مصر بسبب الصلاحيات الواسعة والتقديرية التي يعطيها لوزارة التضامن الاجتماعي وجهات في الدولة، للتحكم في منظمات المجتمع المدني بأنواعها.

هذا بالإضافة إلى صعوبة إجراءات التأسيس، وترسيخ تحكّم الجهات الإدارية عن طريق القبول أو الرفض لتأسيس المؤسسة دون وجود قواعد محددة وواضحة، كما يعطيها الحق في إيقاف أنشطة الجمعيات والتدخل في إدارتها داخليًا دون وجود نصوص تحدد قواعد لهذا الحق أو تنظمه.

هذه الصلاحيات الفضفاضة في القانون الحالي جعلت من عملية إشهار المؤسسات أمرًا صعبًا ويحتاج إلى وقت طويل، وفي بعض الحالات تلجأ المؤسسات إلى المحاكم اعتراضًا على قرارات الوزارة بخصوص رفض قيد المؤسسة.

واحد من هذه الأمثلة التي ذكرتها الدراسة كان دار الخدمات النقابية والعمالية، إذ قامت الدار بأكثر من محاولة للقيد في وزارة الشؤون الاجتماعية كان آخرها في 2007 حيث تقدمت بجميع الأوراق المطلوبة والمنصوص عليها في القانون من أجل الإشهار.

ومع ذلك استمرت المفاوضات مع الوزارة في ذلك الوقت أكثر من شهرين، بين رفض قبول الأوراق والقول بأنها غير مكتملة، ثم بعد ذلك تم قبولها، وفي 14 أغسطس (آب) 2007 تم إخطار وكيل جماعة المؤسسين بقرار مسبب من الوزارة برفض طلب القيد.

وهو ما جعل الدار تلجأ إلى القضاء، الذي أصدر حكمه في 30 مارس (آذار) 2008 بوقف تنفيذ قرار الوزارة وما ترتب عليه، وتم إشهار الجمعية.

هذا المثال ينسحب على المنظمة التي يديرها المحامي الحقوقي حافظ أبو سعدة، والذي تحدث لـ«ساسة بوست» عن أنهم بدؤوا إجراءات إشهار المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في العام 1985، ولم يحصلوا على الإشهار سوى في العام 2003.

هذه نقطة من عدّة نقاط لم يتلافَها القانون الجديد، بحسب أبو سعدة، مسميًا إياها بالنقاط الجوهرية التي يمكنها تسهيل عمل منظمات المجتمع المدني في مصر.

محاولات الخروج بقانون مُرْضٍ

وفي بيان وقعت عليه29 منظمة مصرية من منظمات المجتمع المدني في يوليو (تموز) 4201، ذكر البيان أن القانون حال إقراره سيتسبب في تجريم عمل المنظمات الموقعة وجعلها خاضعة لسيطرة الحكومة والمؤسسة الأمنية ويكمل غلق المجال العام في البلاد، على حد ذكر البيان.

يذكر البيان، والذي يتضمن عددًا من المنظمات الموقعة عليه، محاولات المجتمع المدني الخروج بمسودة قانون بالتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي، يوافق المعايير الدولية، دون جدوى تذكر، يقول البيان: «المنظمات قدمت العديد من المقترحات بما في ذلك مشروع قانون بديل للقانون الحالي 84 لسنة 2002، فضلًا عن تقديمها مقترحات قانونية وتحليلات لعدد من مسودات القوانين التي طرحت بعد 25 يناير2011 ».

Untitledذكر البيان أنه فضلًا عن عمل هذه المنظمات على مسودة قانون مع وزير التضامن الأسبق أحمد البرعي، فإن بعضًا منها قد تلقى دعوة من الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية تحت رعاية وزيرة التضامن الاجتماعي في يونيو (حزيران) 2014 لحضور حوار مجتمعي حول مشروع قانون الجمعيات الأهلية.

يذكر البيان أن المشروع الذي تم العمل عليه من قبلهم لم يكن في نية الحكومة إصداره، بل كان لتحسين صورة مصر أمام المجتمع الدولي، وهو ما يدلل عليه البيان بقيام الوزير الأسبق أحمد البرعي بإطلاع المفوضية السامية لحقوق الإنسان، كدليل على نية الحكومة المشكّلة بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي للتحول الديمقراطي.

الرقابة والتمويل والتأسيس أبرز الملاحظات على القانون الجديد

بحسب المحامي الحقوقي ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، حافظ أبو سعدة؛ فإن القانون الجديد يلتف على مبدأ الإخطار في إنشاء الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني المنصوص عليه صراحة في الدستور المصري، دون إعطاء مشروع القانون الجديد الحق للجمعيات في التسجيل عن طريق الإشهار.

يقول سعدة في حديثه لـ«ساسة بوست»: «المشروع يقيم المصطلح كشكل من أشكال التسجيل، لكنه في النهاية وضع مجموعة من الشروط، واعتبر موافقة الموظف أساسية لجعل الإخطار صالحًا أو غير صالح للتسجيل، وهو ما يعيدنا إلى الترخيص».

يضيف أبو سعدة: «مشروع القانون يعطي موظف الشئون الاجتماعية الحق في دخول الجمعية والتفتيش في أوراقها والتدخل في إدارتها»، يرى سعدة أن هذه التصرفات غالبًا ما يكون الأمن وراءها، وهو ما يمثل تدخلًا في شؤون الجمعيات والمنظمات الأهلية.

hfz-bw-sd-ryys-lmnzm-lmsry-lhqwq-lnsnوأشار أبو سعدة إلى نقاط اعتراضه حول ارتباط الموافقة على التمويل الخاص بالجمعيات بموافقة ما أسماه مشروع القانون باللجنة التنسيقية على التمويل، وهي اللجنة التي وصفها أبو سعدة بأنها إعاقة أمام حصول الجمعيات على أموال الجهات المانحة.

يقول سعدة اللجنة ستكون مكونة من خمس وزارات هم: وزارة التضامن، والخارجية، والتعاون الدولي، والداخلية، والعدل، وثلاث جهات هي: هيئة الأمن القومي، والمخابرات العامة سابقًا، والبنك المركزي، ومجلس الدولة، متسائلًا عن الكيفية التي ستجتمع بها كل هذه الهيئات، ودورية اجتماعاتها، وآلية اتخاذها القرارات.

يضيف أبو سعدة أن هناك عددًا من الجهات غير مفهومة علاقتها بمثل هذه اللجنة، يقول أبو سعدة: «ما علاقة وزارة العدل والبنك المركزي بتمويل الجمعيات الأهلية؟ هناك علامات استفهام كثيرة حول هذه اللجنة، وحول مدى جدية تحرير العمل الأهلي في مصر».

ويعلّق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان على تجاهل الدولة متمثلة في الحكومة لملاحظات المجلس وملاحظات جهات حقوقية مثل منظمة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، على مشروع القانون وعدم الأخذ بها، أن تمرير القانون بهذه الصيغة يتناسب مع السياق العام الذي يعبر عن اتجاه الدولة للتشديد على منظمات المجتمع المدني.

يقول أبو سعدة: «هناك حملات إعلامية من أطراف حكومية تشوه منظمات المجتمع المدني وتتهمه اتهامات خطيرة، ولا أعتقد أن مناقشات البرلمان ستكون في صالح تحرير العمل الأهلي، بالعكس، هذا كله يعبّر عن اتجاه الدولة في التعامل مع العمل الأهلي في مصر».

وعن الخطوات المتاحة لمناهضة القانون يقول أبو سعدة: «لا نملك سوى الطعن أمام المحاكم الدستورية وتسجيل رفضنا لهذا القانون، هذه هي أدواتنا ضد كل القوانين المقيدة للعمل الأهلي في مصر، سواء قانون 64 أو قانون99 أو قانون 2002».

يضيف أبو سعدة: «هذا المشروع يخالف الدستور المصري ويخالف الاتفاقات الدولية، والتوصيات التي قبلتها مصر أمام الأمم المتحدة في العام 2014، والتي من بينها ما يتعلق بالتشريعات المطلوب تعديلها فيما يتعلق بقانون الجمعيات الأهلية، والذي تعهدت الحكومة بتعديله بما يتفق مع معايير حقوق الإنسان وتعزيز حرية العمل الأهلي»، موضحًا أن هناك الكثير من الأوراق التي يحملها المجتمع المدني في يده لرفض هذا القانون.

a3d40133e64321b51b7670bda2447783يعترض المحامي الحقوقي ومدير مكتب الشكاوى بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، ناصر أمين، في حديثه لـ«ساسة بوست» على عدم عرض النسخة النهائية، وهي التي في طريقها للبرلمان للمناقشة؛ للحوار المجتمعي مع منظمات المجتمع المدني المعنية، وهو ما وصفه بالأمر المعتاد من الحكومة المصرية.

يضيف أمين: «النسخة الأولية أخلت بأحكام الدستور فيما يتعلق بتأسيس الجمعيات الأهلية بالإخطار وأرجعته مرة أخرى لنظام الإذن، بالإضافة إلى نصوص القانون الداعمة لتدخل الوزارة في شؤون الجمعيات».

يقول أمين إن الحوار حول مشروع القانون اقتصر على دعوة محدودة لبعض الجمعيات التي تعمل تبعًا للاتحاد العام للجمعيات، وهو الاتحاد الذي يتضمن الجمعيات العاملة في مجال التنمية لا المجال الحقوقي.

يتوقع أمين أن يكون القانون الجديد أسوأ من قانون الجمعيات الأهلية الذي وضع في الستينيات (القانون 32 لسنة 1964)، يقول أمين: «هذا القانون كان يميزه سيطرة الدولة على منظمات المجتمع الأهلي ضمن أهدافها»، موضحًا أن هذا القانون حتى وإن صدر من البرلمان المصري ففي الغالب سيتم الطعن عليه لمخالفته الدستور المصري.

ويرى نجاد البرعي، المحامي الحقوقي، أن أضرار القانون الواقعة على المجتمع الحقوقي قد تكون ضئيلة مقارنة بالأضرار الواقعة على الجمعيات الأهلية من هذا القانون، يقول البرعي: «المنظمات الحقوقية لا تشكل الأغلبية المطبق عليها هذا القانون».

353يقول البرعي إن المشكلة الرئيسية في هذا القانون أنه يعود إلى ما أسماه «روح التشريع» في القانون 23 لسنة 1964: «القانون يجعل المجتمع المدني وفقًا لإطار خطة الدولة واحتياجات المجتمع وفقًا لما تراه الدولة، وهو أخطر ما في القانون».

المشكلة الثانية في القانون، بحسب البرعي، هي المادة التي تنص على أن تأخذ الحكومة المصرية نسبة من التمويل الذي تحصل عليه الجمعيات لصالح صندوق «دعم الجمعيات الأهلية» الذي ترأسه الوزيرة وتشكله الوزيرة، وهو ما اعتبره البرعي استيلاءً على أموال المانحين لصالح الدولة: «الدولة لا تعتبر المجتمع المدني جزءًا من الدولة فقط لكنها تعتبره أيضًا ممولًا لوزارة التضامن الاجتماعي».

يقول البرعي إنه لا توجد تحركات يمكن القيام بها من قبل المجتمع المدني ضد هذا المشروع: «البرلمان يقيّد حتى حرية أعضائه في التعبير»، مشيرًا إلى أن الحكومة المصرية ترى أنها تعمل في الطريق الصحيح.

الدكتور طلعت عبد القوي، رئيس اتحاد الجمعيات الأهلية؛ وهي الجهة التي تجمع الكيانات والمؤسسات العاملة في العمل الأهلي، خاصة في مجال التنمية، وهي إحدى الجهات التي قامت على إعداد مسودات لمشروع قانون الجمعيات الأهلية، يقول إن مشروع الحكومة يتفق بنسبة 70% مع المسودة التي قام الاتحاد بالعمل عليها مع عدد من الجمعيات.

ويضيف عبد القوى أنه ينتظر مناقشة البرلمان للقانون، موضحًا أن النسخة التي أعدها الاتحاد ألغت الإشهار بالتصريح، كما أنه لا يرفض اللجنة التنسيقية لكنه يحدد مدة لموافقتها على التمويل وهي 60 يومًا: «عدم الرد يعتبر موافقة ضمنية، هذه الآلية بدلًا من كون الموافقة في يد الوزارة وحدها، كما طالبنا وجود ممثل للمجتمع الأهلي في اللجنة، حتى لا يكون التحكم في هذه الجهة من جانب واحد».

عرض التعليقات
تحميل المزيد