إذا كنت متابعًا جيدًا للمسلسلات التاريخية، أو قد شاهدت مسلسل «لعبة العروش»، ربما تتذكر الأوقات التي كان يتحد فيها عدوَّان لمجرد أنهما اكتشفا أن لهما عدوًّا مشتركًا، المصلحة المشتركة لتدمير هذا العدو تنجح دائمًا في أن تنحي خلاف الطرفين جانبًا، ليتحدا بغرض تدمير هذا العدو المشترك، وهذا الاتحاد قد يستمر أحيانًا بعد تدمير العدو، خاصةً لو أن هذا التعاون قد تخلله تعاون اقتصادي أو زواج ملكي كما كان يحدث في العصور الوسطى.

ولكن أهمية العدو المشترك بين البلدين أو بين الشعب والسلطة، لا تتوقف على المسلسلات التاريخية والعصور القديمة، فتلك القوة أو الفزاعة أو السلاح ما زال له تأثير حتى يومنا هذا. مفهوم العدو المشترك قادر على إذابة كثير من الخلافات بين أي طرفين، وهذا الأمر لا يتوقف على المشهد الكبير فقط، بل إن هذا العدو المشترك قادر على أن يكون أداة للصلح بين حبيبين أو صديقين، وفي هذا التقرير نحاول أن نوضح من وجهة نظر نفسيَّة تمامًا؛ لماذا ينجح دائمًا العدو المشترك في توحيد الجهات التي كانت تتناحر؟

العدو المشترك.. للإجابة عن سؤال «لماذا تحدث الأشياء السيئة؟»

عندما تقع الحوادث غير المفهومة في أي بلد، وتعم الفوضى فيها، ويصيب المواطنين حالةٌ من عدم اليقين عن سبب حدوث الأشياء السيئة لهم، تولد داخلهم حاجة ملحة لظهور عدو يكون هو السبب في هذه الفوضى، وإذا لم يجد الشعب عدوًّا غير السلطة، سيصب غضبه كاملًا عليها، وهنا تأتي حاجة السلطة لإبراز العدو المشترك – في حالة وجوده بالفعل – أو خلقه من العدم إذا كانت السلطة هي المتسبب في تلك الأشياء السيئة بالفعل.

في دراسة اجتماعية نُشرت عام 2017، كان هدفها دراسة تأثير وجود «عدو الدولة» في شعور المجتمع بأن «الأمور تحت السيطرة»، وأنه ليس هناك فوضى تتسبب في الحوادث التي تصيبهم بعدم اليقين في قدرة السلطة على الحكم، وجدت تلك الدراسة الأمريكية أن المجموعة المشاركة في الدراسة، والتي عرض عليها مقاطع تصف الحكومة الأمريكية بأنها فوضوية وغير منظمة؛ كان لديها قابلية أكثر تصديقًا لوجود عدو مشترك بين الشعب الأمريكي والسلطة هناك.

 لأنه حينما عرض على المجموعة نفسها معلومات عن عدو قوي مثل تنظيم «القاعدة» والجهود التي تصرح الإدارة الأمريكية أنها تبذلها للسيطرة على هذا العدو؛ كانت تلك المجموعة الأكثر قابلية لتصديق أن القاعدة هي العدو المشترك بينهم وبينهم السلطة.

وهذا لأن وجود عدو مشترك ملموس وله اسم وكيان عالمي يمكن محاربته، منحهم إحساس بالسيطرة على الموقف، بدلًا من الشعور بأن الأشياء السيئة تحدث بلا سبب، فوجود العدو المشترك – وفقًا للدراسة – عزَّز بداخلهم إحساس السيطرة على الموقف، والتي هي مستمدة من ثقتهم في قدرات الإدارة الأمريكية على السيطرة على الموقف وليس قدراتهم هم، وبذلك يصبح هذا العدو المشترك «القاعدة» هو أداة توحد السلطة والشعب في جبهة واحدة.

«العدو المشترك» يكون له دور كبير أًيضًا في توحيد صفوف المواطنين داخل المجتمع الواحد رغم اختلاف توجهاتهم السياسية أو العرقية أو الدينية، وفي استطلاع رأي أمريكي نُشر بعد حادثة تفجير برجي التجارة، وضح العديد من المواطنين الأمريكيين المشاركين في الاستطلاع أنهم شعروا بمشاعر قوية من الوحدة الوطنية، وأكدوا ضرورة تجاهل الانقسامات الحزبية «ضد العدو المشترك».

«الكراهية» أداةً لتوحيد السلطة والشعب

قالت السياسية الأمريكية كونداليزا رايس من قبل: نحتاج إلى عدو مشترك ليوحد صفوفنا، وعلى مر التاريخ القديم والحديث، كانت السياسية هي المصنع الذي يعمل على إنتاج العدو المشترك بين الشعب والسلطة بغرض توطيد العلاقات بين الطرفين، وهو ما وصفه المفكر والسياسي الألماني كارل شميت بأن للعدو دورًا اجتماعيًّا وسياسيًّا في المجتمعات المعاصرة، ويعمل مهدئًا للقلق الاجتماعي تجاه الأوضاع السياسية غير المستقرة، وبذلك تكون مخرجًا فعالًا للسلطة التي تواجه المشكلات على الصعيد الداخلي. 

على الصعيد النفسي – وهو ما يهمنا في هذا التقرير – لماذا تحتاج السلطة والشعب عدوًا مشتركًا لتوحيد صفهما؟

تحت عنوان «الترابط من خلال مشاركة المواقف السلبية عن الآخرين» ناقشت الدراسة النفسية – التي نشرت عام 2006، قدرة الكراهية على توحيد صفوف البشر حتى لو كانوا أعداءً في الأصل، وهذا لأن مشاركتهم كراهية شيء ثالث أو شخص ثالث أو فكرة ثالثة، تكون لها قدرة أكثر فعالية من اجتماعهم على حب طرف ثالث، وأكد القائمون على تلك الدراسة أن الكره المشترك، أقوى وأكثر فعالية من الولع المشترك. ولكن لماذا؟

ما وجدته تلك الدراسة النفسية أن الاجتماع على كره «عدو مشترك» يعزز فكرة الجماعة، وهي الفكرة التي ناقشناها في بداية التقرير، والتي يجنح لها الإنسان منذ الأزل، ومجرد أن يجتمع الاثنان على كره عدو مشترك، يصبح الاثنان – السلطة والشعب – أي «نحن» جماعة واحدة، وتجنح كل جماعة بأن تكون هي الأفضل، وكلما تشارك أطراف هذا المجتمع سلبيات العدو المشترك؛ عزز هذا بداخلهم احترامهم للذات، والشعور بالتميز، بجانب الشعور بالأمان بأن الخطر لا يأتيهم من الداخل، بل طرف ثالث خارجي وهو «عدو الدولة».

في مقال له على موقع «فوربس» يؤكد الخبير الاقتصادي آفي سافار أنه على مدار 20 عامًا من عمله مع أكثر من فريق عمل في شركات مختلفة، تأكد أن أكثر الطرق فعالية لدفع إنتاجية فريق العمل، هو التركيز على العدو المشترك، مؤكدًا أن العدو المشترك لا يكون بالضرورة إنسانًا أو جماعة، فمن الممكن أن يكون فكرة، على سبيل المثال «محاربة الفقر»، وعندما تُخرج العدو المشترك من الصورة – يوضح سافار- فإن أي فريق عمل يفقد المحفز الأكثر فعالية للنجاح.

«العدو مرآة لنقاط ضعفنا»

«إمشي عِدل يحتار عدوك فيك» هو مثل مصري شهير يخبرك بصراحة أنه إذا كان لك عدو فيجب أن تراقب تصرفاتك، وأن تكون حذرًا حتى لا يجد هذا العدو ثغرةً أو نقطة ضعف يدمرك بها، وهذا المثل لا يعد بعيدًا عن السياسة، ففي مقال له بعنوان «مميزات وجود عدو» يوضح أستاذ السياسة الأمريكي جاكوب جريجل أن العدو يعد «مرآة لنقاط ضعفنا»، وأنه في حالة وجود منافس يراقبنا بلا هوادة، ويسعى لإلحاق الضرر بنا من خلال أخطائنا؛ يكون حافزًا فعالًا للتحسين والتطوير من النفس، وهذا لأننا نشعر بالخجل من أعدائنا أكثر من أصدقائنا، ومرةً أخرى تأتي المقولة المصرية المعروفة «ماتكسفناش أُدام الأجانب» والتي تستخدم فزاعةً لأي شخص يتصرف بعدم لياقة أمام الغرباء.

الفكرة نفسها تستخدمها بعض السلطات عندما تتحدث عن مظهر البلد الخارجي أمام باقي الدول، خاصةً الأعداء منهم، في حالة وقوع احتجاجات معارضة للسلطة أو هجوم إلكتروني من السوشيال ميديا من المواطنين ضد الدولة، أو فيلم سينمائي معارض لسياسات النظام، فتستخدم السلطة ورقة العدو المشترك وفكرة «مظهرنا» أمامه إذا انتقدنا «أنفسنا»، وبهذا تتحول نحن «الشعب» وهم «السلطة» إلى نحن فقط تجمع السلطة والشعب تحت مظلة واحدة تحميهم من العدو المشترك.

وما يؤكده جريجل أن هذا العدو لا يتخذ بالضرورة موقفًا عدائيًّا تجاه البلد ليكون مناسبًا ليتحول لفزاعة تلوِّح بها السلطة في وجه الشعب، وإنما وجوده وحده كافٍ ليكون فعالًا في توحيد صف الدولة والشعب ضده.

«معًا ضد»

«معًا ضد»، هذا الشعار أصبح مستخدمًا بكثرة في أنحاء العالم مثالًا واضحًا لنظرية العدو المشترك ومدى تأثيرها في توحيد صفوف جماعات تعاني من اختلافات أو صراعات، وفي دراسة سياسية اجتماعية نُشرت عام 2019 وكان هدفها رصد تأثير العدو المشترك في توحيد صفوف داخل الجماعات؛ وجدت تلك الدراسة أن استخدام هذا الشعار، والترويج له وما يعكسه من ضرورة وجود عدو مشترك نضعه بعد كلمة «ضد»؛ له تأثير فعال وكبير في التوحيد؛ توحيد الصفوف والجماعات داخل الجماعة الواحدة، ضد هذا العدو الخارجي.

العدو المشترك له وجود أيضًا في العلاقات العاطفية والصداقة، فوجود عدو مشترك يمكن له أن يوِّحد صف الأصدقاء، أو يحل مشكلةً كبيرةً بين الطرفين في الحب، على سبيل المثال، عادةً ما تنجح جملة «اتحسدنا» على حل مشكلة كبيرة وقعت بين زوجين، وبهذه الطريقة لا يقع الخطأ على أيٍّ من الطرفين، بجانب أهمية توحدهم والتكتم على أخبارهم حتى لا ينجح هذا «الحسود» أن يؤثر فيهم مرة أخرى، ونرى الأمر يتكرر في الصداقة عندما يدعي طرف من الأطراف أنه تصرف هذا التصرف الخطأ لأن هناك مَن تدخل ليحدث الوقيعة بينه وبين صديقه.

وبهذا نجد أن العدو المشترك، هو الفزاعة الموجودة في حقل كل علاقة، بدايةً من علاقة السلطة بالشعب، وصولًا لعلاقة الأزواج في منزلهم. ضرورة وجود العدو المشترك أدركتها السلطات السياسية منذ زمن بعيد، وما زالت تُستخدم حتى الآن، وربما تكون سمعت أكثر من مرة كلمة «الشماعة» والتي قد يطلقها بعض المدركين لهذه الخدعة في وطنهم، مشيرين إلى أن العدو المشترك هو «الشماعة» التي تعلق عليها السلطة أخطاءها أمام الشعب وتتنصل منها، وتخلق الرعب في قلوبهم من تلك «الشماعة»، ثم تفتح للشعب ذراعيها حتى تحميهم من عدو يكون في بعض الأحيان من صناعة السلطة نفسها.

إعلام

منذ سنة واحدة
كیف یجري التلاعب بالشعوب والأنظمة؟ 14 أسلوبًا لتغییر الرأي العام

المصادر

تحميل المزيد